اكتشاف المجرات القزمة الخفية يكشف أسرار الكون
اكتشاف 47 مجرّة قزمة خافتة حول ثلاث مجرّات بعيدة يفتح نافذة جديدة لفهم المادة المظلمة وألغاز الكون الكبرى يعيد رسم خريطة المجرّات القزمة ويقربنا من حل لغز توزيعها الغامض في الفضاء مع وورلد برس عربي.

قرابة 50 مجرّةً قزمة شبحية، كانت مختبئةً في الظلام الكوني لملايين السنين، باتت اليوم مرئيّةً للعلماء لأوّل مرّة وهذا الاكتشاف لا يُضاف فحسب إلى قوائم الأجرام السماوية، بل يطرح أسئلةً جوهرية حول بنية الكون وطبيعة المادة المظلمة التي يُعتقد أنّها تنحت هذا الكون وتُشكّله. فريقٌ من الباحثين في المعهد الوطني الإيطالي لعلم الفلك (INAF) نشر في 11 سبتمبر 2026 دراسةً في مجلة Astronomy & Astrophysics يكشف فيها عن اكتشاف 47 مجرّةً قزمة خافتة تدور حول ثلاث مجرّات بعيدة، لم يكن معروفاً منها سابقاً سوى 4 مجرّات فحسب.
ثلاث مجرّات وأسرارٌ مدفونة في الضوء الخافت
تمحورت الدراسة حول ثلاث مجرّات مضيفة تقع على مسافات متفاوتة عن الأرض: مجرّة NGC 5068 الحلزونية على بُعد 17 مليون سنة ضوئية، ومجرّة NGC 5084 العدسية على بُعد 80 مليون سنة ضوئية، ومجرّة NGC 5087 الإهليلجية على بُعد 100 مليون سنة ضوئية. وقد رصد الفريق حولها 47 مجرّةً قزمة تتوزّع بين الأنواع الكروية القزمة والإهليلجية القزمة وغير المنتظمة وبعض الحلزونية القزمة، تتراوح كتلتها بين مليون ومليار ضعف كتلة الشمس.
ما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً من الناحية المنهجية هو أنّ الفريق لم يعتمد على خوارزميات الكشف الآلي، بل لجأ إلى الفحص البصري المباشر للصور، بعد أن قام بإخفاء النجوم الأمامية والأجرام الفلكية الأخرى لإبراز المجرّات الخافتة المختبئة خلفها. وقد استُخدم في ذلك التلسكوب الكبير جداً (Very Large Telescope - VLT) ضمن مسح VST SMASH المتخصّص في التصوير العميق للمجرّات.
تقول Rossella Ragusa، الباحثة في INAF وعضو الفريق: "بفضل الرصد العميق لـ VST، تمكّنّا ليس فقط من 'رؤية' بعض المجرّات الخافتة جداً بصورة أوضح، بل أيضاً من توصيف ملامح ضوئها بنسبة إشارة إلى ضوضاء عالية. فبجمع مزيدٍ من الضوء، رسمنا خرائط أدقّ لمناطقها الخارجية." وتضيف في السياق ذاته: "مثالٌ على ذلك المقارنة التي أجريناها مع إحدى المجرّات القزمة في العيّنة التي كانت قد اكتُشفت سابقاً ببيانات أقلّ عمقاً إذ حدّدنا أبعادها وشكل ملامحها الضوئية، ولا سيّما في مناطقها الخارجية الأكثر خفوتاً، بدقّةٍ وإتقانٍ أعلى."
لغزٌ كوني قديم: أين اختفت المجرّات القزمة؟
لا يمكن فهم أهمية هذا الاكتشاف دون العودة إلى أحد أعقد الألغاز في علم الكونيات الحديث، المعروف بـ"مشكلة الأقمار المفقودة". قبل عقود، لاحظ علماء الفلك أنّ عدد المجرّات القزمة المرصودة حول مجرّة درب التبّانة يقلّ بشكل ملحوظ عمّا تتنبّأ به النماذج الكونية المعيارية. ثمّ جاءت دراساتٌ أحدث لتُعقّد المشهد أكثر، إذ وجدت أنّ بعض المجرّات الأخرى قد تمتلك عدداً من الأقمار يفوق ما هو متوقّع. هذا التناقض المزدوج مجرّاتٌ تفتقر إلى الأقمار وأخرى تزيد عنها يُشير إلى أنّ فهمنا لتوزيع المجرّات القزمة حول المجرّات الكبيرة لا يزال منقوصاً.
يُلخّص Crescenzo Tortora، قائد الفريق في INAF، الرهانَ الحقيقي لهذا البحث بوضوح: "دراسة هذه الجزر من النجوم شبه الخفية ليست مجرّد جمعٍ للطوابع الفلكية. إنّها الطريقة الوحيدة المتاحة لنا لحلّ بعض أكبر ألغاز النموذج الكوني، وفهم كيف تُشكّل المادة المظلمة الغامضة الكونَ بأسره وتُعيد نحته."
Euclid في الأفق: تأكيدٌ أم مراجعة؟
ما يمنح هذه النتائج بُعداً إضافياً هو أنّ المنطقة التي رُصدت فيها هذه المجرّات تتداخل مع مجال رؤية تلسكوب الفضاء Euclid، الذي سبق أن كشفت صوره الأولى عن عددٍ كبير من المجرّات القزمة. هذا التداخل يفتح الباب أمام إمكانية التحقّق المستقل من النتائج أو تحديثها مستقبلاً.
يقول Tortora: "نتطلّع إلى دراسة هذه الحقول ذاتها بعيون Euclid، حتى نتمكّن من تأكيد نتائجنا أو تحديثها."
إنّ السؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس فقط كم عدد المجرّات القزمة الموجودة حول المجرّات الكبيرة، بل ما الذي يُحدّد هذا التوزيع أصلاً. فإذا كانت المادة المظلمة هي المحرّك الرئيسي لتشكّل البنى الكونية كما يفترض النموذج المعياري، فإنّ كلّ مجرّة قزمة جديدة تُكتشف أو تظلّ مختبئة هي اختبارٌ حيٌّ لهذا النموذج. والأرقام التي يحملها Euclid في إصداراته القادمة ستكون، على الأرجح، الفصلَ التالي من هذه القصة.
أخبار ذات صلة

مسبار ناسا يكتشف حفرة عملاقة على القمر: لماذا يُعتبر هذا اكتشافاً نادراً؟

رواد فضاء Crew-12 يستعدّون للعودة إلى الأرض: "أتطلّع لرؤية الطبيعة مجدّداً"

المستوطنون على المريخ قد يسكنون منازل من الخميرة والجيلاتين
