زيارة عون لأنقرة تحدد مستقبل العلاقات اللبنانية التركية
زيارة الرئيس اللبناني إلى أنقرة تسعى لتعزيز الحوار السياسي وتوضيح العلاقات بين البلدين وسط تحديات إقليمية معقدة تشمل التعاون العسكري والحدود البحرية والتوازنات الإقليمية في شرق المتوسط وورلد برس عربي

في إشارةٍ إلى أن بيروت تسعى لإعادة تعريف علاقاتها الإقليمية بصورةٍ أكثر وضوحاً، يتوجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى أنقرة يوم الخميس في زيارةٍ تستغرق يوماً واحداً، يلتقي خلالها بالرئيس التركي Recep Tayyip Erdogan. الزيارة لا تحمل في جدول أعمالها توقيع معاهدات أو اتفاقيات ثنائية، وسيرافق عون وفدٌ صغير من المستشارين الرئاسيين دون أيٍّ من الوزراء.
ما يستحقّ الانتباه هنا ليس ما سيُوقَّع، بل ما سيُقال. فبحسب ما أفادت به مصادر لبنانية وتركية ، ستتمحور المحادثات حول طبيعة العلاقة السياسية بين البلدين، وما يساور أنقرة من قلقٍ إزاء تموضع لبنان الإقليمي، فضلاً عن إمكانيات توسيع التعاون العسكري والدبلوماسي.
قال مصدرٌ لبناني رفيع : «هذه الزيارة بداية شيء ما. لبنان في موقفٍ سياسي دقيق؛ يحتاج إلى الحفاظ على علاقاتٍ جيدة مع الجميع وتجنّب إزعاج أيٍّ من الأطراف».
وأقرّ المصدر ذاته بأن ثمّة ثغراتٍ في التواصل بين الجانبين، غير أنه نفى وجود توتّرٍ حقيقي: «ربّما كان هناك غيابٌ للتواصل من الطرفين، لكن لم تصدر أي إشارةٍ تدلّ على استياءٍ تركي من المسار السياسي اللبناني. الزيارة ستكون محادثةً شاملة ومفتوحة وصريحة بين الرئيسين».
الزيارة إذن ليست مصالحةً ولا استعادةً للعلاقات، بل هي محاولةٌ لإضفاء تعريفٍ سياسي أوضح على علاقةٍ قائمة فعلاً عبر القنوات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، لكنّها تفتقر إلى إطارٍ استراتيجي مُحدَّد.
لبنان في مربّع التوازنات
تأتي هذه الزيارة في سياقٍ يسعى فيه لبنان إلى إدارة علاقاتٍ متشعّبة مع تركيا ودول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا وسائر الأطراف الإقليمية، دون أن يبدو منحازاً بشكلٍ حصري لأيٍّ من هذه الكتل. أما أنقرة، فترى في اللقاء فرصةً لإيصال توقّعاتها بشأن موقف بيروت في منطقةٍ باتت تتشكّل بصورةٍ متسارعة وفق معادلاتٍ جديدة تتقاطع فيها مسارات الطاقة والحدود البحرية والشراكات الدفاعية والعلاقات مع إسرائيل.
الدور التركي في الجنوب
قبيل الزيارة، أدلى عون بتصريحاتٍ لوكالة Anadolu التركية أعلن فيها ترحيب لبنان بأيٍّ دورٍ تركي محتمل في أيٍّ ترتيبٍ دولي مستقبلي في جنوب لبنان، في سياق النقاشات الجارية حول مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (Unifil). وكانت تركيا قد شاركت سابقاً في فرقة المهام البحرية لـ Unifil، وحافظت على تعاونٍ عسكري وأمني مع الدولة اللبنانية.
يبدو أن تصريحات عون جاءت لتؤكّد أن بيروت تنظر إلى أنقرة بوصفها شريكاً محتملاً في تحقيق الاستقرار اللبناني، لا مجرّد قوةٍ إقليمية خارجية. كما يُتوقَّع أن يتناول الرئيس اللبناني تطبيق الاتفاقيات المنظِّمة للأوضاع في جنوب لبنان، بما فيها ضرورة الانسحاب الإسرائيلي واستمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني.
