ازدواجية المواقف في كأس العالم والعدوان الأمريكي
كيف تغيرت مواقف Starmer من كأس العالم في قطر إلى كأس العالم الأمريكي؟ استكشف الازدواجية في السياسة البريطانية، والتحديات الإنسانية، والتهديدات العالمية في مقالنا الجديد. انضم للنقاش حول حقوق الإنسان والسلام العالمي.

قبل أربع سنوات، حين استضافت قطر كأس العالم، أبدى Keir Starmer موقفاً احتجاجياً لافتاً. بوصفه زعيماً للمعارضة آنذاك، منع نواب حزب العمال من حضور البطولة، وأعلن أنه لن يحضر النهائي حتى لو بلغه المنتخب الإنجليزي وهو الذي يُعرف بأنه مشجّع متحمّس لـ Arsenal.
أثبتت بطولة قطر نجاحها في نهاية المطاف، وتبيّن أن كثيراً من الانتقادات التي وُجّهت إلى الدولة الخليجية في ملف حقوق الإنسان كانت مبالَغاً فيها أو مفتعلة.
بعد أربع سنوات، بات Starmer رئيساً للوزراء البريطانية. وفي نمطٍ مألوف من الازدواجية، لم يصدر عن Downing Street أيّ صوت احتجاجي تجاه كأس العالم الأمريكي في حين أن الحجج الداعية إلى مقاطعة الولايات المتحدة في عهد الرئيس Donald Trump أقوى بكثير مما كانت عليه الحجج ضد قطر. أقوى بمراحل.
قبل ثلاثة أشهر، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران، وصفه كثيرون بأنه عدوانٌ غير مستفَزّ وغير مُرخَّص من الأمم المتحدة، مما يجعله وفق القانون الدولي عملَ عدوانٍ صريح. وكان محكمة نورمبرغ، التي أُسّست لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين عقب الحرب العالمية الثانية، قد وصفت هذا النوع من الأفعال بأنه «الجريمة الدولية العليا التي تختلف عن سائر جرائم الحرب في كونها تحتوي في داخلها على الشرّ المتراكم لكلّ الجرائم الأخرى».
ورغم ذلك كله، سمحت بريطانيا Starmer للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية فيما وُصف بعبارات ملطّفة بالعمليات «الدفاعية». وفي اليوم الأول من الحرب، لقي أكثر من 170 طفلاً ومعلماً حتفهم في ضربة أمريكية استهدفت مدرسةً للبنات في مدينة Minab.
وهذا، للأسف، ليس أفظع ما ارتكبته الولايات المتحدة منذ كأس العالم في قطر.
تهديدٌ للسلام العالمي
على مدى السنتين والنصف الماضيتَين، كانت الولايات المتحدة شريكةً فيما باتت غالبية الباحثين والخبراء تعتبره إبادةً جماعية في غزة. ومن بين الشهداء الفلسطينيين الذين ارتقوا بمساهمة أمريكية أكثر من 500 لاعب كرة قدم.
والأكثر إثارةً للاستغراب أن الولايات المتحدة تحمي اليوم مسؤولين إسرائيليين مطلوبين بتهم جرائم حرب في مقدّمتهم رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu عبر فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية (ICC).
وفي انتهاكٍ آخر للقانون الدولي، قصفت الولايات المتحدة مطلع هذا العام دولةَ فنزويلا الجنوب أمريكية بهدف اعتقال رئيسها Nicolas Maduro.
كذلك هدّد Trump بغزو غرينلاند، ويبدو أنه يُخطّط لغزو كوبا. فضلاً عن ذلك، أسفرت ضربات أمريكية استهدفت قوارب في منطقتَي البحر الكاريبي والمحيط الهادئ عن مقتل أكثر من 200 شخص، دون أن تُقدّم واشنطن أيّ دليل يُثبت ادّعاءها بأن الضحايا كانوا مهرّبي مخدرات.
ثمة حجج دامغة تدعو إلى محاكمة Trump ودائرته على تهم جرائم حرب. وأيّ دولة أخرى تحمل سجلاً مشابهاً بهذا القدر من الإخلال بالنظام الدولي والتهديد للسلام العالمي كانت ستواجه حملة مقاطعة، تماماً كما جرى مع قطر قبل أربع سنوات على خلفية جدلٍ أصغر بكثير بالمقارنة.
ونصل الآن إلى البطولة نفسها التي تنطلق اليوم بحفل افتتاحها و هي بطولةٌ تبدو منذ البداية مثار إشكاليات جمّة.
