تصعيد التوترات في حلف الناتو ومستقبل الدفاع الأوروبي
في بروكسل، وزير الدفاع الأمريكي يوبخ حلفاء الناتو، محذرًا من ضرورة رفع الجاهزية الدفاعية الأوروبية. القادة يناقشون تعزيز الإنفاق والدروس المستفادة من أوكرانيا. هل ستنجح أوروبا في تحمل مسؤولية دفاعها؟ اكتشف المزيد.





في بروكسل، وبعد ساعاتٍ من توبيخ وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth لحلفائه في حلف شمال الأطلسي (NATO) وإعلانه عن مراجعة البنتاغون لأدائهم، كان قادة كثيرٍ من الدول الأوروبية يتفحّصون قائمةً بالتقدّم المُحرَز على صعيد أولويات الأمن والدفاع.
في جوهر الأمر، كان Hegseth يذكّر الأوروبيين بما يعرفونه أصلاً.
شملت القائمة: رفع الإنفاق الدفاعي، والاستثمار في الصناعة لتعزيز إنتاج المعدات العسكرية، والاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن ضرورة امتلاك الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والأسلحة بعيدة المدى أو تطويرها.
في القمّة التي اختُتمت الجمعة، ناقش القادة كيفية توظيف التمويل الأوروبي المشترك على أفضل وجه، وتقليص البيروقراطية لتسريع عمليات الشراء، وتقييم واقع «التنقّل العسكري» بهدف الإسراع في نشر القوات والمعدات، وتطوير الموانئ والمطارات.
وأكّد القادة من جديد أنّ «الجاهزية الدفاعية الأوروبية يجب أن ترتفع بصورة حاسمة بحلول عام 2030». وهذه القائمة ليست جديدة، بل هي ثمرة عمل متراكم منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.
وقد حذّرت أجهزة الاستخبارات من أنّ الرئيس الروسي Vladimir Putin قد يأمر بشنّ هجوم على منطقة أخرى في أوروبا قبل نهاية العقد الحالي، لا سيّما إن أحكم سيطرته على أوكرانيا. وتتّهم هذه الدول روسيا أصلاً بتنفيذ عمليات تخريب ونشر معلومات مضلِّلة في أرجاء أوروبا.
نحو ثلثَي دول الاتحاد الأوروبي هي في الوقت ذاته أعضاء في حلف NATO، وقد زاد عدم القدرة على التنبّؤ بتوجّهات إدارة Trump من عزمها على المضيّ قُدُماً باستقلالية أكبر. ولم تكن مراجعة البنتاغون التي أعلنها Hegseth سوى آخر المفاجآت في سلسلة متواصلة.
رئيس البنتاغون يصبّ جامَ غضبه على الحلفاء
لا يحضر Hegseth كثيراً من اجتماعات NATO، وقد غادر تجمّع وزراء الدفاع يوم الخميس مبكّراً. غير أنّ خطابه الأول أمام الحلفاء في فبراير 2025، وما تلاه هذا الأسبوع، تركا أثراً لا يُنسى.
يوم الخميس، وصف Hegseth حلف NATO بأنّه «نمرٌ من ورق»، وقال إنّ الحلفاء كانوا «مثاراً للعار»، وإنّ «كثيرين منهم رسبوا» في الاختبار الذي وضعه الرئيس Donald Trump حين طلب استخدام قواعدهم في أوروبا لشنّ ضربات على إيران.
بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فانتقد تركيزهم على «المساواة بين الجنسين وتغيّر المناخ»، وهاجم سياساتهم في مجال الهجرة.
ثمّ منحهم ستة أشهر لإثبات جدارتهم في مراجعة أداء يربط فيها البنتاغون الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا والاستثمار الأمريكي في NATO بمدى اقتناعه بأنّهم يؤدّون دورهم الكامل.
وقالت Rachel Ellehuus، المديرة العامة لمعهد الخدمات المتّحدة الملكي (Royal United Services Institute): «هذا الأسلوب يشبه أسلوب ابتزاز الحماية، وهو يقوّض تضامن NATO، ويزعزع الثقة بالالتزام الأمريكي تجاه الحلف، وفي نهاية المطاف يضرّ بالمصالح الأمنية الأمريكية ذاتها».
شروط المراجعة لا تزال مبهمة
ما الذي تنطوي عليه هذه المراجعة فعلاً؟ لا أحد يعرف بالضبط.
قال Hegseth: «ستُصمَّم لضمان أنّ NATO يتحرّك بسرعة ولا رجعة فيه نحو تولّي أوروبا القيادة، وتحمّل المسؤولية الأولى عن الدفاع عن نفسها». وأضاف: «بعض الدول ستُخفق، وأخرى ستنجح بامتياز».
