انتشار قياسي للحصبة في بنسلفانيا يهدد الصحة العامة
ولاية بنسلفانيا تسجل أكبر تفشٍ للحصبة في أمريكا منذ القضاء على المرض مع أكثر من ألف إصابة وخمس وفيات بسبب نقص التطعيم. أزمة صحية تدفع نيويورك لإعلان حالة الطوارئ وتعزيز جهود التطعيم. وورلد برس عربي.

سجّلت ولاية بنسلفانيا الأمريكية رقماً قياسياً جديداً في انتشار الحصبة، بعدما قفز عدد الإصابات المرتبطة بتفشٍّ واحد إلى 1,066 حالة، متجاوزةً الرقم القياسي السابق البالغ 997 حالة والذي كانت تحتفظ به ولاية كارولاينا الجنوبية. الأخطر من الرقم نفسه أنّ التفشي أودى بحياة خمسة أشخاص، من بينهم رضيعان لم يكونا قد بلغا بعد السنّ القانونية للتطعيم، في مؤشرٍ يعيد فتح النقاش حول مصير الولايات المتحدة من قائمة الدول التي أعلنت القضاء على المرض منذ عام 2000.
وبحسب تحديثٍ صادر عن وزارة الصحة في بنسلفانيا عصر اليوم، بلغ إجمالي حالات الحصبة في الولاية خلال عام 2026 نحو 1,078 حالة، منها 12 حالة فقط سُجّلت في يناير ومارس قبل بدء التفشي الحالي، فيما تعود بقية الحالات البالغة 1,066 إلى الموجة التي انطلقت في أبريل. ويُظهر معدّل الانتشار الأسبوعي أنّ الوباء لا يزال في حالة اتساع: 145 إصابة جديدة خلال الأسبوع الأخير فقط، و74 حالة أُضيفت منذ التحديث السابق الصادر يوم الاثنين، 40 منها كانت في الأصل حالات أقدم من أسبوعين لم تُسجَّل في حينها. أمّا الحالات الجديدة فعلاً منذ الاثنين فبلغت 34 إصابة.
خمس وفيات توثّق كلفة التراخي في التطعيم
الحصيلة البشرية للتفشي بلغت 207 حالات دخول إلى المستشفى وخمس وفيات: مولود حديث، ورضيع عمره ستة أسابيع، وشاب عمره 18 عاماً، وآخر عمره 20 عاماً، وشخص في الأربعين من عمره. والمشترك بين الحالات الخمس جميعها أنّ الضحايا لم يكونوا مُلقَّحين، باستثناء أنّ الرضيعَين تحديداً لم يكونا قد بلغا بعد السن التي تسمح بإعطاء اللقاح، ما يضعهما ضمن الفئة التي تعتمد كلياً على «المناعة الجماعية» المتحقّقة عبر تطعيم من حولهما لحمايتهم. غياب هذه المناعة في محيطهما هو ما سمح للفيروس بالوصول إليهما أصلاً.
كيف يقارَن الرقم بسوابق أمريكية سابقة؟
لوضع الرقم في سياقه، يكفي العودة إلى آخر تفشيين كبيرين قبل بنسلفانيا: تفشٍّ في تكساس امتدّ من يناير إلى أغسطس 2025 وانتهى بـ762 حالة، وتفشٍّ في كارولاينا الجنوبية انتهى في أبريل بتسجيل 997 حالة، وكان هذا الرقم الأخير هو الرقم القياسي الذي تجاوزته بنسلفانيا الآن. وإذا نظرنا أبعد في التاريخ، فإنّ أكبر تفشٍّ شهدته الولايات المتحدة يبقى تفشي نيويورك بين عامي 1990 و1991، الذي أصاب أكثر من 4,500 شخص، في مرحلةٍ كانت فيها الحصبة لا تزال متوطّنة قبل إعلان القضاء عليها رسمياً عام 2000. بهذا المعنى، فإنّ تفشي بنسلفانيا الحالي هو الأكبر الذي تسجّله الولايات المتحدة منذ تحقيق «الاستئصال»، وهو مصطلحٌ وبائي دقيق يعني عملياً بلوغ معدلات تطعيم تمنع استمرار انتقال الفيروس محلياً لمدة اثني عشر شهراً متواصلة.
نيويورك تُعلن الطوارئ قبل أن يتفاقم الوضع
