روايات متضاربة حول إسرائيل والصراع المستمر
تتعارض روايتان حول إسرائيل: الأولى تصوّرها كدولة صغيرة تسعى للسلام، والثانية ترى فيها قوة عسكرية تسعى للتوسع. كيف تصمد هذه الروايات أمام الحقائق؟ استكشف ما وراء الأحداث في تحليل عميق لأثر إسرائيل على المنطقة.

لعقودٍ متتالية، تعايشت روايتان متعارضتان تعارضاً جذرياً حول إسرائيل ودوافعها، دون أن تلتقيا في أيّ نقطة.
تصوّر الرواية الغربية الرسمية إسرائيل دولةً "يهودية" صغيرة محاصرة، تتوق إلى السلام مع جيرانها العرب المعادين لها. وهذه الرواية لا تزال تهيمن حتى اليوم على المشهد السياسي والإعلامي والأكاديمي في الغرب.
يُقال لنا مراراً إنّ إسرائيل مدّت يدها بغصن الزيتون إلى "العرب" طلباً للقبول، فكان الردّ دائماً الرفض.
وثمّة نصٌّ ضمني غير معلن يُلمح إلى أنّ أنظمة المنطقة، التي يُصوَّر فيها العرب على أنّهم متعطّشون للدماء وكارهون لليهود، كانت ستُكمل مشروع الإبادة النازي لولا الحماية الغربية "الإنسانية" لأقلّية مستضعفة.
في المقابل، تُخنق الرواية الفلسطينية المضادة، التي يقبلها معظم العالم، في الغرب بوصفها "افتراءً دمويّاً" معادياً للسامية.
وتُقدّم هذه الرواية إسرائيل دولةً عنصرية ذات طابع عسكري صارم، مسلّحة من الولايات المتحدة وأوروبا، تسعى إلى التوسّع والتهجير الجماعي وسرقة الأراضي.
ومن هذا المنظور، زرع الغرب إسرائيل قاعدةً عسكرية استعمارية لإخضاع الشعب الفلسطيني الأصلي وإرهاب الدول المجاورة وإرغامها على الاستسلام عبر عروض متواصلة وساحقة للقوة.
لا يمكن للفلسطينيين تحقيق السلام أو أيّ تسوية، لأنّ إسرائيل لا تسعى إلّا إلى الغزو والهيمنة والمحو. ولا مجال لأيّ أرضية وسطى.
والدليل، كما يُشير الفلسطينيون، رفض إسرائيل المتواصل منذ عقود تحديد حدودها. وكلّما ازدادت قوّتها العسكرية عاماً بعد عام، طفت على السطح أجنداتٌ سياسية أشدّ تطرّفاً، تطالب ليس فقط بالسيطرة على آخر بقايا الأراضي الفلسطينية التي تحتلّها إسرائيل بصورة غير مشروعة، بل بالتمدّد إلى دول مجاورة كلبنان وسوريا.
السُّكر بالقوة
هاتان روايتان متعارضتان تُقدّم كلٌّ منهما نفسها ضحيةً للأخرى.
بعد مرور نحو سنتين ونصف على سلسلة الحروب الإسرائيلية ضدّ شعوب غزة وإيران ولبنان، كيف تصمد هاتان الروايتان أمام الوقائع؟
هل تبدو إسرائيل صانعة سلام محبطة تواجه خصوماً همجيين، أم دولةً خارجة على القانون جرّ عدوانها الممتدّ لعقود العنفَ الانتقامي الذي تستغلّه ذريعةً لحروبها المتواصلة؟
هل إسرائيل حصنٌ صغير مُكره على الدفاع عن نفسه، أم عميلٌ عسكري غربي أسكره إحساسه بقوّته حتى بات عاجزاً عن كبح طموحاته التوسّعية، كالقرش الأبيض الذي لا يستطيع التوقّف عن السباحة؟
الحقيقة أنّ الثلاثين شهراً الماضية كشفت بجلاء ليس فقط ما كانت عليه إسرائيل دائماً، بل ما كانت الدول الغربية تطمح إلى تحقيقه عبر عميلها المدلّل في الشرق الأوسط.
