الذكاء الاصطناعي يغير قواعد الرياضيات للأبد
إعلان OpenAI عن حل مسألة Navier-Stokes أثار جدلاً واسعاً بين الرياضيين حول دور الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي وأخلاقيات استخدامه هل هو شريك في بناء المعرفة أم تهديد للأسس الإنسانية وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.

في الثامن من سبتمبر 2026، أطلقت شركة OpenAI إعلاناً هزّ أوساط الرياضيات في العالم: نشر عشرة آلاف عامل ذكاء اصطناعي لحلّ مسألة Navier-Stokes للوجود والنعومة، إحدى أصعب سبع مسائل رياضية في التاريخ الحديث. الإعلان لم يكن مجرد خبر علمي كان شرارةً أشعلت جدلاً عميقاً حول أخلاقيات البحث، وحقوق الرياضيين، وسؤال جوهري: هل الذكاء الاصطناعي شريكٌ في بناء المعرفة الرياضية، أم أنه يُهدّد أسسها الإنسانية؟
بعد أسبوع واحد، في 15 سبتمبر 2026، التقى نخبةٌ من أبرز الرياضيين في العالم في منتدى Heidelberg Laureate Forum بهايدلبرغ، ألمانيا، ليتداولوا هذا السؤال بصراحةٍ نادراً ما تصل إليها قاعات المؤتمرات العلمية.
مسألةٌ بمليون دولار وعشرة آلاف آلة
لفهم ثقل ما جرى، لا بدّ من العودة إلى عام 2000، حين وضع معهد Clay Mathematics سبع مسائل رياضية مفتوحة، وخصّص لكلٍّ منها جائزةً قدرها مليون دولار. هذه مسائل الجائزة الألفية لم تُحلّ منها حتى اليوم سوى مسألةٍ واحدة حدسية Poincaré وذلك وفق معايير المعهد الصارمة. أما مسألة Navier-Stokes، التي تصف معادلاتها حركة السوائل وتُعدّ من أعمق المشكلات في الفيزياء الرياضية، فقد ظلّت عصيّةً على الحلّ لعقود.
ما أعلنته OpenAI في إعلانها الرسمي هو أنها نشرت عشرة آلاف عامل ذكاء اصطناعي للتعامل مع هذه المسألة تحديداً. لكنّ الإعلان لم يصدر في فراغ فقد كان الرياضيان Tristan Buckmaster من جامعة نيويورك وLevent Alpöge يعملان على المسألة ذاتها منذ نحو عام قبل أن تُطلق OpenAI إعلانها. وبحسب ما كشفه الأستاذ Michael Harris من جامعة Columbia في نشرته على Substack بعنوان Silicon Reckoner، فإن OpenAI أحاطت علماً بعمل الباحثَين وضغطت عليهما لعدم الإفصاح عن نتائجهما.
هذه التفاصيل جعلت من الإعلان أكثر من مجرد خبر علمي إنها قضيةٌ أخلاقية بامتياز.
"مثل القراصنة الاستعماريين"
لم يتردّد Harris في انتقاد ما جرى بلغةٍ حادّة. قال في المنتدى: «لا يوجد عائقٌ قانوني أمام النوع من السلوك الافتراسي الذي شهدناه خلال الشهر الماضي تحديداً، تماماً كما لم يكن هناك عائقٌ قانوني في القرن التاسع عشر أمام الاستيلاء العنيف على الأراضي من قِبَل القوى الاستعمارية.» وأضاف: «من يتصرّف بطريقةٍ تُدمّر المجتمع العلمي لا ينبغي أن يُعدّ عضواً مقبولاً فيه.»
دعا Harris إلى وضع أطر تنظيمية تحمي الرياضيين من هذا النوع من السلوك، وأيّده في ذلك Geordie Williamson من جامعة Sydney الذي أبدى قلقاً مماثلاً حول تداعيات الذكاء الاصطناعي على المجتمع الرياضي.
في المقابل، قدّم Peter Scholze، الحائز على ميدالية Fields عام 2018 والمدير المشارك لمعهد Max Planck، تقييماً مختلفاً لإعلان OpenAI، إذ وصفه ببساطة بأنه «نوعٌ من العلاقات العامة». وأوضح موقفه من الجوهر العلمي قائلاً: «الهدف من مسائل الجائزة الألفية ليس مجرد حلّ مسألة رياضية، بل إحداث منظورٍ جديد يُلقي الضوء على مجموعة من الأسئلة المفتوحة المرتبطة بها، بطريقةٍ تبني الفهم الإنساني وهو ما يصعب على برهانٍ طويل تنتجه الآلة أن يحقّقه.» والجدير بالذكر أن Scholze، الذي يعمل من مكتبه في معهد Max Planck، لم يستخدم قطّ نموذجاً لغوياً كبيراً، ويكتفي في حياته اليومية بهاتفٍ بسيط لا يدعم الإنترنت.
الرياضي الذي عبر إلى الجانب الآخر
الصوت الأكثر إثارةً للجدل في المنتدى كان Jacob Tsimerman، الحائز على ميدالية Fields عام 2026 وأستاذ الرياضيات في جامعة Toronto. في يوليو 2026، انضمّ Tsimerman إلى OpenAI بوصفه باحثاً في سلامة الذكاء الاصطناعي وهو قرارٌ أثار تساؤلاتٍ كثيرة في الأوساط الأكاديمية.
Tsimerman هو أيضاً مؤسّس المعهد الرياضي لسلامة الذكاء الاصطناعي (Mathematical AI Safety Institute)، وهو منظمةٌ مستقلة غير ربحية تُعنى بهذا الملف. وقد أبدى في المنتدى قلقه من أن الخبر الجوهري يضيع وسط الجدل: «أعتقد أن العنوان الرئيسي يُطمر قليلاً. لقد حلّ الذكاء الاصطناعي مسألةً من مسائل الجائزة الألفية، ولا أظنّ أن هذا أحدث الأثر الكافي في إعلام الناس بقدرات الذكاء الاصطناعي الذي كان مقصوداً.»
وطرح Tsimerman ما يشبه المعادلة الفلسفية أمام الحضور: «إذا كانت قيمتنا تكمن في قيام البشر بالبحث الرياضي على المستوى الحدّي، وتطوير الخبرة وإحراز التقدّم ببطء، فأعتقد أن ذلك يقترب من نهايته. أما إذا كانت قيمتنا تكمن في إنتاج رياضيات جديدة تخدم المجتمع وتمنح الرياضيين ما يدرسونه، فهذا يبدو وكأنه عصرٌ ذهبي.»
ما الذي أنجزه الذكاء الاصطناعي فعلاً؟
بمعزلٍ عن الجدل حول Navier-Stokes، يُقرّ المشاركون في المنتدى بأن الذكاء الاصطناعي حقّق خلال العام الماضي إنجازاتٍ لافتة في الرياضيات: حلّ عشرات المسائل التي وضعها الرياضي المجري الغزير Paul Erdős، وهي مسائل مفتوحة تُتابَع عبر موقعها المخصّص؛ وأجرى بحثاً أكاديمياً قابلاً للنشر على مستوى الدكتوراه، كما هو موثّق في هذه الورقة العلمية؛ وتحقّق رسمياً من صحة برهانَين فازا بميدالية Fields؛ وأحرز تقدّماً في 10 مسائل رياضية مفتوحة أخرى طال انتظار حلّها. وقد رصدت OpenAI هذه الإنجازات في تقريرها المفصّل.
هذا التسارع الاستثنائي هو ما يجعل التنبّؤ بالمستقبل أمراً عسيراً حتى على المتخصّصين أنفسهم. قال Tsimerman بصراحة: «بصدق، كلّما تحدّث أحدهم عن عشر سنوات من الآن، أو حتى خمس سنوات، يبدو ذلك بعيداً بشكلٍ لا يمكن تصوّره.» ثم أضاف: «العالم بعد سنتين سيبدو مختلفاً اختلافاً جذرياً عمّا هو عليه الآن.»
الحفاظ على الرياضيات الإنسانية
في مواجهة هذه الموجة، ظهرت مبادراتٌ تسعى إلى صون الطابع الإنساني للرياضيات، من بينها: Proofs and Prompts، وMathematical Discourse، وAssociation for Human Mathematics. وقد اتّفق المشاركون في المنتدى على أن وتيرة التطوّر المتسارعة تجعل أي توقّعاتٍ بشأن مستقبل الرياضيات مجرد تخمينات في أحسن الأحوال.
السؤال الذي يظلّ معلّقاً في الهواء بعد انتهاء المنتدى ليس فقط: هل حلّ الذكاء الاصطناعي فعلاً مسألة Navier-Stokes؟ فمعهد Clay Mathematics لم يُصدر حكمه النهائي بعد وفق معاييره الصارمة التي لم تقبل حتى الآن سوى حلٍّ واحد في تاريخه. السؤال الأعمق هو: إذا أنتجت الآلة برهاناً لا يستطيع أيّ إنسان أن يفهمه أو يستوعبه، فهل يمكن أن نسمّي ذلك فهماً رياضياً؟ وهل تبقى الرياضيات علماً إنسانياً حين يغيب الإنسان عن قلبها؟
أخبار ذات صلة

مسبار ناسا يكتشف حفرة عملاقة على القمر: لماذا يُعتبر هذا اكتشافاً نادراً؟

رواد فضاء Crew-12 يستعدّون للعودة إلى الأرض: "أتطلّع لرؤية الطبيعة مجدّداً"

المستوطنون على المريخ قد يسكنون منازل من الخميرة والجيلاتين