في خطوةٍ استباقية، أعلنت حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوكول في وقتٍ سابقٍ من هذا الأسبوع حالة طوارئ صحية في الولاية، بعدما بلغ عدد الإصابات فيها 108 حالات على الأقل. والقرار، كما ورد في بيانها، وسّع صلاحيات التطعيم لتشمل المسعفين وأطقم الطوارئ الطبية المتقدّمة والصيادلة والقابلات، كما سمح للممرضين والممرضات، إلى جانب الأطباء، بطلب إجراء فحوصات الحصبة مباشرة. وقالت هوكول في تصريحها: «لا ينبغي لأحد أن يُصاب بمرضٍ خطير أو يموت بسبب مرضٍ يمكن الوقاية منه باللقاح»، مضيفةً: «لهذا السبب اتخذت خطواتٍ لزيادة عدد المهنيين الصحيين القادرين على التطعيم والفحص».
هذه الخطوة تعكس فلسفةً معروفة في إدارة الأوبئة: توسيع قاعدة مقدّمي الخدمة الصحية المخوّلين بالتدخّل السريع، بدل الانتظار حتى تتوفر مواعيد في العيادات التقليدية، وهي استراتيجية تستحق أن تُدرَس في سياقات أخرى تعاني فجوات مشابهة بين الطلب على التطعيم والقدرة على تلبيته سريعاً.
الرقم الوطني يعيد فتح ملف «فقدان الاستئصال»
على المستوى الوطني، أعلن مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) تسجيل 3,887 حالة حصبة في الولايات المتحدة هذا العام، وهو أعلى رقم سنوي منذ عام 1991 حين سُجّلت 9,643 حالة. والزيادة ليست حادثة عابرة، بل جزء من نمطٍ متصاعد يربطه الباحثون بتراجع معدّلات التطعيم على المستوى الوطني في السنوات الأخيرة. وتزداد حدّة القلق مع اقتراب فصل الخريف، إذ يرى خبراء أنّ الظروف الموسمية قد تُسرّع انتشار الفيروس أكثر، خصوصاً أنّ الحصبة، قبل عصر اللقاحات، كانت تنتشر تقليدياً في أواخر الشتاء وأوائل الربيع وهو توقيتٌ يقترب الآن.
وتجدر الإشارة إلى أنّ كندا فقدت بالفعل صفة «القضاء على الحصبة» خلال عام 2025، وهو سابقةٌ تجعل كثيرين من الخبراء يتوقّعون على نطاق واسع أن تفقد الولايات المتحدة الصفة ذاتها قريباً. والجهة المخوّلة باتخاذ هذا القرار رسمياً هي منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO)، التي تعمل كمكتبٍ إقليمي تابع لمنظمة الصحة العالمية، ومن المقرّر أن يراجع خبراؤها في نوفمبر ما إذا كانت الولايات المتحدة قد فقدت بالفعل وضعية الاستئصال التي حافظت عليها لأكثر من عقدين.
هذا الموعد في نوفمبر ليس مجرّد إجراء بيروقراطي؛ فهو سيحدّد رسمياً ما إذا كانت أكبر اقتصادات العالم قد تراجعت عن أحد أبرز إنجازاتها في الصحة العامة بعد عقودٍ من جهود التطعيم المنظّمة. وبين انتظار هذا القرار واستمرار تسجيل إصاباتٍ جديدة أسبوعياً في بنسلفانيا، يبقى السؤال الأهم معلّقاً: هل ستكفي إجراءات الطوارئ الموضعية، كتلك التي اتخذتها نيويورك، لاحتواء فيروسٍ أثبت أنّ أي ثغرة في التغطية التلقيحية كفيلة بإعادته إلى الواجهة بعد ربع قرنٍ من اعتباره في خبر كان؟
أخبار ذات صلة

حمّى الضنك في فلوريدا: لماذا ارتفعت الإصابات هذا العام؟

ChatGPT للمراهقين يبقيهم متصلين حتى في أزمات الصحة النفسية

الخلايا الميتة حياً قد تسرّع الشيخوخة.. وعلماء يبتكرون طرقاً للقضاء عليها