في لحظة تهوّر الشهر الماضي، قال Christian Turner، خلف Peter Mandelson في منصب السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، ما يُقال في السرّ علناً. فواشنطن، مركز الإمبراطورية الغربية، لا تُكنّ ولاءً عميقاً لحلفائها، باستثناء واحد.
وإذ لم يكن يعلم أنّ كلامه يُسجَّل، قال لمجموعة من الطلاب الزائرين:"أعتقد أنّ ثمّة دولةً واحدة تربطها علاقة خاصة بالولايات المتحدة، وهي على الأرجح إسرائيل."
تستلزم هذه العلاقة الخاصة أن تحرص الطبقة السياسية والإعلامية في الدول العميلة الأخرى لواشنطن، كبريطانيا، على حماية "إسبرطة" الغرب في الشرق الأوسط من أيّ تدقيق نقدي.
وقد بلغت فظائع إسرائيل من الوضوح حدّاً دفع الحكومة البريطانية إلى الإعلان الشهر الماضي عن إغلاق وحدة وزارة الخارجية المعنية برصد جرائم الحرب بحجّة الحاجة إلى خفض الإنفاق بدلاً من مواجهة مزيد من الكشف عن تواطئها في تلك الجرائم.
وإن كانت الحكومة البريطانية ترفض رصد جرائم الحرب الإسرائيلية، فلا يُنتظر من الإعلام المؤسّسي أكثر من ذلك.
إسرائيل تُفجّر قرية تلو قرية في جنوب لبنان منذ أشهر، وتُهجّر ملايين السكّان من أراضٍ عاش عليها أجدادهم آلاف السنين، وبالكاد يُسجّل ذلك لدى ساستنا وإعلامنا.
إسرائيل تُدمّر مصادر المياه في غزة، كما دمّرت من قبل مستشفيات القطاع الصغير ومنظومته الصحية، ممّا يُفضي إلى مزيد من انتشار الأمراض، وساستنا وإعلامنا لا يكادون يُبدون أيّ تعليق.
إسرائيل تقتل الصحفيين وطواقم الطوارئ في غزة ولبنان أسبوعاً بعد أسبوع، شهراً بعد شهر، ولا يُثير ذلك سوى القليل من ردود الفعل لدى الطبقة السياسية والإعلامية.
إسرائيل تُعلن "خطوطاً صفراء" في غزة ولبنان لترسيم حدود موسّعة تُضفي الشرعية على سرقة أراضي الشعوب الأخرى، وهذا يتحوّل فوراً إلى واقع مقبول.
إسرائيل تنتهك وقف إطلاق النار في غزة ولبنان باستمرار، [مضاعِفةً المعاناة ومُذكيةً مزيداً من الغضب والمرارة، ومرّة أخرى يُغمض ساستنا وإعلامنا أعينهم.
أيّ وسيلة إعلامية غربية تُشير إلى هذه الحقيقة الصارخة: أنّ إسرائيل باتت تحتلّ من لبنان مساحةً أكبر ممّا تحتلّه روسيا من أوكرانيا؟
التحيّز الإعلامي
أكّد تحليلٌ أجرته مجموعة Newscord لرصد الإعلام الشهر الماضي ما كشفته أبحاث سابقة: أنّ الإعلام البريطاني يتحاشى بعناية توصيف ما تقوم به إسرائيل خلافاً لروسيا بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية.
وبمقارنة تغطية أبرز المؤسسات الإعلامية البريطانية "الرصينة" BBC وGuardian وSky مع تغطية Al Jazeera، خلصت الدراسة إلى أنّ الإعلام البريطاني يختار باستمرار التعتيم على مسؤولية إسرائيل عن جرائمها.
لم تُحدَّد إسرائيل باعتبارها منفّذة الهجمات في غزة إلّا في نحو نصف التقارير الإخبارية البريطانية، في حين بلغت هذه النسبة قرابة 90 بالمئة في تقارير Al Jazeera. وكما لاحظت Newscord: "في نصف الأحيان، لا يُخبَر قرّاء BBC بمن قتل الشخص الوارد في الخبر."
وتجلّى ذلك بوضوح في عنوان شهير لـ BBC: "هند رجب، 6 سنوات، عُثر عليها ميتة في غزة بعد أيام من اتصالاتها طلباً للمساعدة."
في حين أنّ دبّابة إسرائيلية أطلقت النار على سيارة متوقّفة رغم علم الجيش الإسرائيلي منذ ساعات بأنّها تحمل طفلة فلسطينية الناجية الوحيدة من هجوم سابق كانت طواقم الإنقاذ تسعى بيأس للوصول إليها. واغتالت إسرائيل فريق الإنقاذ أيضاً.
وفي نتيجة كاشفة أخرى، تُلاحظ Newscord أنّ أربعة من كلّ خمسة تقارير لـ BBC حول ضحايا الهجمات الإسرائيلية استخدمت صيغة المبني للمجهول المُلتوية عوضاً عن المبني للمعلوم، وذلك بوضوح بهدف التهوين من مسؤولية إسرائيل وفظاعة أفعالها.
كذلك سعى الإعلام البريطاني إلى التشكيك في حجم الخسائر البشرية الفلسطينية في غزة، بإسناد الأرقام بانتظام إلى وزارة صحة "تابعة لحماس" رغم أنّ هذه الأرقام، التي تجاوزت 70,000 شهيد فلسطيني حتى الآن، هي على الأرجح أقلّ بكثير من الواقع، نظراً لتدمير إسرائيل المبكّر لمؤسسات القطاع وقدرتها على إحصاء الضحايا.
ولم تُذكر حقيقة أنّ الأمم المتحدة وجدت أرقام غزة موثوقة إلّا في 0.6 بالمئة من التقارير.
النيّة الإبادية
على المنوال ذاته، اختارت BBC وGuardian تإنسان الأسرى الإسرائيليين لدى حماس بمعدّل ضعف ما خصّصتاه لتإنسان الأسرى الفلسطينيين في يد الدولة الإسرائيلية.
ويزيد من فداحة هذا الازدواج في المعايير استمرار التلميحات من السياسيين والإعلام بأنّ حماس "قطعت رؤوس الأطفال" ونفّذت اغتصابات ممنهجة في 7 أكتوبر 2023 بعد أكثر من عامين على دحض تلك الادعاءات دحضاً تاماً.
قارن ذلك بالتجاهل الإعلامي الفعلي لتقرير Euro Med Monitor الصادر الشهر الماضي حول الممارسة المقزّزة للجيش الإسرائيلي المتمثّلة في اغتصاب الأسرى الفلسطينيين بواسطة كلاب مدرَّبة لهذا الغرض تحديداً.
ثمّة سيلٌ من الشهادات من فلسطينيين احتجزتهم إسرائيل تتحدّث عن اغتصابٍ ممنهج وانتهاكات جنسية، تُؤكّدها منظمات حقوق الإنسان وشهادات جنود إسرائيليين وأطباء كشفوا ما يجري. غير أنّ شيئاً يسيراً من هذا يجد طريقه إلى الإعلام الغربي.
وتُشير Newscord إلى إشكالية أعمق تُشوّه التغطية الغربية: إغفال وقائع ثابتة لكنّها مزعجة، وقائع من شأنها أن تُظهر إسرائيل في صورتها الحقيقية المنحطّة.
فعلى سبيل المثال، تُلاحظ Newscord أنّ BBC أخفقت كلّياً في تغطية كلّ ما عدا واحدة من مئات التصريحات الإبادية الصريحة التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون، من رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu نزولاً.
ومن السهل فهم السبب. عادةً ما تُعاني السلطات القانونية في إثبات الإبادة الجماعية لأنّها تستلزم إثبات النيّة، التي يُخفيها مرتكبو الفظائع عادةً.
لكنّ اللافت في حالة إسرائيل أنّ أفعالها في غزة لا تبدو فحسب كالإبادة، بل إنّ قادتها صرّحوا بوضوح تامّ بأنّ هذه الأفعال مقصودة لتكون إبادة. وهذا سلوكٌ لا يصدر إلّا ممّن يسكرون بإحساسهم بالإفلات من العقاب.
ومرّة أخرى، تطوّع الإعلام البريطاني لحماية إسرائيل من أيّ مساءلة قانونية كلّ ذلك في خدمة الموضوعية الإعلامية، كما يُفهم.
قصّة قديمة
هذا ليس جديداً. القصّة ذاتها منذ ما قبل التأسيس العنيف لإسرائيل على أرض الفلسطينيين عام 1948، حين طرد الإسرائيليون 80 بالمئة من السكّان الأصليين تطهيراً عرقياً من الدولة "اليهودية" الجديدة المُعلنة من جانب واحد. أو حين "فرّ"، بحسب لغة الخداع التي لا تزال تستخدمها النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية الغربية، نحو 750,000 فلسطيني.
كان الهدف صناعة فقّاعة وهمٍ وصونها للجمهور الغربي، فقّاعة تظلّ فيها جرائمنا وجرائم حلفائنا غير مرئية لنا.
ولاحظ في هذا السياق إصرار الحكومة البريطانية على استثناء إسرائيل من تحقيق "مستقل" أخير أشرف عليه البيروقراطي الحكومي السابق Philip Rycroft حول التأثير المالي الأجنبي المشبوه على السياسة البريطانية. وكانت روسيا بطبيعة الحال في دائرة الضوء الرئيسية.
ومن المتوقّع أن رفضت حكومة Keir Starmer في أبريل عريضةً وقّعها أكثر من 114,000 شخص تطالب بتحقيق عام مماثل في نفوذ لوبي إسرائيل القوي.
ولم يكن ذلك مفاجئاً، إذ إنّ أيّ تحقيق من هذا القبيل كان سيُسلّط الضوء على مئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية التي يُعرف أنّها وصلت إلى Starmer ووزرائه من جماعات الضغط المؤيّدة لإسرائيل.
والطبقة السياسية والإعلامية البريطانية ذاتها التي تأبى التحقيق في النفوذ المشبوه للوبي المؤيّد لإسرائيل، تُغضّ الطرف أيضاً عن التدمير الإسرائيلي الممنهج للقرى والبنية التحتية في جنوب لبنان — في انتهاك صريح لوقف إطلاق النار المُفترَض.
وأفاد جنود إسرائيليون لوسائل إعلام محلية بأنّ مهمّتهم استهداف جميع المنشآت دون تمييز، سواء أكانت مدنية أم "إرهابية"، بهدف منع السكّان اللبنانيين من العودة إلى قراهم.
ويتّسق ذلك مع إعلان إسرائيل أنّها لا تعتزم الانسحاب بعد انتهاء القتال، والخطط الواسعة لاستيطان الأراضي المحتلّة في لبنان بمستوطنين يهود.
ولولا مقاطع الفيديو التي تُظهر إسرائيل وهي تُفجّر تجمّعات سكّانية لبنانية وتشقّ طريقها عبر منصّات التواصل الاجتماعي رغم القمع الخوارزمي، لما علمنا بجهود إسرائيل الشاملة للتطهير العرقي في جنوب لبنان.
وحين ردّت صحيفة Guardian على هذه المقاطع بتقرير "سائد" نادر حول حملة التدمير، لطّفت الهول الذي يعيشه اللبنانيون وهم يكتشفون أنّ بيوتهم اختفت مع ما تحمله من ذكريات لا تُقدَّر وموروثات عائلية. وبشكل مثير للسخرية، وصفت الصحيفة هذه التجربة بأنّها "مزيجٌ من المرّ والحلو".
ويُلاحظ المنتقدون نمطاً ثابتاً: إسرائيل لا تُسوّي جنوب لبنان بالأرض وحسب؛ فعلى مدى الثلاثين شهراً الماضية، سوّت كذلك كلّ مبنٍ تقريباً في غزة.
لكنّ النموذج الذي يقوم عليه كلاهما أقدم بكثير، وهو ما يعرفه كلّ فلسطيني منذ نعومة أظفاره.
بعد أن طرد الإسرائيليون معظم الفلسطينيين من بيوتهم عام 1948، أمضوا سنوات يُفجّرون نحو 500 قرية واحدة تلو الأخرى حتى في الوقت الذي كان فيه القادة الإسرائيليون يدّعون علناً أنّهم يتوسّلون اللاجئين للعودة، والقادة الغربيون يُمجّدون إسرائيل بوصفها "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط.
عمليات التهجير التي لا يزال الغرب يتظاهر بأنّها لم تحدث منذ ثمانية عقود، تُبثّ الآن مباشرةً على الهواء. وهذه المرّة، يستحيل إنكارها، كما يستحيل إنكار الأجندة الاستعمارية العنصرية التي تقف وراءها.
تشويه الرسول
إن كانت الرسالة الكامنة في فظائع إسرائيل لم تعد قابلة للإخفاء أو التلميع أو التطبيع كما كان الحال في عصر ما قبل البثّ المتواصل على مدار الساعة ووسائل التواصل الاجتماعي فثمّة استراتيجية بديلة: تشويه الرسول.
هذه هي المهمّة السياسية لعصرنا.
يُشيطَن اليسار المناهض للعنصرية ويُصوَّر على أنّه مليءٌ بالمتعصّبين الكارهين لليهود، لأنّه يسعى إلى ثقب فقّاعة الوهم الغربية الراسخة بالإشارة بصوت عالٍ إلى الفظائع التي ترتكبها إسرائيل، المزعوم أنّها باسم اليهود، وإلى تواطؤ حكوماتهم في تلك الفظائع.
الشهر الماضي، أمرت حكومة Starmer بتمرير قانون في مجلس العموم يُجيز للشرطة حظر الاحتجاجات التي تُسبّب "اضطراباً تراكمياً" أي الاحتجاجات المتكرّرة كتلك الرافضة للإبادة الإسرائيلية في غزة. والإعلام لم يكترث بالكاد.
والهجوم الذي استهدف هذا الأسبوع رجلين يهوديين في منطقة Golders Green، يُزعم أنّ منفّذه رجل مريض نفسياً له تاريخ طويل من العنف، يجري استغلاله بسرعة من قِبَل الأحزاب الرئيسية لتمهيد الأرض لقيود أشدّ على حقّ الاحتجاج.
البريطانيون الذين يحاولون وقف جرائم الحرب الإسرائيلية، سواء باستهداف مصانع الأسلحة الإسرائيلية الموجودة في بريطانيا أو برفع لافتات تدعم هذا النوع من العمل المباشر، يُعامَلون باستمرار كـ"إرهابيين"، حتى بعد حكم قضائي بعدم مشروعية حظر منظمة Palestine Action.
وحين تُبدي هيئات المحلّفين في أحيان كثيرة تردّداً في إصدار أحكام بالإدانة، يُحجب عنها الاطّلاع على أسباب استهداف مصانع الأسلحة الإسرائيلية وهو الدفاع الرئيسي للمتّهمين. ويُوجّه القضاة تعليمات للمحلّفين بالإدانة.
أفراد من الجمهور يقفون صامتين أمام المحاكم حاملين لافتات تُذكّر المحلّفين بحقّهم القانوني الراسخ في تجاهل هذه التعليمات واتّباع ضمائرهم والحكم بالبراءة يُعتقلون في تجاوز بوليسي يتعارض مع مئات السنين من السوابق القانونية، وهو ما يبدو أنّ المحاكم باتت أكثر استعداداً للتغاضي عنه.
ثمّة قيود رقابية تُطاع بامتثال من الإعلام حول ممارسات سرّية أخرى مصمَّمة لمساعدة الحكومة البريطانية على انتزاع الأحكام التي تحتاجها لوقف النشاط الحقوقي المناهض للإبادة. ولا نعلم بها إلّا لأنّ عضو البرلمان Zarah Sultana من Your Party استخدمت الحصانة البرلمانية للفت الانتباه إليها.
وكان لافتاً هذا الأسبوع أنّ خمسة من أصل ستة متّهمين في المحاكمة المعادة لناشطي Palestine Action استغنوا عن محاميهم في مرافعات الختام، مُلاحظين بمرارة أنّ ممثّليهم القانونيين لم يستطيعوا تمثيلهم تمثيلاً حقيقياً بسبب "قرارات صادرة عن المحكمة".
في الأثناء، تمضي حكومة Starmer قُدُماً في خططها للتخلّص أخيراً من هيئات المحلّفين المزعجة والسماح لقضاة أكثر موثوقية بالبتّ في هذه المحاكمات السياسية الاستعراضية منفردين.
أهلاً بالتفكّك السريع لأعزّ الحقوق الدستورية البريطانية وهو تفكّكٌ يبدو أنّه مطلوب في المقام الأول لحماية دولة بعيدة تُمارس، وفق محكمة العدل الدولية، جريمة الفصل العنصري ضدّ الفلسطينيين وقد تكون ارتكبت إبادة جماعية في غزة.
درسٌ مؤلم
لكنّ الحكومة البريطانية كالحكومات الأمريكية والألمانية والفرنسية لا تُجوّف ديمقراطيتها الليبرالية حماية لإسرائيل وحسب. إنّها مُكرهة على هذه التجاوزات من الاضطرار واليأس.
لم يعد بمقدور الغرب الإبقاء على فقّاعة الوهم بتفوّقه الأخلاقي والحضاري في عالم يتضاءل فيه الموارد، عالم تُبدي فيه النخب الغربية استعداداً لإحراق الكوكب حفاظاً على أرباح الوقود الأحفوري التي أخصبت ثرواتهم.
أجندة طبقة Epstein باتت أكثر وضوحاً في الداخل، وأكثر تحدّياً في الخارج. أفضت الإبادة في غزة والتطهير العرقي في لبنان إلى استنزاف الشرعية الأخلاقية الغربية. والآن تستنزف إيران ببطء التفوّق العسكري الغربي.
لا عجب أن تختار إمبراطورية أمريكية في أيّامها الأخيرة إمبراطورية بُنيت على السيطرة على الوقود الأحفوري أن تموت على تلّة مضيق هرمز، أكبر صنبور نفطي في العالم.
إسرائيل زُرعت فعلاً في المنطقة منذ ثمانية عقود دولةً عميلة شديدة التسليح، كانت مهمّتها الأولى إسقاط القوة الغربية أي الأمريكي في الشرق الأوسط الغنيّ بالنفط.
درعت الولايات المتحدة إسرائيل من أيّ تدقيق في قمعها للفلسطينيين وسرقة وطنهم.
في المقابل، ساعدت إسرائيل "الشجاعة" الولايات المتحدة في بناء رواية خادمة لمصالحها، رواية تستلزم احتواء الحكومات القومية العلمانية في الشرق الأوسط والإطاحة بها، مع حماية الملكيات الرجعية التي تتظاهر بمعاداة إسرائيل بينما تتواطأ معها في السرّ.
وقد كانت دول المنطقة الناتجة، المحاصرة والمُفكَّكة، طيّعة للسيطرة. وافتقرت إلى الحكومات المساءَلة التي كانت ستضطرّ للاستجابة لشعوبها وربّما تتحالف لحماية مصالح المنطقة من التدخّل الاستعماري الغربي.
الآن، تختبر إيران هذا النظام العتيق حتى تُوصله إلى حدّ الانهيار. إنّها تُجبر دول الخليج على الاختيار: هل تواصل خدمة الولايات المتحدة التي أثبتت عجزها عن حمايتها، أم تتحالف مع إيران وهي تبرز قوّةً إقليمية كبرى تفرض رسوم العبور في المضيق؟
يتعلّم الغرب بسرعة أنّ الطائرات المسيَّرة الرخيصة قادرة على التملّص من أكثر منظوماته الكشفية تطوّراً، وأنّ ألغاماً بحرية وزوارق مسلّحة قادرة على خنق شريان الوقود الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي.
لقد انفجرت فقّاعة الوهم أخيراً. الغرب يتلقّى عقابه المتأخّر طويلاً. وسيكون الدرس مؤلماً بحقّ.
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة وإسرائيل ترفضان مقترحاً فلسطينياً مشتركاً بشأن غزة

الولايات المتحدة تنتقد حلفاءها لعدم وقفهم قافلة مساعدات غزة
