تأخر الأمطار في الهند يهدد الزراعة وأمن المياه
تأخّر موسم الأمطار في الهند يفاقم أزمة المياه ويهدد زراعة ملايين المزارعين، مع استمرار قيود استخدام المياه في مومباي. تغير المناخ وظاهرة النينيو تزيد من تقلبات الطقس وتضع مستقبل الموسم الموسمي في خطر كبير. وورلد برس عربي

تأخّر موسم الأمطار الموسمية في الهند هذا العام، وجاءت الغلّات دون المعدّلات المعتادة، فتراكمت التداعيات: مزارعون يتأخّرون في بذر بذورهم، ومواقع بناء تعاني قيوداً على المياه في أكبر مراكز الأعمال في البلاد، مدينة مومباي.
وقد رُصدت أزمات مائية في مناطق متفرّقة من أنحاء الهند، نتيجة التأخّر في انطلاق موسم الأمطار الذي اعتاد أن يبدأ في يونيو، غير أنّه بات يُظهر تذبذباً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. ويُشير خبراء المناخ إلى أنّ ظاهرة النينيو (El Niño) وهي ارتفاع في حرارة المحيط الهادئ يُؤثّر في أنماط الطقس حول العالم مقترنةً بالاحترار المتصاعد للكوكب، ستُفضي على الأرجح إلى هطول أمطار ضعيفة ومتقطّعة على امتداد البلاد.
وكانت الأمطار الموسمية قد وصلت إلى مومباي في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، بتأخّر نحو أسبوعَين عن موعدها المعتاد، وما زالت قيود استخدام المياه سارية لتعزيز خزّانات المدينة المتضائلة. وأفاد المتنبّئون الجويّون بأنّ أمطار هذا الأسبوع وحدها لن تكفي لإعادة ملء تلك الخزّانات. وقد أوقفت الحكومة المحلية إمدادات المياه البلدية عن حمّامات السباحة ومواقع البناء حيث تُستخدَم المياه في خلط الإسمنت وذلك لتوفير كميّات أكبر للاحتياجات الأساسية.
وتمتدّ طوابير الانتظار لساعاتٍ طويلة أمام نقاط توزيع المياه العامة جرّاء هذه الشحّة.
وقالت عائشة خان، عاملةٌ منزلية تبلغ من العمر 33 عاماً تقيم في مومباي: "لجمع 10 لترات فقط من الماء، عليّ أن أنتظر ساعتَين. وأنا بحاجة إلى الذهاب للعمل، والاعتناء بأطفالي، والتأكّد من توفّر الماء في البيت."
كيف يُؤثّر تغيّر المناخ في مواسم الأمطار الموسمية
في شمال الهند الريفي، يؤجّل كثيرٌ من المزارعين زرع بذورهم إذ لم تصل الأمطار بعد، خشيةَ أن يدفعهم ضعف الهطول إلى مزيدٍ من الديون.
وقال سوريش كومار، مزارعٌ يزرع الدُّخن في ولاية أوتار براديش: "لا نستطيع زرع بذورنا دون أن تأتي الأمطار. نحن نعاني خسائر أصلاً، وأظنّ أنّ هذا العام أسوأ من الأعوام السابقة."
وفي ولاية ماديا براديش المجاورة، قال كيدار سيروهي، مزارعٌ يزرع فول الصويا والقمح، إنّه يتضرّع لأن تأتي الأمطار الجيّدة. وأضاف: "أنا قلقٌ جداً، لكن لا خيار لنا سوى الانتظار."
وتُمثّل شهرا يونيو ويوليو أكثر أشهر الزراعة أهميةً لملايين المزارعين الهنود الذين يعتمدون على موسم الأمطار لريّ حقولهم. ويرى المزارعون أنّ ضعف الأمطار يُضاف إلى تحدّياتٍ قائمة، منها: اضطراب إمدادات الأسمدة بسبب الحرب على إيران، فضلاً عن اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة التي يرون أنّها لا تُنصفهم.
كان الناس في الهند والدول المجاورة يترقّبون الأمطار الموسمية بشوقٍ، إذ تعني نهاية حرارة الصيف الخانقة. بيد أنّ الأحوال الجوية المتطرّفة من أمطارٍ غير منتظمة وحرارة شديدة باتت أكثر تكراراً في الهند وسائر أنحاء العالم مع تصاعد الاحترار العالمي.
واعتادت منطقة جنوب آسيا تاريخياً على موسمَين للأمطار الموسمية: الأوّل يمتدّ من يونيو إلى سبتمبر وتتحرّك فيه الأمطار من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي، والثاني يمتدّ من أكتوبر إلى ديسمبر تقريباً ويسير في الاتجاه المعاكس.