وأشار إلى أنّها قد تمتدّ «حتى ستة أشهر، وربّما أقل»، وستشمل قادةً عسكريين أمريكيين وأعضاءً في الكونغرس والحلفاء أنفسهم.
و أوضح أنّ المدفوعات الأمريكية في الميزانية المشتركة لـ NATO، التي تموّل مقرّه وغيره من المرافق، ستكون رهينةً بأداء الحلفاء. وقال: «حيث لا ينفق الحلفاء الآخرون بالإلحاح المطلوب، ستنخفض مساهماتنا».
وفي تصريحاتٍ للصحفيين في مطار بروكسل قبيل مغادرته، أشار إلى أنّ المراجعة ستتناول أيضاً «أين يقع المكان المناسب للتمركز، وكيف نضمن حصولنا على حقّ الوصول والعبور الجوّي متى احتجنا إليه، بما يضمن انتشاراً أمريكياً ملائماً على القارّة».
لم يؤدِّ NATO دوراً فاعلاً في الحرب على إيران، لكنّه وفّر درعاً واقية لأراضي الحلف من أيّ هجوم محتمل.
الأمين العام لـ NATO Mark Rutte لم يستطع إلقاء مزيدٍ من الضوء على ما قد تتضمّنه المراجعة.
قال Rutte: «لا يزال الغموض يكتنف النتائج المتوقّعة تحديداً، لأنّ ذلك سيتوقّف على المراجعة ذاتها. سنرى ما سيحدث». وأضاف: «في كلّ مكانٍ يمكننا أن نكون فيه مفيدين، سنكون». ومن المرتقب أن يزور Rutte واشنطن الأسبوع المقبل، حيث قد يحظى بمزيدٍ من التوضيح.
الأرقام تُظهر أنّ الحلفاء يؤدّون دورهم بشكل لافت
من منظور Rutte، فإنّ الحلفاء الأوروبيين وكندا يسيرون على المسار الصحيح، وإن كان الأفضل دائماً ممكناً.
قال للصحفيين: «ما نشهده هو تدفّق مبالغ ضخمة بصورة مذهلة. أنفقت أوروبا وكندا في 2025 ما يزيد على 90 مليار دولار إضافية مقارنةً بعام 2024، وهو ما يمثّل ارتفاعاً بنسبة 20% تقريباً في الإنفاق الدفاعي».
غير أنّ هذه الأموال الإضافية يجب أن تتحوّل إلى معدات عسكرية وأسلحة وذخائر فعلية.
في قمّتهم العام الماضي، اتّفق الحلفاء على رفع ميزانياتهم العسكرية لتتناسب مع نظيرتها الأمريكية من حيث نسبة الناتج المحلي الإجمالي. وغادر Trump الاجتماع راضياً، واصفاً نظراءه في NATO بأنّهم «مجموعة رائعة من الناس». بيد أنّ المراجعة المُعلنة لا تبشّر بأجواء طيّبة في القمّة المقبلة التي ستُعقد في تركيا يومَي 7 و8 يوليو.
ومع ذلك، بات كبار الضبّاط العسكريين الأوروبيين يشغلون مناصب قيادية أكبر في NATO، وتولّى حلفاء الولايات المتحدة مهمّة تنسيق تدفّق الأسلحة والأموال إلى أوكرانيا في ظلّ تراجع الإدارة الأمريكية عن هذا الدور.
كما تنفق بعض الدول الأوروبية وكندا مليارات الدولارات لشراء أنظمة دفاع جوّي حيوية من الولايات المتحدة تُقدّمها هبةً لأوكرانيا، إذ يرى هؤلاء أنّ الحرب الروسية الأوكرانية تمثّل تهديداً وجودياً لأوروبا بأسرها.
والحقيقة أنّه يصعب تصوّر ما يمكن فعله أكثر من ذلك وبوتيرة أسرع، اللهمّ إلّا ربّما منح الولايات المتحدة حقّ الوصول الكامل وغير المقيّد إلى أجوائها وقواعدها لشنّ حروبها في أماكن أخرى من العالم.
وقالت Ellehuus، المستشارة الأمريكية الرفيعة السابقة في NATO، إنّ تموضع القوات «يجب أن يستند إلى تقييمات معمّقة للتهديدات، ومتطلّبات تشغيلية، وتخطيط عسكري لا أن يُستخدم أداةً للمكافأة أو العقاب أو الانتقام».
وأضافت: «مثل هذا الأسلوب يقوّض الحلفاء في الوقت الذي يبذلون فيه جهوداً حثيثة لمعالجة المشكلة، ويُرسل رسالةً للخصوم مفادها أنّ الالتزامات الأمنية الأمريكية لها ثمن».
أخبار ذات صلة

إيران تفرض رسوم تأمين على السفن بمضيق هرمز بعد انتهاء الاتفاق الأمريكي

إسرائيل وحزب الله يتفقان على وقف إطلاق نار وسط مخاوف من انهيار الاتفاق النووي الإيراني

اثنان يُحكم عليهما بالسجن لإحراق ممتلكات مرتبطة برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر
