فوضى جنازة الخميني تجمع ملايين المشيعين وتؤجل الدفن
مراسم جنازة آية الله الخميني تحولت إلى فوضى عارمة مع حضور ملايين المشيعين الذين عبّروا عن حزنهم بطرق تقليدية وسط حرارة شديدة وحدوث إصابات وقتلى وتأجيل الدفن. تعرف على تفاصيل الحدث وصوره الحصرية على وورلد برس عربي.





في السادس من يونيو 1989، خرج الملايين إلى شوارع طهران لتشييع جنازة آية الله روح الله الخميني، مؤسّس الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقائد ثورة 1979. لكنّ ما بدأ مراسمَ وداعٍ تحوّل سريعاً إلى فوضى غير مسبوقة.
كان المشيّعون يلطمون صدورهم ورؤوسهم في حرّ الصيف اللاهب، وكانت صرخات النساء تخترق ضجيج الجموع. اندفع المعزّون نحو النعش، فسقط جسد الزعيم الديني البالغ من العمر 86 عاماً المُلفَّف بالكفن الأبيض وسط الحشود. أسفر الحادث عن مقتل ما لا يقلّ عن 8 أشخاص وإصابة نحو 11,000 آخرين وفق التقارير الأولية. وقد سجّل موسوعة غينيس للأرقام القياسية هذه الجنازة بوصفها الأكبر نسبةً إلى عدد السكان في التاريخ، إذ حضرها نحو 10.2 مليون شخص، أي ما يعادل سُدس إجمالي سكان إيران آنذاك.
واليوم، مع اقتراب إيران من تشييع المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، تُتيح تقريرها وصورها التاريخية من جنازة الخميني.
المشيّعون يعطّلون الجنازة ويُرجئون الدفن.. وعشرات يُسحقون في الفوضى
اعترض الملايين من المشيّعين، وهم يلطمون رؤوسهم وصدورهم، موكبَ جنازة آية الله روح الله الخميني، وسُحق عشرات الأشخاص في الفوضى التي اندلعت، من بينهم نجل الخميني نفسه.
أجبرت الحشود الهائلة السلطاتِ على تأجيل الدفن.
ولم تتوفّر في البداية معلومات واضحة حول أعداد القتلى أو المصابين أو من أُصيبوا بالإغماء جرّاء الحرارة التي بلغت 33 درجة مئوية. وكان يوم الاثنين قد شهد مقتل ما لا يقلّ عن 8 أشخاص وإصابة المئات في مشاهد مماثلة من الحزن الجماعي.
أطلقت قوات الأمن النار في الهواء لتفريق الحشود، غير أن الجموع الحزينة أبت المغادرة، وفق ما أفادت وكالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للأنباء (IRNA).
وعمد أفراد الحرس الثوري إلى ضرب أيدي المشيّعين لإجبارهم على الإفراج عن نعش الخميني.
أمّا نجله الوحيد أحمد، البالغ من العمر 43 عاماً، فقد سقط أرضاً في الميدان الترابي شمال طهران، أمام مسجد المصلّى الذي ظلّ جثمان الخميني مُسجّى فيه منذ يوم الاثنين داخل تابوت زجاجي مُكيَّف الهواء.
وسقطت عمامة أحمد الخميني البيضاء عن رأسه حين رُفع فوق الجموع ومُرِّر من يدٍ إلى يد حتى وصل إلى سيارة إسعاف عند أطراف الميدان. بدا شاحب الوجه ومُرهَقاً، لكنّه كان واعياً.
وقالت وكالة IRNA إنّ سيارة الجنازة الحاملة للجثمان ظلّت محاصَرة في بحرٍ من المشيّعين المرتدين السواد، عاجزةً عن المضيّ قُدُماً.
وأعلن تلفزيون طهران أنّه بات من «المستحيل» اختراق الجموع الحزينة لدفن الخميني قبل حلول الغسق، في حين يحرّم الإسلام الدفن بعد مغيب الشمس.
كان الخميني قد توفّي يوم السبت عن عمر 86 عاماً، وكان مقرّراً دفنه في مقبرة بهشت زهراء، على بُعد نحو 35 كيلومتراً جنوب طهران، إلى جانب الذين قتلوا في الثورة الإسلامية التي أوصلته إلى السلطة قبل عشر سنوات، وآلاف القتلى في حرب الخليج الأولى مع العراق. وأعلن التلفزيون أنّ ترتيبات بديلة للدفن ستُعلَن لاحقاً.
دوّت هتافات «الله أكبر» في أرجاء المدينة. وبعد ساعتين على انطلاق موكب الجنازة، لم تكن سيارة الجنازة قد قطعت سوى نحو 800 متر من الطريق.
خرج كثير من سكّان طهران البالغ عددهم 6 ملايين نسمة لتوديع الخميني، فيما تدفّق الملايين على المدينة من مختلف المناطق، بحسب وسائل الإعلام الرسمية.
انطلق الموكب في السابعة صباحاً حين حمل أفراد الحرس الثوري الجثمان من التابوت. كانت خمس طائرات مروحية تحلّق في الأجواء فوق المكان، بينما عزفت فرقة موسيقية عسكرية ألحاناً حزينة.
لُفَّ جسد الخميني بعلم الجمهورية الإسلامية ووُضع على الأرض في الهواء الطلق، فيما أمَّ الصلاةَ آيةُ الله محمد رضا الكلبايكاني ذو اللحية البيضاء، وهو أحد المراجع الأربعة الكبار المتبقّين في إيران. تعثّر الكلبايكاني مراراً في قراءته وهو يرفع نظّارته ليمسح دموعه بمنديله.
بعد مراسم استمرّت نحو 30 دقيقة، وُضع الجثمان في تابوت خشبي مُغطّى بقماش أبيض، ثم حمله الحرس الثوري من يدٍ إلى يد إلى سيارة بيضاء.
بكى الحشد بهستيريا. صدحت تلاوات القرآن الكريم من مئذنة المسجد، وسط صرخات «وداعاً أيّها الإمام الحبيب!» و«يا خميني، لماذا تركتنا؟». وراح المشيّعون يقرعون رؤوسهم وصدورهم بقبضاتهم المشدودة في تعبير شيعي تقليدي عن الحزن العميق.
في خضمّ الفوضى، كانت النساء المرتديات العباءات السوداء يحتكّ أجسادهنّ بأجساد الرجال، في خروج صريح عن الحظر الإسلامي المفروض على الاختلاط بين الجنسين.
رشّ رجال الإطفاء المشيّعين بالمياه لتخفيف وطأة الحرارة.
كان نحو مليوني مشيّع قد أحيوا سهرة ليلية بالشموع حول التابوت.
وأقدم بعض المشيّعين على خدش وجوههم حتى سال الدم، ونثروا الرماد على ملابسهم.
توفّي الخميني إثر نوبة قلبية بعد 11 يوماً من إجرائه عملية جراحية في الأمعاء، دون أن يحسم مسألة الخلافة من بعده. وخلّف وراءه «وصيةً سياسية» مؤلّفة من 29 صفحة، قُرئت مقتطفات منها على راديو طهران يوم الاثنين، غير أنّ هذه المقتطفات لم تتضمّن أيّ إشارة إلى كيفية إدارة إيران بعد رحيله، وإن كانت الأجزاء التي لم تُنشر بعد ربّما تتضمّن ما يُعالج هذه المسألة.
وكان قد جرى تعيين الرئيس علي خامنئي، البالغ من العمر 49 عاماً آنذاك، قائداً مؤقّتاً يوم الأحد. وكانت انتخابات رئاسية واستفتاء على إصلاحات دستورية مقرّرَين في 18 أغسطس، وكان من المرجّح أن تُوسّع هذه الإصلاحات صلاحيات الرئيس التنفيذية.
جاء التعيين السريع لخامنئي في المقام الأول لسدّ الفراغ في خضمّ اضطرابات سياسية سادت منذ أن أطلق الخميني في فبراير من ذلك العام دعوته لإعدام الروائي البريطاني Salman Rushdie.
وفي غياب شخصية قادرة على مضاهاة سلطة الخميني الدينية والسياسية، بدا أنّ إيران ستُحكَم بقيادة جماعية.
وكان خامنئي قد أعلن دعمه لترشّح رئيس البرلمان هاشمي رفسنجاني، البالغ من العمر 55 عاماً، المرشّح الوحيد المُعلَن في تلك المرحلة.
من جهته، قال الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر من منفاه في فرنسا إنّ تعيين خامنئي يكشف عن «فشل ذريع» للحكومة، مستعيناً بمقارنة لافتة: «تخيّلوا كنيسةً لا تجد لها بابا. هذا هو بالضبط ما يجري، كأسرة حاكمة لا تجد لها ملكاً... لن يدوم هذا طويلاً».