غير أنّ تصاعد الغازات المُسبِّبة لاحترار الكوكب الناجمة عن حرق النفط والفحم والغاز جعل الأمطار لا تتّبع هذا النمط إلّا بصورةٍ فضفاضة. فالهواء الأدفأ يحتجز قدراً أكبر من الرطوبة القادمة من المحيط الهندي، ثم تهطل هذه الأمطار دفعةً واحدة. وهذا يعني أنّ موسم الأمطار بات يتخلّله فياضاناتٌ عنيفة وفتراتٌ جافّة، بدلاً من هطولٍ منتظم طوال الموسم.
وقال أكشاي ديوراس، عالمٌ في الأرصاد الجوية بجامعة Reading في المملكة المتحدة، وقد تابع الأنظمة الجوية الهندية لأكثر من عقدٍ: "الأمطار الموسمية الهندية باتت أكثر تقلّباً نتيجة الاحترار العالمي." وأضاف: "نرى الفترات الرطبة تزداد حدّةً، والفترات الجافّة تطول أمدها."
وأشار ديوراس إلى أنّ العجز الحالي في هطول الأمطار كبيرٌ جداً لدرجة أنّ أسابيع من الأمطار الجيّدة لن تكفي لتعويضه في المناطق التي وصل إليها الموسم. وقد تشهد بعض مناطق الهند هطولاً ضئيلاً في الأسابيع المقبلة.
وأفادت الهيئة الهندية للأرصاد الجوية (India Meteorological Department) بأنّ عواملَ كظاهرة النينيو والرياح الجافّة القادمة من شمال غرب الهند أعاقت تقدّم الموسم، ما أسفر عن عجزٍ في هطول الأمطار على مستوى البلاد يبلغ 42%. وتتوقّع الهيئة أن يظلّ هطول الأمطار من يونيو إلى سبتمبر دون المعدّل المعتاد.
ووفق بيانات الحكومة المحلية، لا يتبقّى لمومباي سوى 40 يوماً من احتياطي المياه. وقال ديوراس: "أعتقد أنّ المنطقة ستشهد أمطاراً خلال العشرة أيام المقبلة، وستنال منطقة الخزّانات بعض الهطول، لكنّ ذلك لن يكون كافياً لتحسينٍ ملموس في مستوياتها."
تعزيز طاقة تخزين المياه: ضرورةٌ لا خيار
في ظلّ الأحوال الجوية المتزايدة التقلّب، يرى خبراء المناخ أنّ تعزيز قدرة الهند على استيعاب الصدمات المناخية باتَ أمراً محورياً. وتُصنَّف الهند ضمن أشدّ 10 دول تأثّراً بتغيّر المناخ، وفق تقريرٍ صدر العام الماضي عن منظمة Germanwatch الأوروبية غير الربحية.
تحتضن الهند أكثر من 90 مليون مزارع، يمتلك معظمهم أقلّ من هكتار واحد (2.5 فدّان) من الأراضي، وهي أكبر مستخرِج لمياه الجوفيّة في العالم، إذ تضخّ من باطن الأرض ما يفوق ما تضخّه الولايات المتحدة والصين مجتمعتَين، وفق تقريرٍ أمميٍّ صدر عام 2022. وتُشير بيانات المجلس المركزي للمياه الجوفية في الهند إلى أنّ نحو 70% من المياه المستخدَمة في البلاد مصدرها المياه الجوفية.
وقد أفضى الاستخراج المكثّف لأغراض الزراعة والبناء وغيرها، مقروناً بتذبذب الأمطار والحرارة الشديدة، إلى هبوطٍ حادّ في مناسيب المياه الجوفية عبر البلاد.
وأكّد أبهيانت تيواري، خبير المناخ والصحة في منظمة NRDC India المتخصّصة في الشأن البيئي ومقرّها نيودلهي، أنّ ضعف الأمطار لا يعني بالضرورة شحّ المياه، إذا تُوفّرت منظومات تخطيط وحوكمة راسخة. وقال: "الاستثمار في الحفاظ على المياه، وإعادة تأهيل المسطّحات المائية الحضرية، وحماية برك القرى الصغيرة، ينبغي أن يكون من أولويات المستويَين الوطني والمحلي."
وأوضح فيفيك غريوال، الجيولوجي المتخصّص في المياه الجوفية في مختبرات WELL Labs ومقرّها بنغالور، أنّ المزارعين الذين يمتلكون إمكانية الوصول إلى المياه الجوفية يستطيعون إنقاذ محاصيلهم حتى في فصول الأمطار الضعيفة، خلافاً لمن يعتمدون على مياه الأمطار وحدها. وقال: "كلّ عامٍ تشحّ فيه الأمطار، يُستنزف الاحتياطي الجوفي. وفي المدن، تعتمد السلطات على موسم أمطار جيّد لملء الخزّانات، فإذا لم يحدث ذلك كان الأثر فورياً ومباشراً."
أخبار ذات صلة

فرنسا تسجل حوالي ألف وفاة إضافية وسط موجة حرّ قياسية في أوروبا

أقمار صناعية بحجم الحقيبة تراقب حرائق اليونان في إنجازٍ عالمي

أوروبا تسجل رقماً قياسياً: ما تحتاج معرفته عن موجة الحر الشديدة
