إيران تبحث عن طرق جديدة لتجاوز الحصار البحري
مع تصاعد الضغط الأمريكي، إيران تتجه شرقاً عبر ممرات برية جديدة من باكستان. هذه الطرق توفر لها وصولاً إلى الأسواق الإقليمية وتخفف من تأثير العقوبات. اكتشف كيف يمكن لهذا المشروع تغيير ديناميكيات التجارة في المنطقة. وورلد برس عربي.

مع تصاعد الضغط البحري الأمريكي الذي يُعيق وصول إيران إلى الخليج العربي، تتجه طهران شرقاً بحثاً عن بدائل.
طرقٌ برية جديدة عبر باكستان باتت تُتيح نقل البضائع المتجهة إلى الجمهورية الإسلامية بعيداً عن الحصار الأمريكي الذي دخل أسبوعه الخامس، مما يُبقي لإيران نافذةً على الأسواق الإقليمية ويفتح أمامها مساراً تجارياً محتملاً نحو آسيا الوسطى.
الشهر الماضي، أصدرت وزارة التجارة الباكستانية قراراً تنظيمياً تقنياً يُعرف بـ SRO 691، يُحدّد ستة ممرات عبور للبضائع القادمة إلى إيران من دول ثالثة عبر الأراضي الباكستانية قرارٌ جاء صياغته مُقتضبة بما يكفي لأن يمرّ دون أن يلفت الأنظار.
وأعلنت الحكومة الباكستانية أن هذه الممرات الستة ستربط موانئ كراتشي وبورت قاسم وغوادر بمنفذَي غابد وتافتان الحدوديَّين الإيرانيَّين عبر إقليم بلوشستان، مُحيِيةً بذلك مشروعاً ظلّ راكداً قرابة عقدين من الزمن.
أقصر هذه الممرات يربط غوادر بغابد، إذ تصبح الحدود الإيرانية على بُعد ساعتين إلى ثلاث ساعات بالسيارة، مقارنةً بما قد يصل إلى 18 ساعة من كراتشي.
جاء هذا الإعلان الذي وفّر متنفَّساً مُلحّاً لكلٍّ من باكستان وإيران بعد أيامٍ من انهيار الجولة الثانية من المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، في وقتٍ كان الضغط البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية يُلقي بظلاله الثقيلة على حركة التجارة البحرية.
وأشارت تقارير إلى أن آلاف الحاويات المتجهة إلى إيران باتت عالقةً في ميناء كراتشي، فيما ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب قرب مضيق هرمز والخليج العربي ارتفاعاً حاداً، مما دفع كثيراً من شركات الشحن إلى تعليق البضائع المتجهة إلى إيران.
وقالت فاطمة أمان، المحللة المستقلة المتخصصة في شؤون إيران وجنوب آسيا: "يمكن لإيران الاستفادة من هذه الممرات، إذ تستطيع الجمهورية الإسلامية تقليص اعتمادها على الممرات البحرية المُعرَّضة للخطر، والحفاظ على تجارة إقليمية محدودة في ظل العقوبات والتوترات الإقليمية."
مشروعٌ يستيقظ من سباته
يعود الأساس القانوني لهذا الممر إلى اتفاقية النقل البري الثنائية التي وقّعتها إيران وباكستان عام 2008، والتي ظلّت حبراً على ورق لسنواتٍ طويلة.
وبحسب تقارير إعلامية باكستانية، كان أحد أسباب التأخير قلقَ طهران من أن تفعيل الممر الباكستاني قد يُعزّز مكانة ميناء غوادر على حساب ميناء تشابهار، الميناء الإيراني العميق على خليج عُمان الذي طوّرته الهند.
غير أن هذه الحسابات تبدّلت في أعقاب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية والحصار الذي تلاها. فبعد أن طالت تداعيات النزاع ميناءَ تشابهار نفسه، أبدى المسؤولون الإيرانيون دعمهم بهدوءٍ لإحياء الممر البري.
وقد كشف توقيت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد حيث التقى برئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير في الوقت ذاته الذي أُعلن فيه عن الممر عن الإلحاحية التي تكتنف هذا المشروع.
بيد أن أهمية الممر تتجاوز تأمين وصول إيران إلى أسواقها. فبمجرد أن تعبر البضائع الحدود عند منفذ غابد-ريمدان، يمكنها التحرك شمالاً عبر شبكة الطرق الإيرانية باتجاه آسيا الوسطى. وقد أفاد مسؤولو الجمارك الباكستانيون بأن شحناتٍ تجريبية من بينها حمولات لحوم مبرّدة متجهة إلى أوزبكستان عبرت هذا الطريق فعلاً.
