سر تجديد المناعة ضد الشيخوخة وأسرار الخلايا الشّيخّة
في وورلد برس عربي اكتشف العلماء كيف يمكن تجديد جهاز المناعة عبر إصلاح خلايا البلاعم لتحسين تنظيف الخلايا الشّيخّة المسببة للشيخوخة والالتهابات المزمنة مما يفتح آفاقاً جديدة لعلاج أمراض الشيخوخة وتحسين جودة الحياة.

في كل مستشفى عربي تقريباً، يعرف الأطباء المشهد جيداً: جناحٌ ممتلئ بكبار السن الذين أدخلوا إثر التهابٍ رئوي أو مسالك بولية، بينما كان المرض نفسه ليمرّ على شابٍّ في الثلاثين دون أن يستدعي حتى زيارة عيادة. يصف طبيب المناعة رويل دي ماير من جامعة أكسفورد هذا الواقع بعبارة مباشرة: "نعلم أن المستشفيات مليئة بكبار السن الذين يعانون من عدوى لا يحتاج الشباب لدخول المستشفى بسببها". وهذا بالضبط ما يحرّك اليوم أحد أكثر مسارات أبحاث الشيخوخة إثارةً للاهتمام: محاولة "تجديد" جهاز المناعة نفسه بدل الاكتفاء بعلاج الأعراض، عبر استعادة قدرته على التخلّص من خلايا تالفة تُعرف علمياً باسم الخلايا الشّيخّة (Senescent cells)، ويسمّيها البعض مجازاً "الخلايا الزومبي".
هذه الخلايا لا تموت بالطريقة الطبيعية، بل تبقى عالقةً في الأنسجة لسنوات، وتُفرز مزيجاً من المواد الكيميائية التي تُغذّي الالتهاب المزمن وتُضعف وظائف الأعضاء. وقد ربطت دراساتٌ تراكمها بأمراض القلب والخرف. المفارقة أن جسم الإنسان يملك أصلاً آلية لتنظيفها: خلايا مناعية تُسمّى "البلاعم" (Macrophages) تلتهم الخلايا الميتة والمختلّة بعد رصد إشارات "كُلني" على سطحها. لكن مع التقدّم في العمر، تضعف كفاءة هذه البلاعم، فتتراكم الفضلات الخلوية بدل أن تُزال.
لماذا تتهرّب الخلايا الشّيخّة من الموت أصلاً؟
يقول دي ماير إن الخلايا تدخل حالة الشيخوخة الخلوية حين يصبح استمرار انقسامها "خطيراً جداً لمواصلة الانقسام"، أي حين يتراكم فيها تلفٌ في الحمض النووي ناتج عن الإجهاد التأكسدي أو الإشعاع أو ببساطة الانقسامات الطبيعية المتكرّرة. فكل انقسامٍ يُفقد الخلية جزءاً من حمضها النووي، وحين تعجز عن الانقسام مجدداً، تموت أو تتحوّل إلى خلية شيخة. هذه الحالة ليست سيئة دائماً؛ فهي تلعب دوراً مفيداً في التئام الجروح. لكن تراكمها على المدى الطويل هو ما يُقلق الباحثين: "إذا كان هناك عددٌ كبير من الخلايا الشيخة في نسيجٍ ما، فهذه عادةً علامة سيئة"، كما يوضح دي ماير.
من هنا نشأ نهج "السينوليتيكس" (Senolytics)، وهي عقاقير تُجبر الخلايا الشيخة على الدخول في موتٍ خلوي مبرمج. أظهرت دراسات على الفئران أن هذه العقاقير قادرة على قتل الخلايا الشيخة وعكس بعض مظاهر الشيخوخة الخلوية والالتهاب. لكن مسار البحث الأحدث يسلك طريقاً مختلفاً تماماً: بدل قتل الخلايا الشيخة مباشرةً بالدواء، لماذا لا نُصلح البلاعم نفسها كي تقوم بعملها الطبيعي؟
مستقبِل EP2: الخيط الذي قاد الباحثين إلى خلل في طاقة البلاعم
نشرت مجلة Science في يوليو دراسةً وجدت أن البلاعم القديمة لدى الفئران المسنّة تحمل عدداً أكبر من مستقبِلٍ يُسمّى EP2، وأنها بالتالي أقلّ كفاءة في تنظيف الخلايا الشيخة. حين حذف الباحثون جين EP2 وراثياً من فئران المختبر، استعادت البلاعم وظيفتها وانخفضت أعداد الخلايا الشيخة في الأنسجة. والنتائج قياساً بفئرانٍ عادية من العمر نفسه كانت لافتة: تراجع أقل في الإدراك المعرفي، وفقدان أقلّ للكتلة العضلية، وخللٌ أقل في وظائف القلب، والتهاب جهازي أخفّ. وفي بعض الاختبارات من بينها قدرة الفئران على تذكّر أشياء مألوفة أدّت الفئران المعدَّلة وراثياً أداءً مماثلاً لفئرانٍ أصغر سناً.
ما الذي يُحفّز EP2 أصلاً؟ الإجابة هي جزيء البروستاغلاندين PGE2، وهو جزيءٌ يتواسط التواصل بين الخلايا أثناء الإجهاد والإصابة. والبروستاغلاندينات عموماً معروفةٌ طبياً بدورها في الحمّى والألم والتورّم؛ وهذا تحديداً ما يجعل دواءً شائعاً مثل الإيبوبروفين فعّالاً، إذ يعمل عبر منع إنتاج البروستاغلاندينات. والمثير أن هذا الخيط ليس جديداً كلياً: دراسة نُشرت عام 2001 وجدت أن الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فما فوق، واستخدموا أدويةً تمنع البروستاغلاندين لمدة عامين على الأقل، كانوا أقل عرضةً للإصابة بمرض ألزهايمر. لكن تلك الدراسة لم تُثبت أن الأدوية نفسها هي التي منعت المرض مباشرةً، وهو تحذيرٌ منهجي ينبغي عدم إغفاله عند قراءة نتائج كهذه.
حين تختار البلاعم "تخزين" الطاقة بدل حرقها
تعود طبيبة الأعصاب كاترين أندرياسون من جامعة ستانفورد إلى خيطٍ بدأته فرقتها عام 2021، حين لاحظت أن البلاعم الشائخة تحمل مستويات أعلى من EP2، وأن نشاط هذا المستقبِل المرتفع يُعطّل طريقة استخدام الخلية للطاقة. فالبلاعم الشابة "تحرق" الغلوكوز لإنتاج الطاقة، بينما تميل البلاعم القديمة إلى تخزينه بدل استهلاكه وهو أمرٌ غير مناسبٍ البتة لخليةٍ وظيفتها الأساسية التهام خلايا أخرى. تقول أندرياسون موضحةً سبب أهمية هذا الاكتشاف: "التهام الخلايا يتطلّب كمّاً هائلاً من الطاقة". وحين حُجب نشاط EP2، استعادت البلاعم قدرتها على استخدام الطاقة بشكلٍ طبيعي، وأظهرت الفئران المسنّة التهاباً أقلّ ونتائج أفضل في اختبارات الإدراك.
قادت هذه الملاحظة أندرياسون إلى اكتشافٍ آخر لم يكن في الحسبان: تراكم خلايا شيخة من نوعٍ غير متوقّع، هي "العدلات" أو النيوتروفيل (Neutrophils)، وهي خلايا دفاعية عادةً ما تكون قصيرة العمر جداً، وتموت خلال أيام. تصف أندرياسون لحظة الاكتشاف بقولها: "فكّرت: يا للعجب، هذا مثيرٌ للاهتمام"، ثم أضافت: "تساءلتُ إن كانت هناك علاقة". لكن دي ماير، الذي لم يشارك في هذه الدراسة، يُبدي تحفّظاً منهجياً حول الفكرة نفسها: "أعتقد أن هذا مفهومٌ غريبٌ نوعاً ما لأنها عادةً خلايا قصيرة العمر جداً". ومع ذلك، يُقرّ بأهمية استهدافها: "العدلات التهابية بطبيعتها، لذا فإن تنظيفها من الأنسجة أمرٌ قيّمٌ جداً". ووجدت أندرياسون أن بلاعم الفئران المسنّة، حين يكون نشاط EP2 مفرطاً فيها، تعجز عن تنظيف العدلات المتراكمة بفعالية.
عقبة ثانية: إشارة "لا تأكلني" التي تخدع البلاعم
ثمة طبقة أخرى من التعقيد تتعلّق بجزيءٍ يُسمّى CD47، وهو إشارة موجودة على سطح كل خلية حية، ووظيفتها إخبار البلاعم بألا تلتهم الخلية لأنها سليمة. يشرح الكيميائي الحيوي يوريه بوفسين من معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية هذه الآلية بقوله: "إنها تُشير إلى أن الخلية سليمة وحيّة ولا تحتاج إلى أن تُؤكَل". المشكلة أن الخلايا الشيخة قادرةٌ على "تضخيم" إشارة CD47 هذه، فتُقنع البلاعم بألا تلمسها رغم كونها خلايا تالفة. وجدت دراسةٌ نُشرت عام 2023 أن CD47 الموجود على سطح الخلايا الشيخة يُضعف وظيفة البلاعم، بل يُعطّل أيضاً قدرتها على التهام خلايا أخرى ميتة وغير شيخة أصلاً. استُخدمت في هذه الدراسة بلاعم بشرية وبلاعم من فئران، لكن النهج لم يُختبر بعد كعلاجٍ لمكافحة الشيخوخة في فئرانٍ حيّة أو في البشر. وقد عثر الباحثون على إنزيمٍ يُعدّل CD47 على سطح الخلايا الشيخة، وأن حجب هذا الإنزيم ساعد على حماية وظيفة البلاعم في التجربة. التحدّي الأكبر هنا هو أن CD47 موجودٌ على كل خلية حيّة في الجسم، ما يُصعّب أي محاولة لخفضه بشكلٍ عام دون المساس بخلايا سليمة.
درسٌ من محاولة سابقة: حين ينجح العلاج في المختبر ويفشل في العيادة
ليست هذه المحاولة الأولى لتجديد المناعة الشائخة. ففي عام 2020، اختبر فريق دي ماير دواءً تجريبياً يُسمّى Losmapimod يحجب بروتيناً يُدعى p38 في البلاعم لدى بالغين تتراوح أعمارهم بين 65 عاماً فما فوق، فتحسّنت قدرة بلاعمهم على التعرّف على الخلايا المحتضرة وإزالتها في اختباراتٍ محدّدة. لكن الدواء، رغم استعادته وظيفة الخلايا المناعية، تبيّن أنه غير مناسبٍ للاستخدام طويل الأمد بعد أن تسبّب في مشكلاتٍ كبدية في تجاربَ لاحقة. هذه السابقة تُفسّر جزئياً حذر الباحثين اليوم؛ فحتى الآن، لم تُسجَّل آثارٌ جانبية سلبية عند حجب EP2 في فئران فريق أندرياسون، لكن دي ماير يصف هذا المسار العلاجي بأنه لا يزال "غير مستكشفٍ بما يكفي"، مع الإشارة إلى أن أدويةً تحجب EP2 دُرست سابقاً كعلاجاتٍ للسرطان، لكنها بقيت هامشيةً في أبحاث الشيخوخة.
وتبقى الفجوة الأهم هي الفارق بين فأر المختبر والإنسان: فئران التجارب متطابقة وراثياً ومُربّاة في بيئاتٍ مُحكمة التحكّم، بينما يتفاوت البشر بيولوجياً وبيئياً إلى حدٍّ كبير. تُقرّ أندرياسون بهذا بوضوح: "نحتاج فعلاً إلى التعمّق في البحث وتأكيد كل هذه النتائج في البشر". وحين سُئلت عن الخطوة التالية، أجابت أن "الخطوة المنطقية التالية ستكون معرفة كيفية حجب هذا المستقبِل بطريقةٍ آمنة".
أمام هذا المشهد، يبدو واضحاً أن الطريق من مختبرات أكسفورد وستانفورد وماكس بلانك إلى أي علاجٍ سريري معتمد ما زال طويلاً، ويمرّ أولاً باختبار سلامة هذه الأدوية على البشر، لا فعاليتها فقط. فتجربة Losmapimod تُذكّر بأن علاجاً يُصلح المناعة في المختبر قد يكشف عن مخاطر جديدة كلياً حين يُطبّق لفتراتٍ طويلة على أجسامٍ بشرية متفاوتة الاستجابة. وإلى أن تتوفّر تلك البيانات، يبقى حجب EP2 احتمالاً علمياً واعداً، لا توصيةً طبية.
أخبار ذات صلة

حمّى الضنك في فلوريدا: لماذا ارتفعت الإصابات هذا العام؟

تفشّي الحصبة في بنسلفانيا يتجاوز الألف إصابة، الأكبر منذ القضاء على المرض

ChatGPT للمراهقين يبقيهم متصلين حتى في أزمات الصحة النفسية