في المقابل، يُتوقَّع أن يستغلّ المسؤولون الأتراك اللقاء للمطالبة بمزيدٍ من الوضوح حول توجّهات السياسة الخارجية اللبنانية، لا سيّما في أعقاب اتفاقية الحدود البحرية التي أبرمتها بيروت مع قبرص.
اتفاقية قبرص البحرية وما أثارته في أنقرة
كشف مسؤولٌ تركي رفيع أن أنقرة «صُدمت» حين أقدم لبنان بصورةٍ منفردة على إبرام اتفاقية الحدود البحرية مع قبرص دون التشاور المسبق مع تركيا. لم يكن القلق التركي مجرّد استياءٍ من الإقصاء، بل نظر المسؤولون الأتراك إلى الاتفاقية باعتبارها تحمل أبعاداً إقليميةً أوسع، نظراً للروابط الاستراتيجية والطاقوية الوثيقة التي تجمع قبرص باليونان وإسرائيل.
تحوّل شرق المتوسط إلى ساحةٍ لتنافسٍ متعدّد الأوجه يشمل الطاقة والنقل والمشاريع السياسية. يتشكّل في هذه المنطقة تحالفٌ يجمع إسرائيل وقبرص واليونان عبر مشاريع ربطٍ كهربائي وبنيةٍ تحتية للغاز ومسارات نقلٍ تستهدف وصل شرق المتوسط بأوروبا. في المقابل، تروّج تركيا لممراتٍ بديلة تضعها في مركز شبكة الطاقة والتجارة الرابطة بين آسيا والشرق الأوسط والأسواق الأوروبية.
الاتفاقية اللبنانية-القبرصية لا تضع بيروت رسمياً في تحالفٍ مع إسرائيل، غير أن أنقرة تخشى أن تسحب هذه الخطوة لبنانَ تدريجياً نحو إطارٍ إقليمي مبنيٍّ حول قبرص واليونان وإسرائيل، وهو ما يتعارض مع طموحاتها الاستراتيجية. من المنظور التركي، المسألة ليست وجود علاقاتٍ لبنانية-قبرصية في حدّ ذاتها، بل تتعلّق بما إذا كانت القرارات البحرية والاقتصادية اللبنانية ستكتسب مع الوقت معنىً سياسياً أشمل.
أفاد مصدرٌ دبلوماسي رفيع بأن Erdogan يعتزم إثارة هذه المسألة مباشرةً مع عون، وسيوضح أن تركيا لا تستطيع النظر إلى لبنان بوصفه حليفاً لإسرائيل، في ظلّ ما تعتقده أنقرة من أن بعض المقرّبين من الرئاسة اللبنانية يميلون إلى هذا التوجّه.
قال المصدر: «في الحدّ الأدنى، تتوقّع أنقرة أن يحافظ لبنان على الحياد في الصراع الإقليمي».
القلق التركي لا يعني بالضرورة اعتقاداً بأن لبنان انضمّ فعلاً إلى معسكرٍ إقليمي بقيادة إسرائيل، بل يعكس حالةً من الغموض حول كيفية تموضع بيروت مع بروز ترتيباتٍ بحرية وطاقوية وأمنية جديدة. ويُتوقَّع أن يستغلّ عون اللقاء لطمأنة Erdogan بأن انخراط لبنان مع قبرص وسائر الأطراف الإقليمية لا يستهدف تركيا، وأن يشرح له مقاربة بيروت في مفاوضاتها مع إسرائيل التي يقدّمها المسؤولون اللبنانيون باعتبارها مساعيَ لتأمين الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز السيادة وإنهاء الأعمال العدائية، لا إقامةَ تحالفٍ استراتيجي.
التعاون العسكري: ورقةٌ تركية على الطاولة
في مقابل الحصول على مزيدٍ من الوضوح بشأن الموقف الإقليمي اللبناني، يبدو أن أنقرة مستعدّةٌ لتوسيع دعمها للدولة اللبنانية، ولا سيّما الجيش اللبناني. أفاد المصدر الدبلوماسي الرفيع بأن أنقرة تنوي دعوة قائد الجيش اللبناني لزيارة منشآت الصناعات الدفاعية التركية، مشيراً إلى أن تركيا قادرةٌ على تزويد الجيش بمعدّاتٍ عسكرية ذات شأن، متى حدّدت المؤسسة العسكرية اللبنانية احتياجاتها وأبدت اهتماماً رسمياً بذلك.
تمتلك الصناعة الدفاعية التركية منظومةً متكاملة تشمل الطائرات المسيّرة والمركبات المدرّعة وأنظمة الاتصالات والمنصّات البحرية وغيرها من المعدّات، وباتت أنقرة توظّف التعاون الدفاعي ورقةً في دبلوماسيتها الإقليمية.
شدّد المصدر على ضرورة عدم قراءة الانخراط التركي في لبنان من خلال عدسة الإرث التاريخي للدولة العثمانية: «تركيا عضوٌ في حلف Nato وتتعامل مع لبنان من منظورٍ استراتيجي حديث، لا من إطارٍ تاريخي عثماني».
بالنسبة للبنان، قد يُشكّل الدعم العسكري التركي رافداً إضافياً في مرحلةٍ يتولّى فيها الجيش مسؤولياتٍ أمنية موسّعة في أرجاء البلاد وعلى حدوده. بيد أن بيروت ستضطرّ إلى إدارة أيٍّ توسّعٍ في هذا التعاون بعنايةٍ فائقة، حتى لا يُفسَّر على أنّه استبدالٌ للشراكات العسكرية الراسخة مع الولايات المتحدة وفرنسا وسائر الشركاء الغربيين.
ما قد لا يظهر في العنوان
تكمن أهمية زيارة عون لأنقرة أقلّ في ما قد يُبرَم من اتفاقياتٍ فورية، وأكثر في مسعى تحديد الحدود السياسية للعلاقة اللبنانية-التركية. البلدان يحافظان بالفعل على علاقاتٍ دبلوماسية وتبادلٍ تجاري وتعاونٍ أمني، كما تمتلك تركيا نفوذاً سياسياً وثقافياً وإنسانياً في أجزاءٍ من لبنان. لكنّ العلاقة ظلّت مُبهمة لأن أيٍّ من الطرفين لم يُحدّد بوضوحٍ ما يتوقّعه من الآخر في خضمّ تحوّلاتٍ إقليمية متسارعة.
ثلاثة سيناريوهات تبدو واقعية في أعقاب هذه الزيارة:
الأرجح، أن تُفضي المحادثات إلى تفاهمٍ أوّلي يُرسي قناةً أكثر مباشرةً بين الرئيسين، ويُقلّص احتمال سوء تفسير القرارات اللبنانية المستقبلية في أنقرة.
المحتمل، أن تُطلق الزيارة مساراً للتعاون العسكري يتجسّد في زيارة قائد الجيش لمنشآت الصناعات الدفاعية التركية خلال الأشهر المقبلة.
الأقلّ احتمالاً، أن تُنتج الزيارة تحوّلاً استراتيجياً فعلياً في تموضع لبنان الإقليمي، إذ إن هامش المناورة أمام بيروت يبقى ضيّقاً في ظلّ توازناتٍ داخلية وإقليمية بالغة الحساسية.
كما أجمل المصدر اللبناني الرفيع: لن تكون هذه الزيارة بداية العلاقات بين البلدين، بل بداية محادثةٍ أكثر صراحةً حول وجهتها.
أخبار ذات صلة

روسيا تتهم مؤسس تليجرام بافل ديوروف بتمويل الإرهاب

المغرب يسمّي طريقاً سريعة في الصحراء الغربية باسم ترامب

العراق يعيد رسم خريطته بعد رحيل القوات الأمريكية
