مجرة M83 تظهر وجوهها المختلفة عبر التلسكوبات
صورة مجرّة M83 تختلف تماماً حسب نوع التلسكوب المستخدم بين الضوء المرئي والموجات دون المليمترية لتكشف عن أسرار جديدة في تكوينها. هذا التنوّع في الرصد يعزز فهمنا للكون ويبرز أهمية أدوات الفلك المتعددة وورلد برس عربي.

مجرّةٌ واحدة، لكنّ صورتين لا تكادان تتشابهان. هذا ما تكشفه أحدث الملاحظات الفلكية لمجرّة M83، المعروفة أيضاً باسم Messier 83، حيث التقط تلسكوبان مختلفان في تشيلي صورتين متباينتين لدرجة أنّ المُشاهد قد يظنّهما لجرمين مختلفين تماماً، لا لمجرّة واحدة تبعد عن الأرض 15 مليون سنة ضوئية.
القصة هنا ليست فلكيةً بحتة بقدر ما هي درسٌ في فلسفة الملاحظة العلمية: الأداة التي تُراقب بها الظاهرة ما تراه منها، وما تُغفله أيضاً.
كيف بدت M83 في الضوء المرئي؟
التقط جهاز Wide Field Imager التابع لمرصد La Silla، الذي يُديره المرصد الأوروبي (European Space Observatory) في تشيلي، صورةً لـ M83 بالضوء المرئي — أي بالطريقة التي قد تراها بها العين البشرية لو امتلكت حساسيةً كافية. أظهرت هذه الصورة تدرّجات من البنفسجي والوردي والأزرق والرمادي، وكشفت عن بنية الغاز والغبار التي تُشكّل الذراعين الحلزونيين المميّزين لهذه المجرّة، وهما السمة التي جعلت منها هدفاً مفضّلاً للمراقبة الفلكية على مرّ السنين.
وماذا أظهرت الموجات دون المليمترية؟
في المقابل، رصدت منظومة ALMA (Atacama Large Millimeter/submillimeter Array) المجرّة ذاتها، لكن بموجاتٍ دون مليمترية — وهي نطاقٌ يقع بين الأشعة تحت الحمراء البعيدة والموجات الميكروية. الصورة الناتجة جاءت بتدرّجات من البرتقالي والأسود، وكشفت عن الغاز الجزيئي البارد داخل المجرّة، وهي مكوّنات لا تظهر إطلاقاً في صور الضوء المرئي.
النتيجة أنّ الصورتين تبدوان، بحسب الوصف الدقيق للمقارنة، متعاكستين تقريباً، رغم أنّهما لنفس الجرم السماوي. يمكن للقارئ الاطّلاع على المقارنة المباشرة بين الصورتين عبر صفحة المرصد الأوروبي الجنوبي.
هذا التباين ليس عيباً في أحد التلسكوبين، بل هو بالضبط ما تسعى إليه الملاحظة متعدّدة الأطوال الموجية: فالرصد بالأشعة تحت الحمراء أو بالموجات دون المليمترية يكشف غالباً تفاصيل لا يُمكن رؤيتها بالضوء المرئي وحده، لأنّ كل نطاقٍ من الطيف الكهرومغناطيسي "يُضيء" مكوّناً مختلفاً من مكوّنات الجرم السماوي — الغبار الساخن في حالة، والغاز البارد في حالة أخرى.
لماذا تحتاج الفلك إلى هذا التنوّع؟
تكمن القيمة العلمية هنا في مبدأ أساسي: تعدّد المراصد والأطوال الموجية وزوايا الرصد يمنح فهماً أعمق للكون، لا يمكن الوصول إليه من مصدر رصدٍ واحد. وهذا بالضبط ما يُفسّر سبب استمرار وكالة ناسا (NASA) في الاستثمار بتلسكوبات جديدة رغم وجود شبكة واسعة من المراصد الأرضية والفضائية العاملة فعلاً.
تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي التابع لناسا، المرتقب أن يُضيف طبقةً جديدة من الملاحظات، صُمّم ليكون مكمّلاً للتلسكوبات القديمة لا بديلاً عنها — وهو المنطق نفسه الذي يُفسّر لماذا لا تزال صورة مجرّة اكتُشفت وتُرصد منذ عقود، مثل M83، قادرةً على تقديم معلومات جديدة كلّما تغيّرت الأداة التي نراها بها.
وبقدر ما يبدو الأمر تفصيلاً تقنياً يخصّ الفلكيين، فإنّ المبدأ الكامن خلفه له صدى واسع في أي مجالٍ علمي يعتمد على الرصد والقياس: الظاهرة الواحدة قد تُقرأ قراءاتٍ متعدّدة بحسب الأداة المستخدمة، والفهم الكامل غالباً ما يتطلّب الجمع بين عدّة زوايا رصدٍ لا الاكتفاء بواحدة. وهذا ما تستمرّ صور M83 في تذكير العلماء والجمهور به، مجرّةً تلو أخرى.
أخبار ذات صلة

كواكب غريبة: علماء يكتشفون "جواهر" في غلاف كوكب "الإسفنج" الملتهب

الراديو الفينيقي: رصدٌ فلكي يتجاوز منطقة العمى الكوني

نكهة النيوترينوات تحدّد مصير النجم الضخم
