وورلد برس عربي logo

خرسانة الخميرة والجيلاتين تبني مستقبل المريخ

اختُرعت خرسانة جديدة من الخميرة والجيلاتين تتحمل ظروف المريخ القاسية وتستهلك طاقة أقل بعشر مرات من الطرق التقليدية، ما يفتح آفاقاً لبناء مستوطنات بشرية مستدامة على الكوكب الأحمر مع إمكانية الطباعة ثلاثية الأبعاد وإعادة التدوير على الموقع وورلد برس عربي

كوكب المريخ يظهر بسطحه الأحمر مع القمم الجليدية القطبية، يمثل هدفاً لتطوير مواد بناء مستدامة مثل خرسانة الخميرة والجيلاتين للمستوطنات المستقبلية.
منظر لكوكب المريخ. (حقوق الصورة: ناسا/مختبر الدفع النفاث/المسح الجيولوجي الأمريكي)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

خرجت من مختبرات جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا نتائجُ قد تُعيد رسم تصوّراتنا عن البناء خارج كوكب الأرض: خرسانةٌ مصنوعة من الخميرة والجيلاتين، قادرةٌ على الصمود في ظروف المريخ القاسية، وربّما تُشكّل يوماً ما الهيكل الإنشائي لأولى المستوطنات البشرية على ذلك الكوكب الأحمر. النتائج نُشرت في مجلة Chem Circularity، وهي تفتح باباً جديداً في نقاشٍ طويل: كيف نبني في بيئةٍ لا تتسامح مع الأخطاء؟

ما الذي يجعل هذه الخرسانة مختلفة؟

الخرسانة التقليدية تعتمد على الإسمنت البورتلاندي رابطاً، وهو مشتقٌّ من تسخين الحجر الجيري والطين عمليةٌ تستهلك طاقةً هائلة وتستلزم معدّاتٍ ثقيلة. أمّا ما طوّره الباحثون في هونغ كونغ، فيستبدل ذلك الرابط بمزيجٍ من الجيلاتين وسلالة مُعدَّلة وراثياً من خميرة Saccharomyces cerevisiae، فيما يبقى الركام من الرمل أو الصخر المسحوق وهو ما يمكن نظرياً استخراجه من سطح المريخ مباشرةً.

الخميرة لم تُختر عشوائياً؛ فقد جرى تعديلها جينياً لتُنتج بروتينات «قدم البلح» (mussel foot proteins)، وهي بروتيناتٌ تشتهر بقدرتها على الالتصاق بالأسطح في بيئاتٍ صعبة. هذه البروتينات تعمل كمراسٍ جزيئية تربط الجيلاتين بحبيبات الركام، ما يمنح المادة صلابةً غير متوقّعة لمكوّناتها البيولوجية.

الأرقام: ماذا تحتمل هذه الخرسانة؟

بنى الباحثون قِبابًا مصغّرة في المختبر، يبلغ ارتفاع كلٍّ منها 4.5 سم وعرضها 3 سم، وأخضعوها لاختباراتٍ تحاكي ظروف المريخ: درجة حرارة تصل إلى -55 درجة مئوية، وضغطٌ يكاد يكون معدوماً (0.000 من الضغط الجوّي). المادة تتصلّب خلال نحو 48 ساعة؛ إذ يتجمّد الماء ثم يتسامى مباشرةً إلى الغاز، تاركاً بنيةً مسامية وخفيفة وصلبة في آنٍ واحد.

نتائج الاختبارات الميكانيكية جاءت لافتة: قوّة انضغاطية تبلغ نحو 12 ميغاباسكال (MPa)، وقوّة انحناء تصل إلى نحو 6 ميغاباسكال أرقامٌ مقارِبة لمستوى الخرسانة المنخفضة الجودة المستخدمة في البناء التقليدي. وهنا يُقدّم Jishen Qiu، المهندس في جامعة هونغ كونغ والمؤلف الأول للدراسة، السياقَ الأهمّ: "هذه المادة قويّةٌ بما يكفي لبناء مبنى من طابقٍ أو طابقين على الأرض، التي تبلغ جاذبيّتها ثلاثة أضعاف جاذبية المريخ. وبالتالي، يمكنك على الأرجح بناء مبنى متعدّد الطوابق على المريخ بهذه المادة بسهولة."

الميزة الطاقوية والقيود الواقعية

ما يميّز هذه الخرسانة البيولوجية ميزةً جوهرية هو استهلاكها للطاقة. المقترحات الحالية لبناء مستوطنات على المريخ تعتمد في الغالب على صهر التربة السطحية للكوكب (regolith)، وهو ما يستلزم طاقةً هائلة ومعدّاتٍ ضخمة يصعب نقلها. في المقابل، تستهلك خرسانة الخميرة والجيلاتين طاقةً أقلّ بمقدار عشرة أضعاف من تلك الطرق.

هيكل إنشائي مسامي مصنوع من خرسانة الخميرة والجيلاتين على سطح المريخ مع صورة مكبرة تظهر البنية المجهرية للمادة المقاومة لظروف المريخ القاسية.
Loading image...
مادة بناء حية يمكن طباعتها بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تحت ظروف محاكاة سطح المريخ (يسار). تكشف الصورة المجهرية عن البنية المسامية للمادة مع إبراز البوليمرات والخميرة المهندسة باللون الأصفر (يمين). (حقوق الصورة: نينغ ليو)

فضلاً عن ذلك، المادة قابلةٌ للطباعة ثلاثية الأبعاد، وقابلةٌ لإعادة التدوير: يمكن تغذية الخميرة في مفاعلاتٍ حيوية (bioreactors) لإنتاج دفعاتٍ جديدة بعد إعادة استخدام المبنى أو هدمه.