قبل أربع سنوات، وفي حرارة قطر الشديدة، كانت سبعة من أصل ثمانية ملاعب مزوّدة بأنظمة تبريد تعمل بالطاقة الشمسية. في المقابل، لا يتوفّر التكييف إلا في 3 من أصل 16 ملعباً موزّعة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، مما يعني أن اللاعبين والجماهير سيعانون من الحرارة القاسية. وفي قطر، استفاد كل مشجّع من خدمات النقل العام مجاناً، وهو ما لا يُفكّر فيه أحدٌ في الولايات المتحدة.
أما النهائي فسيُقام في MetLife Stadium في ولاية New Jersey، الذي لا يمكن الوصول إليه سيراً على الأقدام. وإذا كانت تذكرة الذهاب والعودة إلى الملعب تُكلّف عادةً 13 دولاراً، فقد قفز سعرها اليوم إلى ما يتجاوز 100 دولار.
خلاصة القول: المشجّعون أمام استغلالٍ مالي واضح، في ظل بنية تحتية لا ترقى بأيّ حالٍ إلى مستوى ما قدّمته قطر.
معاملةٌ عنصرية للجماهير واللاعبين
الأشدّ إثارةً للقلق هو الأسلوب العنصري الذي تواجه به الولايات المتحدة الجماهير واللاعبين الأجانب، ولا سيما القادمين من دول الشرق الأوسط. فقد اكتشف المشجّعون الإيرانيون قبل أيامٍ قليلة من انطلاق البطولة أن حصّتهم من التذاكر قد أُلغيت. كما اضطرّ المنتخب الإيراني إلى نقل معسكر تدريبه من Arizona إلى المكسيك في اللحظة الأخيرة بسبب عقبات التأشيرة، فيما رُفضت تأشيرات بعض أعضاء الطاقم التقني كلياً. وهذا تدخّلٌ سياسي سافر لا لبس فيه.
الأمر ذاته ينطبق على منع دخول الحكم الصومالي Omar Artan، الذي أُعيد على متن رحلةٍ إلى Istanbul فور وصوله إلى Miami.
تجدر الإشارة هنا إلى أن Trump وصف الصوماليين بأنهم «منخفضو الذكاء» و«قمامة». وقد استورد هذه العنصرية الصريحة إلى نهائيات كأس العالم 2026.
المشهد مؤلمٌ حقاً. فـ Artan، الذي فاز بجائزة أفضل حكمٍ في أفريقيا عام 2025، كان سيكون أوّل حكمٍ صومالي في تاريخ كأس العالم.
وإلى جانب ذلك، احتُجز المهاجم العراقي Aymen Hussein أحد أبرز هدّافي المنتخب العراقي على مرّ التاريخ لسبع ساعاتٍ في مطار O'Hare بـ Chicago الأسبوع الماضي.
دعونا نُجري تجربةً ذهنية: تخيّلوا أيّ دولة أخرى أطلقت حرباً غير مشروعة قبل ثلاثة أشهر فحسب من استضافتها كأس العالم. ثم افترضوا أن هذه الدولة ذاتها كانت شريكةً فيما تُعرّفه الأمم المتحدة بأنه إبادة جماعية على مدى السنتين والنصف الماضيتَين. لا يمكن تصوّر أن هذه البطولة كانت ستُقام لو كانت الدولة المستضيفة أيّ دولةٍ أخرى غير الولايات المتحدة في عهد Trump.
ازدواجيةٌ فاضحة
رئيس FIFA Gianni Infantino يستحق المقارنة بسلفه البريطاني المشين Stanley Rous، الذي تولّى المنصب بين عامَي 1961 و1974، وأبقى جنوب أفريقيا في المنظومة الرياضية العالمية لسنواتٍ طويلة مؤكّداً انعدام التمييز العنصري في دولة الفصل العنصري. ويمكن مقارنة Infantino أيضاً بـ Avery Brundage، المسؤول الرياضي الرجعي الذي نجح في إجهاض الدعوات لمقاطعة أولمبياد هتلر في ألمانيا عام 1936.
ثمة سؤالٌ ضخم يتربّص خلف هذا الاحتفال الكروي المثير للجدل: إلى متى يمكن للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا وبريطانيا أن يفلتوا من هذه الازدواجية الفاضحة؟
لطالما قامت الهيمنة الغربية على العالم على وعدٍ بأن مؤسساتٍ كالأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية تُجسّد مبادئ العدالة وسيادة القانون. وكانت الولايات المتحدة في قلب هذا النظام، فيما تُشكّل FIFA بقيادة Infantino جزءاً من منظومة الشرعية الثقافية والرياضية الأوسع.
كأس العالم 2026 حدثٌ رياضي في نهاية المطاف، ولا يمكن مقارنته بأيّ شكلٍ من الأشكال بفداحة ما يجري في غزة من إبادة. غير أنه، كغزة تماماً، كشف هذا الحدث عن ادّعاءات الغرب بالهيمنة العالمية على حقيقتها: ادّعاءاتٌ فاسدة وانتهازية وخاوية أخلاقياً.
أخبار ذات صلة

طفل سليم دخل السجن وخرج جثة: بدوي يرتقي في الحجز الإسرائيلي

القائد الليبي المتهم بالانتهاكات في مركز احتجاز يُدان أخيراً

إسرائيل وأمريكا تمحو التراث الحضاري لإيران ولبنان
