أكبر حفرة تصادمية جديدة على سطح القمر تكشف أسرار الفضاء
اكتشاف أكبر حُفرة تصادمية حديثة على سطح القمر يكشف أسرار تأثير الاصطدامات على بيئتين جيولوجيتين مختلفتين ويعزز فهمنا لتاريخ القمر ويُعد فرصة نادرة لدراسة سطحه قبل وبعد الاصطدام مع أهمية للاستكشاف المستقبلي وورلد برس عربي

بين أبريل ومايو من عام 2024، اصطدم جسمٌ فضائي بسطح القمر وحفر فيه جرحاً دائرياً بعمق 43 متراً وعرض 222 متراً ولم يعلم أحدٌ بذلك إلا بعد مرور أشهر. حين اكتشف العلماء الحُفرة في عام 2025 بمقارنة صور مركبة الفضاء NASA Lunar Reconnaissance Orbiter (LRO)، أدركوا أنّهم أمام شيءٍ لم يرصده علم الفلك الحديث من قبل: أكبر حُفرة تصادمية تتشكّل حديثاً يُعثر عليها في المنظومة الشمسية بأسرها.
أُطلق على الحُفرة اسم McGetchin، وتقع على الحدّ الفاصل بين المنطقتين الجيولوجيتين الكبريين على سطح القمر: السهول البازلتية الداكنة المعروفة بـ"البحار" (Mare)، والمرتفعات الأفتح لوناً. هذا الموقع الحدودي ليس تفصيلاً عابراً؛ إذ يمنح الباحثين نافذةً نادرة لدراسة كيفية تأثير الاصطدامات على بيئتين جيولوجيتين مختلفتين في آنٍ واحد، في حُفرة واحدة، وفي لحظةٍ تاريخية محدّدة.
فرصةٌ لا تتكرّر إلا مرةً كل قرن
نُشرت نتائج الدراسة في صورة ورقتين علميتين في مجلة Science Advances بتاريخ 16 سبتمبر 2025. الورقة الأولى، التي قادها Mark Robinson من شركة Intuitive Machines، وصفت الحُفرة وتوزيع المواد المقذوفة من جرّاء الاصطدام. أما الورقة الثانية، فحلّلت منطقةً أوسع تأثّرت بالاصطدام، مستعينةً ببيانات جهاز Diviner Lunar Radiometer المثبّت على متن LRO.
Tyler Powell، الباحث الرئيسي للدراسة الثانية، لخّص الأهمية الاستثنائية للاكتشاف بقوله: "حُفرة McGetchin استثنائية لأنّها أكبر حُفرة تصادمية تتشكّل حديثاً يُعثر عليها حتى الآن". وأضاف بوضوح يعكس حجم المصادفة العلمية: "حُفرةٌ بهذا الحجم لا يُتوقّع أن تتشكّل على القمر إلا مرةً واحدة كل قرن، لذا نحن محظوظون للغاية لأنّها تشكّلت خلال عمر مهمة LRO، وأنّنا قادرون على رصد المنطقة قبل الاصطدام وبعده".
هذه النقطة الأخيرة جوهرية. فمركبة LRO ترصد القمر منذ أكثر من 17 عاماً، وهو ما أتاح للعلماء صوراً مقارنةً دقيقة تُظهر السطح قبل الحادثة وبعدها وهو أمرٌ نادر الحدوث في الدراسات القمرية التي تتعامل في الغالب مع حُفر عمرها ملايين السنين، تآكلت معالمها بفعل الرياح الشمسية والاصطدامات الصغيرة المتراكمة.
ما كشفه الجليد الحراري
رصد جهاز Diviner ظاهرةً لافتة: "بقعة باردة" (Cold Spot) قطرها 7 كيلومترات تحيط بالحُفرة، تبلغ درجة حرارتها في الليل القمري ما بين 8 و9 كلفن أي ما يعادل 14 إلى 16 درجة فهرنهايت أقلّ من درجة حرارة التربة المحيطة. السبب ليس وجود جليد أو مواد غريبة، بل التربة القمرية ذاتها التي تناثرت وتفككت جرّاء الاصطدام، وأصبحت أقل كثافةً وأكثر "رخاوةً" مما كانت عليه، فباتت تفقد الحرارة بصورة مختلفة.
هذا التغيّر في خصائص التربة القمرية التي يُطلق عليها العلماء اسم "الريغوليث" (Regolith) هو بالضبط ما يحتاج الباحثون إلى فهمه. فكما يقول Powell: "التصادم بالأجرام الفضائية هو أحد أكثر العمليات شيوعاً وأهمية في المنظومة الشمسية. فهم كيفية تعديل الاصطدامات للسطح ومحيطه أمرٌ بالغ الأهمية لتفسير الجيولوجيا القمرية وتاريخها".
كشفت كاميرا LROC أيضاً عن غطاء واسع من المواد المقذوفة يحيط بالحُفرة، وهو ما يُتيح للعلماء دراسة أنماط التوزيع الفعلية لهذه المواد بدلاً من الاعتماد على النماذج النظرية وحدها.
ما الذي تعنيه McGetchin لمستقبل الاستكشاف القمري؟
تكتسب حُفرة McGetchin أهميةً مضاعفة في ضوء موجة الاهتمام الدولية المتجدّدة بالقمر. فالفهم الدقيق لكيفية تأثير الاصطدامات على خصائص سطح القمر ليس مجرّد فضول علمي، بل هو معطىً تشغيلي يؤثّر في تصميم المركبات الجوّالة والمعدّات المُهبَطة على سطحه. يقول Powell في هذا الصدد: "فهم كيفية تأثير الاصطدامات على خصائص السطح ذو صلة بالاستكشاف القمري والمهمات المستقبلية المُهبَطة".
لكنّ القيمة الحقيقية للحُفرة ستتجلّى حين تصل إليها مركبةٌ أو رائد فضاء عن قُرب. يُوضّح Powell: "الرصد من السطح سيكون ذا قيمة حقيقية، لأنّه سيُتيح لنا ربط ما نراه ونرسمه من المدار بالتغيّرات الدقيقة في ملمس السطح، وتوزيع المواد المقذوفة، وخصائص أخرى لا يمكن دراستها بالتفصيل إلا من السطح مباشرةً"، مضيفاً: "هذا من شأنه أن يُعمّق فهمنا لجوانب كثيرة من عملية التصادم".
تبقى الحُفرة في حالتها البكر، لم تمسّها سوى أشهر قليلة من التعرّض للبيئة الفضائية القاسية. وهذا الشباب الجيولوجي إن صحّ التعبير هو ما يجعلها مختبراً طبيعياً لا يمكن تصميمه في أي مرفق بحثي على الأرض. السؤال المطروح الآن ليس عمّا حدث بين 11 أبريل و22 مايو 2024، بل عمّا ستكشفه لنا حين تطأها أقدامٌ بشرية أو عجلاتٌ آلية في المستقبل.
أخبار ذات صلة

رواد فضاء Crew-12 يستعدّون للعودة إلى الأرض: "أتطلّع لرؤية الطبيعة مجدّداً"

المستوطنون على المريخ قد يسكنون منازل من الخميرة والجيلاتين

علماء الفلك يكتشفون 50 مجرة قزمة شبحية مفقودة