وأوضح مصطفى مُدبِّر، المحلل المتخصص في شؤون جنوب آسيا أن "هذه الطرق عبر باكستان لن تُغيّر اقتصاد إيران تغييراً جذرياً، لكنها قادرة على مساعدة طهران في الحفاظ على تدفقاتها التجارية، والإبقاء على وصولٍ غير مباشر إلى الأسواق الإقليمية، والتخفيف من جزءٍ من الضغط الناجم عن العقوبات والقيود البحرية."
تجاوز الحصار البحري
يكشف هذا الممر عن حدود ما يمكن للحصار البحري تحقيقه.
الحصار البحري الأمريكي المفروض منذ 13 أبريل استهدف السفن الساعية إلى الوصول إلى الموانئ الإيرانية. لكن البضائع القادمة إلى الموانئ الباكستانية من الصين وسواها يمكن تفريغها خارج الولاية القضائية الإيرانية، ثم نقلها براً بالشاحنات إلى داخل إيران، متجنّبةً بذلك الممرات البحرية الإيرانية ومضيق هرمز على حدٍّ سواء.
وقد اعترف المسؤولون الإيرانيون بأن طهران باتت تعتمد بصورةٍ متزايدة على الطرق البرية عبر باكستان وتركيا وأرمينيا وأذربيجان، فضلاً عن بحر قزوين، للحفاظ على وارداتها.
ويعمل هذا الترتيب في منطقةٍ رمادية من الناحية القانونية؛ إذ لا تُطبّق باكستان رسمياً العقوبات الأمريكية على إيران، كما أن بعض أطر العقوبات لا تزال تُجيز قدراً من التجارة غير الأمريكية مع إيران شريطة تجنّب الكيانات المُدرجة على قوائم العقوبات.
ولم تُبدِ واشنطن حتى الآن أي اعتراضٍ علني على الممر. وحين سُئل الرئيس الأمريكي Donald Trump عن الأمر، اكتفى بالقول إنه "يعلم كل شيءٍ عنه"، دون أن يُفصح عن أي تفاصيل.
ورأى مُدبِّر أن الممر يعكس قدرةً على التكيّف في زمن الحرب أكثر من كونه تحولاً اقتصادياً دائماً.
وقال: "إيران تعاني ضغطاً اقتصادياً وتجارياً شديداً، وفي مثل هذه الظروف يمكن لأي ممرٍّ تجاري رسمي أو غير رسمي أن يكتسب أهميةً استراتيجية. هذه الطرق البرية هي في جوهرها مساحةٌ للتنفس الاقتصادي تحت الضغط، لا تحولاً اقتصادياً كبيراً لإيران."
غير أن مُدبِّر نبّه إلى عقباتٍ جدية تعترض هذا الطريق، قائلاً: "تعاني باكستان نفسها من ضعف البنية التحتية للنقل، والفساد في أجزاء من منظومة الجمارك، وانعدام الأمن في المناطق الحدودية، وهيمنة شبكات التهريب غير الرسمية. كما أن باكستان لن تُجازف على الأرجح بمواجهةٍ مكشوفة مع واشنطن إذا قرّرت الولايات المتحدة تصعيد ضغطها على التجارة المرتبطة بإيران."
الطموحات الإقليمية الأشمل لإيران
يسعى المسؤولون الإيرانيون بشكلٍ متزايد إلى تسويق بلادهم بوصفها محوراً إقليمياً للعبور يربط الخليج العربي بآسيا الوسطى وروسيا.
وفي 26 أبريل، أعلن رضا أكبري، رئيس منظمة صيانة الطرق والنقل الإيرانية، أن أكثر من 16.6 مليون طن من البضائع عبرت الحدود البرية الإيرانية خلال السنة الإيرانية الماضية.
ويمكن للممر الباكستاني أن يُعزّز هذه الاستراتيجية بربط إيران بصورةٍ أكثر مباشرةً بشبكتَين تجاريتَين إقليميتَين كبرى: الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، والممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC) الذي يصل إيران بروسيا والهند.
وبالنسبة للصين، التي تبقى من أبرز شركاء إيران التجاريين، يُوفّر هذا الطريق وسيلةً للحفاظ على سلاسل الإمداد دون الاتكاء الكلّي على الممرات البحرية المُعرَّضة للضغط البحري الأمريكي.
وأكدت أمان أن الممر قد يُعزّز مرونة إيران، لكنه لا ينبغي أن يُضخَّم فوق حجمه.
وقالت: "هذه الطرق هي في المقام الأول أداةٌ للتكيّف لا حلٌّ للتحديات الاقتصادية الأشمل التي تواجهها إيران. بالنسبة لطهران، تهدف هذه الطرق أساساً إلى تعزيز الصمود الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل؛ إذ يمكنها دعم التجارة الحدودية والتبادل التجاري الإقليمي وتوفير ممرات عبور بديلة في أوقات الضغط على الخليج العربي. لكن الطرق البرية لا تستطيع منافسة حجم التجارة البحرية وسرعتها وربحيتها. وقد تُقلّص بعض مواطن الهشاشة عند الهامش، لكنها لن تُغيّر على الأرجح المعطيات الاقتصادية الأشمل لإيران في ظل العقوبات وظروف النزاع."
وأشارت أمان كذلك إلى أن استراتيجية التوازن التي تنتهجها باكستان تُلقي بظلالٍ من الغموض على مدى ما يمكن لهذا الممر أن يبلغه.
وقالت: "تواجه إسلام آباد قيوداً اقتصادية خاصة بها، وعليها أن توازن بين علاقاتها مع إيران والمملكة العربية السعودية ودول الخليج والولايات المتحدة."
باكستان وفن الموازنة على حبلٍ رفيع
يُجسّد هذا الممر لباكستان فرصةً اقتصادية وخطراً سياسياً في آنٍ واحد.
سعت إسلام آباد منذ أمدٍ بعيد إلى تموضعها بوصفها محوراً للعبور يربط جنوب آسيا بآسيا الوسطى، غير أن عدم الاستقرار في أفغانستان وإغلاق الحدود أجهضا هذه الطموحات مراراً.
ويمكن لممر إيران أن يُقوّي الحجة التجارية لصالح ميناء غوادر، ويدعم مشاريع البنية التحتية الأشمل المدعومة صينياً في إطار CPEC.
بيد أن تعميق الروابط التجارية مع إيران ينطوي على مخاطر مالية. فالبنوك الباكستانية وشركات الخدمات اللوجستية المنخرطة في شحن البضائع إلى إيران قد تتعرّض لعقوباتٍ أمريكية ثانوية (Secondary Sanctions) إذا خلصت واشنطن إلى أن الممر يُسهم في التحايل على العقوبات.
وحتى بعد إرساء الطريق رسمياً، أفادت تقارير بأن كثيراً من الحاويات العالقة في كراتشي لا تزال تتحرك ببطء، إذ تتصرف البنوك وشركات النقل بحذرٍ شديد.
كما تبقى البنية التحتية الباكستانية في بلوشستان متخلّفة، والتنسيق الجمركي لا يزال محدوداً، ولم يتبدّد شبح ضغطٍ مالي أمريكي أشد وطأة.
ومع ذلك، يعكس هذا الممر تحولاً إقليمياً أعمق بات يتشكّل فعلاً. فمع تصاعد الضغط على مضيق هرمز، تبحث إيران عن بدائل لشرايينها البحرية التقليدية. وباكستان، رغم قيودها الاقتصادية والسياسية، تنظر بعينٍ متزايدة الاهتمام إلى إيران بوصفها طريقاً تجارياً محتملاً نحو الغرب. أما الصين، فتراقب بعناية بروز ممرٍّ قد يُخفّف الاعتماد على ممرات الشحن الخليجية المُعرَّضة للمخاطر.
قد تبدو الآلاف من الحاويات العالقة في كراتشي تفصيلاً هامشياً في صراعٍ أوسع. لكنها تُشير أيضاً إلى السرعة التي يمكن بها لمسارات التجارة الإقليمية أن تُعيد رسم نفسها حين تُصبح المسالك التقليدية ساحةً للتنافس.
أخبار ذات صلة

قضية هزلية: محامو محمود خليل يطالبون بإنهاء إجراءات الترحيل

البنتاغون يوقف نشر القوات في بولندا وألمانيا لتقليل الوجود العسكري الأوروبي

السياسي الهولندي من أصول إسرائيلية يدعو لعنفٍ يفوق غزة ضد الفلسطينيين
