ميغاترون يكشف أسرار تكوين مجرة درب التبانة
اكتشف كيف يغير تلسكوب جيمس ويب فهمنا لنشأة مجرة درب التبانة من خلال محاكاة ميغاترون التي تكشف تفاعل آلاف المجرات الصغيرة وتحدي النماذج القديمة بفهم أعمق لتطور الكون المبكر على وورلد برس عربي.

_منذ سنوات قليلة، كان علم الفلك يكتفي بنماذج حاسوبية تُحاكي نشأة المجرّات بالاستناد إلى قوانين الفيزياء المعروفة، من دون أن تتوفّر وسيلة فعلية لاختبار مدى دقّة تلك النماذج مقابل الواقع. اليوم، وبفضل تلسكوب جيمس ويب الفضائي (James Webb Space Telescope) القادر على رصد أعماق الكون المبكر كما لم يفعل أي تلسكوب من قبل، صار بإمكان الباحثين أن يقارنوا تنبؤات الحاسوب بأرصاد حقيقية. وهذا بالضبط ما يقدّمه مشروع «ميغاترون» (Megatron)، وهو محاكاة حاسوبية استغرق إنجازها ثلاث سنوات، وتُقدَّم الآن بوصفها الأدقّ حتى الآن في تتبّع كيفية تكوّن مجرّة شبيهة بدرب التبانة.
النتيجة المركزية للمشروع مثيرة بذاتها: المنطقة التي ستُصبح لاحقاً درب التبانة لم تكن يوماً جسماً واحداً متماسكاً، بل كانت في أولى ملياري سنة بعد الانفجار العظيم سِرباً من آلاف المجرّات الصغيرة، متفاوتة الأحجام والأشكال، تصادمت واندمجت تدريجياً لتُنتج في النهاية المجرّة التي نعرفها اليوم.
كيف وُلدت المجرّة من العدم؟
يبدأ نموذج «ميغاترون» محاكاته من نقطة صفر تقريباً: بعد 180 مليون سنة من الانفجار العظيم، لا نجوم ولا مجرّات، فقط غاز بدائي نقي. على مدى المليارَي سنة التالية، يُظهر النموذج اشتعال أولى النجوم وبدء ما يُعرف بـ«فجر الكون»، قبل أن تنتهي حياة تلك النجوم بموتٍ عنيف ينثر عناصر الكربون والأكسجين والحديد في الغاز المحيط وهي العناصر نفسها الضرورية لاحقاً لتكوّن الحياة. تتوقّف المحاكاة عند حدود ملياري سنة بعد الانفجار العظيم، علماً أنّ عمليات اندماج درب التبانة استمرّت بعد ذلك بزمنٍ طويل، وما زال الباحثون يكتشفون آثاراً لمجرّات صغيرة انضمّت إليها لاحقاً.
يختصر هارلي كاتز، الباحث المشارك في الدراسة والأستاذ المساعد في الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو، أهمية هذه النتيجة بقوله: «عند النظر إلى هذه النتائج، يتضح جلياً أنّ الفيزياء التي وقعت مباشرة بعد الانفجار العظيم لها أثر مباشر على ما نراه اليوم في الكون المحلي».
لماذا تتحدّى اكتشافات جيمس ويب النماذج القائمة؟
الدافع الحقيقي وراء مشروع بهذا الحجم ليس الفضول العلمي وحده، بل أزمة حقيقية في النماذج الفيزيائية السائدة. فقد رصد تلسكوب جيمس ويب مجرّات مبكرة ساطعة بشكل لم يكن متوقّعاً، إضافة إلى أجسام مدمجة أُطلق عليها اسم «النقاط الحمراء الصغيرة» (Little Red Dots). هذه الاكتشافات، بحسب الباحثين، لا تتّفق بسهولة مع النماذج الحاسوبية الحالية لفيزياء الكون المبكر، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول دقّة الافتراضات المعتمدة حتى الآن.
هنا يكمن الدور العملي لـ«ميغاترون»: فهو لا يكتفي بمحاكاة تطوّر الغاز وضوء النجوم والكيمياء الكونية بين 180 مليون و2 مليار سنة بعد الانفجار العظيم فحسب، بل يُنتج أيضاً تواقيع ضوئية مميّزة لكل مجرّة يُحاكيها. وبما أنّ جيمس ويب يجمع بيانات طيفية (spectral data) تغطّي حقبة زمنية كونية مماثلة، أصبح بالإمكان إجراء مقارنات مباشرة بين تنبّؤات النموذج والأرصاد الفعلية، وكذلك مع الآثار الكيميائية المتبقّية في النجوم القديمة.
يصف مارتن ري، الباحث المشارك في الدراسة والفيزيائي الفلكي النظري في جامعة باث بالمملكة المتحدة، هذا التكامل بقوله: «معاً، تتيح لنا هذه الأرصاد المتكاملة اختبار نماذج متنافسة للنجوم الأولى بطرق لم تكن متاحة من قبل».
ما الذي يكشفه النموذج حين يُخطئ؟
ما يميّز هذا النوع من الأبحاث عن الإعلانات العلمية الاحتفالية المعتادة هو إقرار الباحثين صراحةً بحدود النموذج. يقول كاتز: «لكن هناك أيضاً أشياء لا نُصيبها، وهذا أمر مثير للاهتمام أيضاً ما هي الأجزاء التي ما زلنا نفتقدها؟»، مضيفاً أنّ هذه الفجوات «يمكن أن تقودك إلى اتجاهات جديدة وأسئلة جديدة». هذا الإطار المنهجي استخدام الاختلاف بين النموذج والرصد كأداة تشخيصية لا كفشل هو جوهر ما يجعل المقارنة بين «ميغاترون» وجيمس ويب مفيدة عملياً: هي تساعد العلماء على تقييم كيفية تأثير معايير الفيزياء المختلفة على نشأة الكون المبكر، وعلى اختبار نماذج النجوم الأولى وكيفية إثرائها للبيئة المحيطة بها كيميائياً.
نُشرت نتائج المشروع في ست أوراق بحثية صدرت في 30 سبتمبر ضمن مجلّة «The Open Journal of Astrophysics»، وتحديداً في عددها التاسع الصادر في سبتمبر 2026. وتحمل الورقة الرئيسية المُستشهد بها عنوان:
"ميغاترون: إعادة إنتاج تنوع أطياف المجرات ذات الإزاحة الحمراء العالية باستخدام محاكاة الهيدروديناميكا الإشعاعية الكونية" ، وشارك في تأليفها إلى جانب كاتز وري كلٌّ من Corentin Cadiou وOscar Agertz وJeremy Blaizot وAlex J. Cameron وNicholas Choustikov، ضمن فريق بحثي أوسع. ويمكن الاطّلاع على الورقة كاملة عبر معرّف الوثيقة الرقمي DOI: 10.33232/001c.169643، أو من خلال صفحة البحث على موقع المجلّة.
اندماج لم ينته بعد
تذكّرنا هذه الدراسة بأنّ قصّة تكوّن درب التبانة ليست حدثاً منتهياً، بل عملية مستمرّة. فآخر عملية اندماج كبرى شهدتها مجرّتنا تتعلّق بمجرّة «قزم القوس» (Sagittarius dwarf galaxy)، وهو اندماج بدأ منذ أكثر من 6 مليارات سنة وما زال مستمراً حتى اليوم، بحسب صورة توثيقية نشرتها وكالة ناسا لآثار هذا الاندماج. وهذا يعني أنّ النموذج الذي توقّف عند حدود ملياري سنة بعد الانفجار العظيم لا يُغطّي سوى فصل واحد من رواية أطول بكثير، ما زالت فصولها اللاحقة قيد الكتابة الكونية.
أما المرحلة المقبلة من المشروع، فيعمل عليها فريق «ميغاترون» في المملكة المتحدة حالياً، عبر تطوير جيل جديد من المحاكاة بالاستفادة من وقت حوسبة مخصّص على الحواسيب الفائقة البريطانية. وستتضمّن هذه النسخة الجديدة فيزياء أكثر تعقيداً، من بينها الثقوب السوداء النشطة، التي كشف جيمس ويب أنّها كانت أكثر شيوعاً في الكون المبكر مما كان يُعتقد سابقاً. وبذلك، تبقى المسافة بين ما تتنبّأ به النماذج الحاسوبية وما يرصده التلسكوب الفضائي هي المساحة التي يُعاد فيها، مرّة بعد أخرى، كتابة فهمنا لأصل مجرّتنا.
أخبار ذات صلة

اكتشاف كهوف القمر السرية: مشروع NASA الجديد

تلسكوب جيمس ويب يرصد أبعد "انفجار راديوي سريع" في الكون، يتجاوز الرقم القياسي السابق

المحيط الهادئ الأوسط يسجل قطيعة قياسية في درجات الحرارة.. وخبراء يرجحون مؤشراً لنوع جديد من النينيو
