رحلة من الظلام إلى قيادة الطاقة النظيفة في السيارات
كيف تحوّل تجربة ضابط بحرية قيادة استراتيجية طاقة نظيفة لشركة General Motors لتغطية كامل استهلاكها بالكهرباء من مصادر متجددة مع تقنيات تحول السيارات الكهربائية إلى مولدات طاقة للمنازل وتفتح آفاق جديدة للمحاربين القدامى وورلد برس عربي

في عام تجاوزت فيه General Motors حاجز الطاقة المتجددة لتصبح أول شركة تصنيع سيارات أمريكية تؤمّن ما يكفي من الطاقة المتجددة لتغطية 100% من استهلاكها الكهربائي في الولايات المتحدة عام 2025، يبدو من المنطقي أن يكون الرجل الذي يقود هذه الاستراتيجية قد تعلّم معنى الطاقة في مكانٍ لا تضيء فيه الأنوار بعد الغروب.
Taylor Searcy لم يبدأ مسيرته في قاعات الاجتماعات ولا في مختبرات الطاقة النظيفة. بدأها على ظهر مدمّرة بحرية بقيمة مليار دولار، تحمل أكثر من 300 بحّار، تُدعى USS Lassen. كان ضابط السطح Officer of the Deck المسؤول عن الملاحة الآمنة، والقرار السريع، وإدارة الفريق في بيئةٍ لا تسمح بالخطأ. اليوم، يشغل منصب قائد استراتيجية الطاقة النظيفة في General Motors، ويرى في المسارين خيطاً واحداً.
حين تُعلّمك الظلمة قيمة الضوء
في إحدى زيارات السفينة إلى ميناء Dili، عاصمة Timor-Leste في جنوب شرق آسيا، لاحظ Searcy شيئاً لم يكن في حسبانه: انقطاع الكهرباء ليلاً بصورة شبه منتظمة. الشبكة الكهربائية في هذه الدولة الجزيرية محدودة، وانعكاساتها على الحياة اليومية ملموسة. يقول Searcy: «أذكر أنني رأيت ذلك وأدركت كم كنت أعتبر الطاقة الموثوقة والوفيرة أمراً مفروغاً منه».
هذه اللحظة لم تكن مجرد ملاحظة عابرة كانت إشارةً في نظامٍ أكبر. الطاقة ليست مجرد خدمة، بل شرطٌ للحياة الكريمة وللتنمية وللأمن. وهو ما قاده، بعد انتهاء خدمته العسكرية، إلى مسارٍ أكاديمي مزدوج: درجة الماجستير المزدوجة في اليابان وألمانيا، ثم عمل في مجال النقل البحري المستدام في منطقة المحيط الهادئ الجنوبي، حيث تعتمد مجتمعات الجزر النائية اعتماداً شبه كلّي على الرحلات البحرية المتقطّعة لتأمين احتياجاتها.
يصف Searcy دوافعه بوضوح: «الطاقة النظيفة كانت منطقية بالنسبة لي لأنها لامست الأشياء التي كنت أعود إليها دائماً: أهمية المرونة والترابط بين الإنسانية والطبيعة».
من جسر القيادة إلى استراتيجية الطاقة
ما يُقدّمه Searcy ليس مجرد سيرة ذاتية ملهِمة بل نموذجٌ تشغيلي. دور ضابط السطح على متن سفينة حربية يستلزم وعياً تاماً بالموقف، وتنسيقاً دقيقاً بين أفراد الفريق، وقدرةً على التصعيد الفوري حين تستدعي الحاجة. يقول: «الوقوف في المناوبة علّمني أن المسؤولية لا تعني اتخاذ كل قرارٍ بمفردك. إنها تعني معرفة ما هو في نطاق صلاحيتك، وكيف يعمل الفريق، ومتى يجب تصعيد الأمر».
هذا المنطق نفسه ينطبق على إدارة استراتيجية الطاقة في شركة تصنيع عملاقة. General Motors تستهلك كميات ضخمة من الطاقة في عمليات تصنيع السيارات، وتحتاج إلى طاقةٍ موثوقة وبأسعار معقولة. ويُضيف Searcy: «شيءٌ واحد لا أزال أعتمد عليه هو بناء خطة حول مسارات عمل مختلفة، مع وضع خطط بديلة منذ البداية». هذه ليست لغة شركات فحسب هي لغة الملاحة في بيئاتٍ غير مؤكّدة.
إنجازٌ قياسي وتقنية تحوّل السيارة إلى مولّد
الإنجاز الذي يُشير إليه Searcy بفخر ليس رقماً بيروقراطياً: «أنا فخورٌ جداً بأن General Motors أمّنت ما يكفي من الطاقة المتجددة لتغطية 100% من استهلاكنا الكهربائي في الولايات المتحدة عام 2025، لتكون أول شركة تصنيع سيارات أمريكية تصل إلى هذا الإنجاز».
لكن الصورة لا تتوقف عند مصادر التوليد. تقنية الشحن ثنائي الاتجاه التي تطوّرها General Motors تُحوّل السيارات الكهربائية المتوافقة إلى مولّدات احتياطية للمنازل بشرط توافر سيارة GM كهربائية مدعومة بتقنية V2H، وشاحن PowerShift، وطقم التفعيل (Enablement Kit)، مع إعداد مناسب للمنزل والشبكة. يرى Searcy في هذا التحوّل بُعداً أعمق: «أفكّر في السيارات الكهربائية بوصفها أكثر من مجرد وسيلة نقل. إنها تصبح جزءاً من منظومة الطاقة الأشمل».
هذه الجملة تحمل ثقلاً تحليلياً: حين تتحوّل السيارة من مستهلكٍ للطاقة إلى مخزّنٍ لها وموزّعٍ عليها، تتغيّر معادلات أمن الطاقة على المستوى المنزلي والمحلّي والوطني. وهو ما يعيشه سكان Timor-Leste وكثيرون في العالم العربي كواقعٍ يومي.
رسالة إلى المحاربين القدامى: مهاراتكم قابلة للنقل
يُختم Searcy بما يراه رسالةً للعسكريين الساعين إلى مسارات مدنية في قطاع الطاقة النظيفة والاستدامة. يقول: «الطاقة النظيفة والاستدامة مجالان واسعان. هناك مجالٌ لأشخاصٍ من خلفياتٍ متعددة». ما يحمله العسكريون من كفاءات في تحمّل المسؤولية، وإدارة حالات عدم اليقين، والعمل الجماعي هي بالضبط ما تحتاجه صناعة الطاقة في مرحلة التحوّل الهيكلي الكبير.
أما الخيط الذي يربط البحرية الأمريكية بـ General Motors في نظر Searcy، فهو مبدأ لا يتغيّر: «بالنسبة لي، الرابط بين البحرية وGM يعود إلى النزاهة». وتتشابك هنا قيمة الشركة «Win with Integrity» مع قيم البحرية الأمريكية الثلاث: الشرف، والشجاعة، والالتزام. ويختم: «العمل يتغيّر. المهمة قد تتغيّر أيضاً. لكن الطريقة التي تحمل بها نفسك هي الأهم».
السؤال الذي يطرحه مسار Searcy بصورةٍ ضمنية هو سؤالٌ نظامي: في عالمٍ تتصاعد فيه حدّة أزمات الطاقة من انقطاع الكهرباء في جزر المحيط الهادئ إلى هشاشة الشبكات في دولٍ نامية هل تكفي الإنجازات التقنية وحدها؟ أم أن ما نحتاجه فعلاً هو نماذج قيادية مختلفة، تُدرك الترابط بين الأنظمة قبل أن تُصمّم الحلول؟ المجتمع العسكري في General Motors يُقدّم إجابةً واحدة، لكن الإجابة الكاملة لا تزال قيد التشكّل.
أخبار ذات صلة

لينك آند كو 08 EM-P تتجاوز 200 ألف سيارة مسلّمة عالمياً

جوجل و Nvidia و Anthropic تسعى لتوسيع مراكز البيانات عبر Emerald

الرابطة الأمريكية للطاقة الشمسية وائتلاف الطاقة الشمسية المجتمعية يندمجان لتعزيز القطاع
