النفوذ الإسرائيلي في صناعة التجسس العالمي وأسراره الخفية
كشف جديد يوضح كيف تستخدم شركات إسرائيلية مثل NSO أدوات تجسس متطورة مدعومة بدبلوماسية إسرائيل لتعزيز نفوذها في العالم والتأثير على سياسات دول متعددة عبر برامج مراقبة وتدخل انتخابي واسع النطاق وورلد برس عربي.

مضى أكثر من عقدٍ في التحقيق في صناعتَي الأسلحة والمراقبة الإسرائيليتين، وكنا على الدوام ندرك أن الدولة الإسرائيلية أكثر تورّطاً مما تُقرّ به علناً.
الباب الدوّار بين القطاعين العام والخاص أمرٌ معروف، غير أن السؤال الذي ظلّ يُلحّ هو: كيف تمكّنت بعض أكبر الشركات الإسرائيلية من الوصول إلى حكومات حول العالم من المملكة العربية السعودية إلى إثيوبيا بهذه السهولة اللافتة؟
ما وراء دبلوماسية برامج التجسّس التي انتهجها رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ووزير هي أداةٌ بالغة الفاعلية لكسب الأصدقاء عبر تقديم أدواتٍ متطوّرة للتجسّس على المعارضين والصحفيين وناشطي حقوق الإنسان، بل وعلى الحلفاء أنفسهم كانت ثمّة فجواتٌ في معرفتنا لم تُملأ بعد.
لكنّ كشفاً حديثاً يفتح نافذةً على آليّة عمل هذه المنظومة. ففي عام 2013، سافر Shalev Hulio أحد مؤسّسي NSO Group، الشركة التي طوّرت برنامج التجسّس Pegasus إلى بنما حاملاً جواز سفرٍ دبلوماسياً إسرائيلياً، وأقام في السفارة الإسرائيلية هناك.
التحقيق الذي أجرته منظمة OCCRP بالتعاون مع وسيلتَي إعلام أخريين كشف أن Hulio كان محورياً في صفقة بيع Pegasus إلى بنما عام 2012، وأنه وقّع العقد مع الحكومة البنمية بنفسه.
يُشير التقرير إلى أن «سجلّات الهجرة البنمية التي حصل عليها الصحفيون تُظهر أن Hulio وصل إلى مطار توكومن في مدينة بنما قادماً من الولايات المتحدة على متن رحلة Copa Airlines بتاريخ 3 ديسمبر 2013، واستخدم جواز سفرٍ دبلوماسياً لدخول البلاد. وتُفيد السجلات بأن زيارته كانت لأغراض 'ترفيهية'، وتُدرج مهنته باعتباره 'دبلوماسياً'».
هذه القطعة من الأحجية تُثبّت جزءاً من روايةٍ كان من الصعب توثيقها بالأدلة لا بالاستنتاج: NSO Group وكثيرٌ من شركات الأسلحة والمراقبة الإسرائيلية تعمل بوصفها ذراعاً للدولة الإسرائيلية، تُقدّم مصالحها وتُعزّز أجنداتها وتعمل تحت مظلّة حمايتها الكاملة.
النفوذ السياسي
الكمّ الهائل من المعلومات التي جمعتها NSO Group وشركاتٌ مماثلة يصعب تقدير حجمه، إذ هي التي تستخرج البيانات من الهواتف المحمولة لا العملاء الذين يدفعون ثمن الخدمة. ومن هنا يغدو حتمياً أن NSO Group، وبالامتداد الحكومة الإسرائيلية، قد راكمت معلوماتٍ وأسراراً يمكن توظيفها كأوراق ضغطٍ سياسي على عددٍ لا يُحصى من الدول. وهذا أحد المسارات التي تحافظ من خلالها إسرائيل على نفوذٍ دبلوماسي استثنائي.
قصة برامج التجسّس والمعارك الإلكترونية على مدى العقد الماضي، ومكانة إسرائيل المحورية فيها، لم تختفِ من المشهد. وتواصل الأدوات الإسرائيلية استهداف سياسيّين وصحفيّين وناشطين لا يعلمون بذلك.
من البرلمان الأوروبي إلى روسيا، أفضى غياب التنظيم في هذه الصناعة إلى انتشارها دون رادع. بيد أن خطر أدواتٍ كـ Pegasus يبدو متواضعاً نسبياً حين يُقارَن بالانفجار الذي شهده ملفّ التدخّل الإسرائيلي في الانتخابات حول العالم.
من اسكتلندا إلى فرنسا، ومن كولومبيا إلى هندوراس، تنشر شركاتٌ إسرائيلية أساليب العمل في الخفاء لدعم مرشّحين موالين لإسرائيل. يشمل ذلك مزارع ضخمة للبوتات (Bot Farms)، ونشر معلومات مضلِّلة عن المرشّحين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، والتلاعب بمنصّات التواصل الاجتماعي. وكما هو الحال مع صناعة برامج التجسّس، يُقابَل العالم هذا كلّه بالشلل والتردّد.
هذا ملفٌّ يمسّ جوهر الديمقراطية وجدوى استمرارها. خدمات التلاعب الانتخابي الإسرائيلية معروضةٌ للبيع لمن يدفع أكثر، وهي تُشوّه بالفعل ما نفهمه عن جوهر الانتخابات الحرّة والنزيهة.
حملات زعزعة الاستقرار
خذ أمريكا اللاتينية مثالاً منطقةٌ تموج بحملات تعطيلٍ تقودها جهاتٌ إسرائيلية. في وقتٍ سابق من هذا العام، برزت قصّة عن تعاونٍ بين إدارة Trump ونظام Netanyahu والرئيس الهندوراسي السابق Juan Orlando Hernandez، الذي صدر بحقّه حكمٌ بالسجن في الولايات المتحدة عام 2024 بتهمٍ تتعلّق بالاتّجار بالمخدّرات، ثم صدر عفوٌ عنه في العام التالي.
الخطّة : زعزعة استقرار الحكومات «غير الودّية» وتمهيد الطريق لعناصر موالية لإسرائيل والولايات المتحدة، بهدف إضعاف التيارات اليسارية من كولومبيا إلى المكسيك وقد أثمرت الحملة الكولومبية بالفعل مع فوز الرئيس المنتخب Abelardo de la Espriella.
البرازيل قد تكون المحطّة التالية، إذ أطلق المرشّح الرئاسي Flavio Bolsonaro نجل الرئيس السابق Jair Bolsonaro حملتَه الانتخابية بتأييدٍ صريح من Netanyahu.
ومن المعقول الافتراض أن قراصنة الانتخابات الإسرائيليين يعملون ليلاً ونهاراً لدعم حملة Bolsonaro وتقويض الرئيس البرازيلي Luiz Inácio Lula da Silva في المرحلة التي تسبق الانتخابات العامة في أكتوبر.
تبدو هندوراس مجدّداً نقطةً محوريّة تتقاطع عندها الضغوط الإسرائيلية والأمريكية اليمينية المتطرّفة؛ إذ تُشير التقارير إلى أن البلاد مستعدّة لمنح إسرائيل والولايات المتحدة السيطرة على قواعد عسكرية ومناطق اقتصادية خاصة.
كلّ هذا يجري في وقتٍ تشهد فيه إسرائيل أكبر تراجعٍ في الدعم الشعبي في تاريخها تحوّلٌ تاريخي قد يُلقي بظلاله على السياسة الغربية في السنوات المقبلة. لكن في المشهد الراهن، تتواصل عمليات التهجير والمحو في فلسطين، من غزّة إلى الضفة الغربية المحتلّة.
يصعب وصف حجم التهجير والعنف والخوف الذي يعيشه الفلسطينيون. هذه دولةٌ إسرائيلية تعمل بأقصى طاقتها، مستشعرةً فرصةً لا تتكرّر إلا جيلاً بعد جيل لإزاحة أكبر عددٍ ممكن من الفلسطينيين عن أراضيهم، تمهيداً لدولةٍ يهودية متشدّدة دينياً وعرقياً.
في هذا السياق، يغدو منطقياً أن حكومةً إسرائيلية تسير في هذا المنحى تسعى لبناء شبكة أصدقاء في المجتمع الدولي، فيما تتحوّل الرأي العام ضدّها بصورةٍ غير مسبوقة. قد يبدو التلاعب الانتخابي خطوةً يائسة من دولةٍ على حافّة الهاوية، لكنّه في الواقع يُجسّد تسارعاً في نموذج إسرائيل كحليفٍ استبدادي موثوق حليفٌ يتمايز بالتمييز ضد الأقليات والفلسطينيين، ويُلهم اليمين المتطرّف الصاعد في أنحاء العالم.
أخبار ذات صلة

الأخوان تيت في المحكمة يطلبان الإفراج عنهما قبل جلسات التسليم

رتكو ملاديتش، قائد الحرب الصربي البوسني المدان بالفظائع، يموت في السجن عن 84 عاماً
