طفرة وراثية تكشف خطر سرطان الرئة لدى غير المدخنين
اكتشف كيف تؤدي طفرة وراثية نادرة في جين EGFR إلى زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخنين 62 مرة وتسرّع ظهوره. دراسة تكشف أهمية الفحص المبكر حتى لمن لا يدخنون وتعيد رسم خريطة الكشف المبكر على وورلد برس عربي.

لم يكن التدخين يوماً الشرط الوحيد للإصابة بسرطان الرئة، غير أنّ الأدلة الجينية الدقيقة على ذلك ظلّت شحيحة. هذا ما تغيّر في 17 سبتمبر 2026، حين نشرت مجلة Science دراسةً واسعة النطاق كشفت أنّ طفرةً وراثية موروثة في جين EGFR تُعرف بـ EGFR T790M قادرةٌ على رفع خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخّنين إلى 62 ضعفاً مقارنةً بمن لا يحملون هذه الطفرة ولا يدخّنون. الرقم صادم بمعاييره الوبائية، ويفتح باباً جديداً في فهم هذا المرض وفي السياسات المتعلقة بالكشف المبكر عنه.
ما الذي تفعله هذه الطفرة بالخلية؟
جين EGFR هو المتحكّم الرئيسي في نموّ الخلايا وانقسامها وبقائها. حين تصيبه طفرة T790M الموروثة، تتغيّر هذه الديناميكية بصورة جذرية. ما تكشفه الدراسة المنشورة في Science هو أنّ هذه الطفرة لا تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة فحسب، بل تُبكّر موعد ظهوره بنحو 5 سنوات في المتوسط مقارنةً بغير الحاملين لها. والأهم أنّ الطفرة مرتبطة بسرطان الرئة تحديداً، دون أن تُظهر الدراسة أي صلة بأنواع أخرى من السرطان أو بأمراض رئوية مختلفة.
للمقارنة، يحمل المدخّنون الذين لا يحملون هذه الطفرة خطراً يبلغ 4 أضعاف ما يواجهه غير المدخّنين. أما المدخّنون الحاملون لـ T790M، فخطرهم يرتفع إلى 11 ضعفاً مقارنةً بسائر المدخّنين وهو ما يجعل الجمع بين التدخين وهذه الطفرة الوراثية مزيجاً بالغ الخطورة.
دراسة بثلاثة ملايين شخص: أرقام نادرة لطفرة أكثر ندرة
شملت الدراسة أكثر من 3 ملايين شخص من أصول أوروبية. ووجد الباحثون أنّ الطفرة تظهر في شخص واحد من بين كل 15,850 شخصاً في المجموع. وحين فصّلوا البيانات حسب المصدر، وجدوا أنّ قاعدة بيانات 23andMe التي ضمّت 3.3 مليون شخص رصدت 641 فرداً يحملون الطفرة، في حين لم يتجاوز العدد 19 شخصاً في قاعدة All of Us، واثنين فقط في UK Biobank.
هذا التفاوت في الأعداد بين قواعد البيانات الثلاث يعكس في جزء منه الفوارق في حجم العيّنات ومناهج التجنيد، لكنّه يُذكّر أيضاً بأنّ ندرة الطفرة الشديدة تجعل اكتشافها في أي مجموعة سكانية أمراً يستلزم عيّنات ضخمة جداً.
يقول كريس أموس، عالم الوبائيات الجيني في كلية الطب بـ Baylor College of Medicine: "لم يكن انتشار متغيّر T790M وتأثيره على خطر الإصابة بسرطان الرئة مفهوماً جيداً في السابق." ويضيف: "إنّ إيجاد هذه المتغيّرات أمرٌ مهم لأنّه قد يُمكّن من يحملونها من إدارة خطر إصابتهم بسرطان الرئة بصورة استباقية."
جغرافيا الطفرة: من جنوب أبالاشيا إلى المستعمرات البريطانية
ما يمنح هذه الدراسة بُعداً إضافياً هو أنّها لم تقف عند حدود الوصف الإكلينيكي، بل تتبّعت الجغرافيا التاريخية للطفرة. تشير النتائج إلى أنّ الطفرة على الأرجح أدخلها المستوطنون البريطانيون إلى الولايات المتحدة مطلع القرن الثامن عشر، ثم تركّزت في منطقة جنوب أبالاشيا بفعل العزلة النسبية التي ميّزت تلك المنطقة تاريخياً.
والأرقام تؤكّد هذا التوزيع الجغرافي غير المتجانس: ففي جنوب شرق الولايات المتحدة وتحديداً في ولايات Alabama وMississippi وTennessee تبلغ نسبة الطفرة شخصاً واحداً من بين كل 2,078 شخصاً، وهو معدّل أعلى بكثير من المتوسط الوطني. وتجدر الإشارة إلى أنّ منطقة أبالاشيا تسجّل معدّل تدخين لدى البالغين يبلغ نحو 20%، مقارنةً بـ 16% على المستوى الأمريكي، وفق تقارير التوزيع الصحي في المنطقة. هذا يعني أنّ هذه المجتمعات تواجه تضافراً من عاملَي الخطر: الوراثي والسلوكي في آنٍ واحد.
إعادة رسم خريطة الفحص المبكر
التوصيات الحالية للكشف المبكر عن سرطان الرئة تستند أساساً إلى تاريخ التدخين والعمر. غير أنّ هذه الدراسة تُلقي بظلالها على هذا النموذج وتدعو إلى مراجعته جذرياً. يرى كريس أموس أنّ حاملي الطفرة يحتاجون إلى "البدء بالفحص في سنٍّ أبكر، وبصرف النظر عن وضعهم التدخيني" وهو موقف يتعارض مع المعايير الراهنة التي تشترط تاريخاً طويلاً من التدخين الثقيل للأهلية في برامج الفحص.
وللتحقّق من هذا التوجّه سريرياً، جرى تفعيل تجربة سريرية تحمل الرقم NCT05587439 لتقييم فحص سرطان الرئة بالتصوير المقطعي المحوسب منخفض الجرعة لدى حاملي الطفرة. نتائج هذه التجربة ستكون محورية في تحديد ما إذا كانت بروتوكولات الفحص ستُعاد صياغتها رسمياً.
ماذا بعد؟ طفرات أخرى في الأفق
يُقرّ الباحثون بأنّ T790M ليست بالضرورة الطفرة الوحيدة في هذا الملف. يقول أموس: "من المرجّح أن تكون هناك متغيّرات أخرى في جين EGFR ترفع خطر الإصابة بسرطان الرئة، لكنّها قد تكون أكثر ندرةً حتى من المتغيّر الذي درسناه في هذا البحث." ومن جهته، يُبدي ستيفن شانوك، مدير قسم وبائيات السرطان وعلم الوراثة في المعهد الوطني للسرطان، تحفّظاً علمياً مشروعاً، إذ يرى أنّ "الوقت وحده كفيل بالإجابة" عمّا إذا كانت طفرات جينية أخرى مرتبطة بسرطان الرئة ستُكتشف مستقبلاً.
من منظور الصحة العامة، تطرح هذه النتائج تساؤلات جدية حول مدى انتقالها إلى سياقات سكانية مختلفة عن تلك التي أجريت عليها الدراسة. فالعيّنة كانت من أصول أوروبية بالكامل، وهو ما يُقيّد قدرتنا على تعميم النتائج على مجتمعات شمال أفريقيا والشرق الأوسط. غير أنّ المبدأ الجوهري يبقى: الخطر الوراثي لسرطان الرئة لا يُختزل في التدخين، وهو ما يستوجب إعادة النظر في معايير الأهلية لبرامج الكشف المبكر — وربما في مفهوم "المريض المعرّض للخطر" برمّته.
أخبار ذات صلة

أمراض اللثة مرتبطة بارتفاع خطر الزهايمر بنسبة 61%

جزيئات معادن من زراعات المفاصل قد تصل إلى الدماغ

دواء حيّ قد يستعيد قوّة العظام في 10 مرضى بهشاشة متقدّمة