غير أنّ الباحثين أنفسهم حريصون على ضبط التوقّعات. يوضّح Ning Liu وزملاؤه أنّ هذه الخرسانة "يُحسن اعتبارها مكوّناً إنشائياً قابلاً للطباعة وإعادة التدوير في الموقع، لا غلافاً سكنياً كاملاً محكماً أو قادراً على الحفاظ على الضغط أو درع واقياً من الإشعاع بحدّ ذاته." بمعنى آخر: المسكن على المريخ يحتاج إلى طبقاتٍ متعدّدة وحداتٌ مضغوطة، وبطاناتٌ محكمة، ودروعٌ إشعاعية وهذه الخرسانة تؤدّي دور الهيكل الإنشائي فحسب، لا دور المنظومة الكاملة.

ثمّة عقبةٌ أخرى لا يمكن تجاهلها: لا تزال الكميات الكبيرة من المواد ومنها الجيلاتين والمكوّنات الأوّلية تستلزم شحنها من الأرض، وهو تحدٍّ لوجستي ضخم لم تحلّه هذه الدراسة. كذلك تفرض بروتوكولات الحماية الكوكبية قيوداً صارمة على إرسال كائناتٍ حيّة كالخميرة إلى المريخ تفادياً لتلويث بيئته.

المريخ يحتاج إلى مواد متنوّعة والأحياء الدقيقة قادمة

سطح المريخ بيئةٌ لا ترحم: بردٌ قارس، وضغطٌ شبه معدوم، وإشعاعٌ مرتفع بسبب غياب المجال المغناطيسي وضعف الغلاف الجوّي. لكنّ الباحثين يرون في الخميرة المُعدَّلة وراثياً مرونةً واعدة. يقول Liu وزملاؤه: "من حيث المبدأ، يمكن هندسة هذه المنصّة لتكتسب صفاتٍ من التحمّل تحت الضغط، بما فيها مقاومة البرد والفراغ، وحتى الإشعاع."

Qiu يذهب أبعد في رؤيته: "سيُفاجئني أن تكون مواد هندسة المريخ المستقبلية أقلّ تنوّعاً من تلك المستخدمة في هندسة الأرض والأحياء الدقيقة ستُسهم بالتأكيد في ذلك."

هذه الجملة تلخّص ربّما المنطق الأعمق وراء الدراسة: لا يبحث الباحثون عن مادةٍ واحدة تحلّ كلّ مشكلات البناء على المريخ، بل يُضيفون قطعةً جديدة إلى فسيفساء تقنياتٍ متنوّعة ستكون ضرورية جميعها. والسؤال الذي تتركه هذه النتائج مفتوحاً ليس إن كانت الأحياء الدقيقة ستدخل عالم البناء الفضائي، بل متى ستصبح جاهزةً للاختبار خارج حدود المختبر.

أخبار ذات صلة

Loading...
مقارنة صور القمر قبل وبعد تشكل حُفرة McGetchin التصادمية الجديدة التي يبلغ قطرها 222 مترًا على الحدود بين السهول البازلتية والمرتفعات القمرية.

مسبار ناسا يكتشف حفرة عملاقة على القمر: لماذا يُعتبر هذا اكتشافاً نادراً؟

اكتشاف حُفرة McGetchin على القمر يُعيد تعريف فهمنا لتأثير الاصطدامات الفضائية على السطح القمري والجيولوجيا. تعرف على أسرار هذه الحُفرة الفريدة وكيف ستغيّر مستقبل الاستكشاف القمري. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
رواد فضاء طاقم Crew-12 داخل محطة الفضاء الدولية، يرتدون زي المهمة ويحيط بهم معدات وأجهزة علمية معقدة في بيئة انعدام الجاذبية.

رواد فضاء Crew-12 يستعدّون للعودة إلى الأرض: "أتطلّع لرؤية الطبيعة مجدّداً"

رواد Crew-12 يعيشون تجربة فريدة في الفضاء مع مشيات فضائية وتجارب علمية مذهلة في انعدام الجاذبية. اكتشف أسرار مهمتهم وانتظر لحظة العودة إلى الأرض. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
مجرة حلزونية خافتة تظهر تفاصيل ضوئية دقيقة وسط خلفية فضائية مظلمة مع نجوم صفراء متناثرة، ضمن دراسة المجرات القزمة.

علماء الفلك يكتشفون 50 مجرة قزمة شبحية مفقودة

اكتشف العلماء 47 مجرّة قزمة شبحية مختبئة في الظلام الكوني تكشف أسرار المادة المظلمة وتحديات نموذج الكون. تعرّف على تفاصيل هذا الاكتشاف الفريد ودوره في فهم بنية الكون أكثر. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
نقاش نخبة من الرياضيين في منتدى هايدلبرغ حول دور الذكاء الاصطناعي في حل مسألة Navier-Stokes وتأثيره على البحث الرياضي وأخلاقياته.

الرياضيون يطعنون في حل OpenAI لمسألة رياضية تستحق مليون دولار

في سبتمبر 2026، أعلنت OpenAI عن استخدام 10 آلاف عامل ذكاء اصطناعي لحل مسألة Navier-Stokes، مما أثار جدلاً أخلاقياً وعلمياً واسعاً. اكتشف تفاصيل الصراع بين التكنولوجيا والرياضيات البشرية الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية