وورلد برس عربي logo

الرابطة الطبية الإسرائيلية بين الصمت والتواطؤ في الحرب

نقاش تعليق عضوية الرابطة الطبية الإسرائيلية يكشف عن دورها في دعم السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وتبرير الحرب على غزة رغم انتهاكات حقوق الإنسان. قراءة عميقة تكشف التواطؤ المهني والأخلاقي مع الاحتلال وورلد برس عربي.

طاقم طبي إسرائيلي يعالج مريضاً في مستشفى، يعكس دور الرابطة الطبية الإسرائيلية في دعم النظام الصحي وسط النزاع.
يقوم الطاقم الطبي بمعالجة مريض في القسم تحت الأرضي بمستشفى رمبام في حيفا، إسرائيل، 22 سبتمبر 2024 (Sipa USA/Reuters Connect)

يُتيح النقاشُ الدائر حول تعليق عضوية الرابطة الطبية الإسرائيلية (IMA) في الرابطة الطبية العالمية (WMA) فرصةً لفحص مسألةٍ أعمق بكثير مما تُشير إليه التغطية الإعلامية السائدة. صحيحٌ أن جزءاً كبيراً من هذا النقاش ينصبّ على إخفاق الرابطة في إدانة تدمير المنظومة الصحية في غزة، والاعتداءات على البنية الطبية في لبنان وإيران، غير أن المشكلة أعمق من ذلك بمراحل.

في ردّها على العريضة التي نشرتها مجلة The Lancet وطالبت فيها الرابطةَ الطبية العالمية بتعليق عضوية نظيرتها الإسرائيلية، جاء موقف الرابطة الإسرائيلية على النحو الآتي: "يبدو أن الموقّعين على هذه العريضة يخلطون بين حكومة الدولة ورابطتها الطبية، وهو سابقةٌ بالغة الخطورة."

بيد أن الرابطة الطبية الإسرائيلية لم تكتفِ بالصمت إزاء هذه الاعتداءات وهو صمتٌ يُشكّل في حدّ ذاته إخلالاً بالتزاماتها الأخلاقية والمهنية بل ذهبت أبعد من ذلك، إذ سعت بصورةٍ نشطة إلى التصدّي للجهود التي بذلتها الرابطات الطبية والأكاديمية الدولية والهيئات المهنية والمجلات العلمية لإدانة الأفعال الإسرائيلية في غزة.

وقد وظّفت الرابطةُ سلطتَها المهنية للطعن في اتهامات جرائم الحرب والإبادة الجماعية، ولمقاومة الدعوات الرامية إلى وقف الحرب ومحاسبة إسرائيل. هذا السلوك، منذ 7 أكتوبر 2023، على الصعيدين الداخلي والدولي، يرسم صورةً من التواطؤ غائبةً إلى حدٍّ بعيد عن النقاش الراهن.

ما وراء الصمت

بينما تُقدّم الرابطةُ نفسَها باعتبارها مؤسسةً مستقلة عن الدولة الإسرائيلية حين تواجه مطالب المساءلة، يكشف سلوكُها عن علاقةٍ أشدّ تشابكاً وتداخلاً.

فقد أدركت الرابطة الطبية الإسرائيلية منذ أمدٍ بعيد أن دورها يتجاوز حدود الهيئة المهنية المستقلة، فانحازت إلى السياسات الإسرائيلية المؤثّرة على صحة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ووضعت نفسَها في موقع المدافع عن سياسات الدولة وممارساتها تجاه الفلسطينيين على نطاقٍ أوسع.

وقد تجلّى هذا الدور بوضوحٍ شديد منذ 7 أكتوبر، وإن كانت جذوره تسبق تلك المرحلة بسنوات. فقبل الإبادة الجماعية الراهنة بزمنٍ طويل، دافعت الرابطة وطبّعت إنشاءَ كلية طبية في مستوطنة أرييل غير القانونية، مُصوِّرةً مشروعاً يتجذّر في التوسع الاستيطاني وانتزاع الأراضي باعتباره مسعىً مهنياً إنسانياً خالصاً.

كما كانت شريكةً في تعذيب الأسرى الفلسطينيين، وانحازت إلى الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة بدلاً من أن تتحدّاه، بما في ذلك القيود المفروضة على تنقّل المرضى الفلسطينيين.

أما منذ 7 أكتوبر، فقد انتقلت الرابطة من الصمت إلى الدفاع الصريح عن الحرب الإسرائيلية في غزة.

وسعت إلى مراسلاتها مع أعضائها، وصفت نفسَها بأنها تعمل على "جبهةٍ" إضافية من جبهات الهسبارا (الدعاية الإسرائيلية)، وشجّعت الأطباء الإسرائيليين على المشاركة في جهود المناصرة الدولية.

وقدّمت المحافلَ الأكاديمية والطبية الدولية فضاءاتٍ لتبرير الموقف الإسرائيلي، ودحض الانتقادات، وحشد التأييد لإسرائيل في أوساط الزملاء المهنيين حول العالم.

إلى جانب ذلك، أعادت الرابطةُ تنظيم الموارد الصحية لدعم المجنّدين الاحتياطيين وعائلاتهم، وأجازت احتساب فترات الخدمة العسكرية ضمن متطلبات إتمام التدريب الطبي للأطباء.

استناداً إلى البيانات العلنية للرابطة ومراسلاتها مع السلطات الإسرائيلية واتصالاتها مع الأطباء وردودها على الانتقادات الدولية، تبيّن أن الرابطة اضطلعت بدور الفاعل السياسي لا الهيئة المهنية المستقلة، عبر ما يمكن تسميته "الدبلوماسية الطبية" (Medical Diplomacy): أي توظيف السلطة الطبية والشبكات المهنية والادعاء بالحياد العلمي في خدمة الدفاع عن إسرائيل ومجابهة الانتقادات الدولية.

وفي الممارسة الفعلية، تجلّى ذلك في التدخّل كلّما وُضع سلوك إسرائيل تحت المجهر، لا من خلال التحقيق في الاعتداءات على المنظومة الصحية أو إدانتها، بل من خلال الطعن في دعوات وقف إطلاق النار والمساءلة، والدفاع عن الأهداف السياسية والعسكرية للحرب.

أما المناشداتُ والاستفساراتُ التي أبدتها الرابطةُ لاحقاً تجاه الجيش الإسرائيلي بشأن الأوضاع الإنسانية في غزة والاعتداءات على المنظومة الصحية، فقد جاءت في سياق تصاعد الضغوط الدولية على الرابطة. فمع تنامي الانتقادات لصمتها وتصاعد الدعوات إلى العقوبات المهنية والمقاطعة، شرعت الرابطة في نشر استفسارات موجّهة إلى الجهات العسكرية الإسرائيلية، وإن كان بعضها قد أُزيل لاحقاً من موقعها الإلكتروني.

وفي رسالةٍ كتبتها الرابطةُ استجابةً لطلبات ما وصفته بـ"جهاتٍ دولية" تتعلّق باستشهاد طبيبٍ في غزة، طالبت الجيشَ الإسرائيلي بتوضيح ملابسات استشهاد، بما في ذلك تحديد ما إذا كانت القوات الإسرائيلية مسؤولةً عن ذلك. وختمت الرسالةَ بالإشارة إلى أن مثل هذه المعلومات ستُعين الرابطةَ على صون "السمعة الطيبة لإسرائيل".

وقد ربطت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه التدخّلات بمخاوف داخل المؤسسة الطبية الإسرائيلية من تنامي الضغوط الدولية وإمكانية اتساع حملات المقاطعة. وتُشير هذه المعطيات إلى أن قرار الرابطة بالتصريح علناً بشأن الأوضاع الإنسانية في غزة جاء مدفوعاً، في جزءٍ منه على الأقل، بضغوطٍ خارجية وداخلية من أعضائها الأطباء لم تعد الرابطة قادرةً على تجاهلها.

الحماية الانتقائية

والأكثر دلالةً أن مراسلة الرابطة مع الرابطة الطبية العالمية في أعقاب الضربة الإيرانية على مستشفى سوروكا في بئر السبع في يونيو 2025 جاءت شبه فورية، إذ طالبت المجتمعَ الطبي الدولي بإدانة الهجوم إدانةً قاطعة، واصفةً إياه بجريمة الحرب.

غير أن الرابطة في المراسلة ذاتها واصلت ترديد الروايات العسكرية الإسرائيلية بشأن مستشفيات غزة، مُميِّزةً بين مستشفى سوروكا والمنشآت الصحية التي ادعت أن حماس استخدمتها لأغراض عسكرية.

هذا التمييز يُفضي فعلياً إلى حرمان المستشفيات الفلسطينية من الحماية غير المشروطة ذاتها التي طالبت بها لسوروكا، مكرِّرةً حججاً وُظِّفت طوال سنوات الحرب لتقويض الوضع المحمي للمنشآت الصحية في غزة وتشريع العمليات العسكرية ضدّها.

ولا تكمن أهمية هذه الحادثة في أن الرابطة طالبت بالإدانة فهذا بالضبط ما يُنتظر من أي رابطةٍ طبية إزاء الاعتداءات على المنظومة الصحية بل تكمن في الطابع الانتقائي الصارخ الذي تُوظّف به الرابطةُ هذه المبادئ.

فبينما وصفت الدعواتِ إلى وقف إطلاق النار والمساءلة والمقاطعة بأنها تسييسٌ غير مشروع للطب، لم تتردّد في مناشدة نظيراتها الدوليات لإدانة الضربة على سوروكا والتحرّك دفاعاً عن المنشآت الصحية الإسرائيلية.

وفي حين أعربت الرابطةُ الطبية العالمية عن قلقها إزاء الأزمة الصحية والإنسانية في غزة، وطالبت إسرائيل بالامتثال لاتفاقيات جنيف، فإن بياناتها المبكرة جاءت في معظمها بلغةٍ تقوم على التوازن والتكافؤ، إذ دعت جميعَ الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المنشآت الصحية وتيسير وصول المساعدات الإنسانية وذلك على الرغم من الدمار المنهجي الذي لحق بالمنظومة الصحية في غزة واستهداف العاملين في القطاع الطبي.

في المقابل، جاء ردّها على الضربة الصاروخية التي استهدفت مستشفى سوروكا في يونيو 2025 سريعاً وقاطعاً، إذ أدانت الهجوم، وأكّدت الوضع المحمي للمنشآت الصحية بموجب القانون الدولي الإنساني، ووصفت الاعتداءات على المستشفيات بأنها انتهاكاتٌ جسيمة لاتفاقيات جنيف.

وحيث عُولجت مسألة تدمير مستشفيات غزة في إطار الالتزامات المشتركة والضبط المتبادل، قوبل الهجومُ على سوروكا بإدانةٍ صريحة لا تحتمل اللبس في تحديد المسؤولية.

التساؤل المطروح، إذن، ليس ما إذا كانت الرابطةُ الطبية الإسرائيلية قد أخفقت في الجهر بالإدانة الكافية لتدمير المنظومة الصحية في غزة، بل ما إذا كانت رابطةٌ وظّفت سلطتَها المهنية مراراً في الدفاع عن العنف الذي تمارسه الدولة، والطعن في دعوات المساءلة، وتقويض الانتقادات الدولية ما إذا كانت هذه الرابطةُ قادرةً على أن تُقدّم نفسَها بصدقيةٍ هيئةً مهنيةً مستقلة منفصلة عن الدولة التي دافعت عن سياساتها مراراً وتكراراً.

أخبار ذات صلة

Loading...
مدخل سجن إسرائيلي محاط بجدران ورايات تحمل العلم الإسرائيلي، مع وجود حارس أمن وسيارة بيضاء، في سياق الحديث عن الأسرى الفلسطينيين.

حملة "الأشرطة الحمراء" تطالب بالسماح للصليب الأحمر بزيارة الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل

تتصاعد المطالب الدولية بوقف انتهاكات حقوق الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية واستئناف زيارات الصليب الأحمر المستقلة فوراً. اكتشف تفاصيل الأزمة والجهود الإنسانية الآن.
Loading...
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية في صورة من فيديو خلال اعتقاله الإسرائيلي، وسط دعوات دولية للإفراج عنه بسبب التعذيب والاحتجاز التعسفي.

الأطباء البريطانيون يطالبون الحكومة بالتحرك لإنقاذ الدكتور أبو صفية

يُحتجز الدكتور حسام أبو صفية، طبيب الأطفال الفلسطيني، منذ أكثر من 550 يوماً في ظروف تعذيب خطيرة تهدد حياته. اكتشف تفاصيل قضيته وكن جزءاً من حملة المطالبة بالإفراج الفوري عنه.
Loading...
الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال لقاء رسمي يعكس التوترات الدبلوماسية بين البلدين.

عالم الزلازل الأمريكي معتقل في الصين منذ عامين بدون محاكمة

يُحتجز عالم الزلازل الأمريكي يوولين تشن في الصين منذ عامين بتهمة التجسس وسط صمت رسمي رغم جهود واشنطن. اكتشف تفاصيل القصة وتأثيرها على العلاقات الأمريكية-الصينية الآن.
Loading...
رجل إثيوبي يجلس في غرفة بسيطة يعبر عن الحزن بعد تنفيذ حكم الإعدام في ابنه بالمملكة العربية السعودية.

السعودية تمنح العفو عن ألفي إثيوبي محتجز

أعلنت السعودية عفوًا ملكيًا عن نحو 2000 مواطن إثيوبي محتجز، وسط جهود دبلوماسية لإعادة المفرج عنهم إلى إثيوبيا. اكتشف تفاصيل العفو وتأثيره الآن ولا تفوت قراءة المزيد.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية