تصعيد الحوثيين في مواجهة إسرائيل وعودة الصراع
أطلق الحوثيون صواريخ نحو إسرائيل، مؤكدين عزمهم على التصعيد حتى يتوقف العدوان على فلسطين ولبنان. قائد فيلق القدس الإيراني يعلن عن "حزام أمني" جديد للمقاومة. ماذا يعني هذا التصعيد لليمن والمنطقة؟ التفاصيل في وورلد برس عربي.

أعلن الحوثيون في اليمن، يوم الاثنين، إطلاقَ وابلٍ من الصواريخ باتجاه إسرائيل، وهو ما أكّدته وسائل الإعلام الإسرائيلية لاحقاً، مشيرةً إلى أنّ الصواريخ جرى اعتراضها. كما أعلنت جماعة أنصار الله المعروفة بالحوثيين "حظراً تاماً على الملاحة البحرية الإسرائيلية" في البحر الأحمر.
جاء هذا الإعلان إيذاناً رسمياً بعودة الجماعة اليمنية إلى ساحة المواجهة مع إسرائيل، دعماً لما تسمّيه "محور المقاومة"، متعهّدةً بتصعيد عملياتها حتى تُوقف إسرائيل استهداف فلسطين ولبنان وإيران.
في السياق ذاته، أعلن اللواء إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، يوم الاثنين، أنّ "حزاماً أمنياً" جديداً لـ"محور المقاومة" سيمتدّ من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر.
وأثنى قاآني على العمليات الأخيرة التي نفّذتها اليمن، واصفاً إياها بأنّها دليلٌ على تنامي التنسيق بين الفصائل المتحالفة مع إيران. وقال إنّ "جبهة المقاومة" ستردّ بصورة جماعية على الأعمال الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، مُلمّحاً إلى إمكانية انضمام فصائل إضافية إذا اقتضى الأمر.
وقال قاآني: "من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، سيُقام حزامٌ أمني جديد للمقاومة"، محذّراً من أنّ استمرار العدوان سيقابَل بردٍّ إقليمي أوسع.
وكانت إيران قد هدّدت الأسبوع الماضي بتصعيد الموقف من خلال إغلاق مضيق باب المندب الممرّ البحري الحيوي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر على حدود جنوب شرق اليمن إذا واصلت إسرائيل حربها. وأنصار الله، الذين سبق أن استهدفوا سفناً مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في البحر الأحمر، هم الأقدر على فرض هذا الإغلاق فعلياً.
وبينما يرى بعض اليمنيين أنّ العودة إلى المواجهة خطوةٌ في الاتجاه الصحيح دعماً لإخوانهم في مواجهة "العدو الأول"، يخشى آخرون من تداعياتها؛ إذ تستحضر هذه التصعيدات في أذهانهم صدى مرعباً للضربات الجوية الإسرائيلية الشديدة التي استهدفت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وقيادتهم في صنعاء.
"موقفٌ شريف"
يرى أحمد الفقيه، مقيم في صنعاء يبلغ من العمر 48 عاماً، أنّ المسلمين يمرّون بمرحلة عسيرة تستوجب نبذ الخلافات والتوحّد في مواجهة إسرائيل التي تقتل أبناء دينه في فلسطين ولبنان وإيران.
وقال الفقيه : "بوصفي يمنياً، أفخر بهذه الخطوة التي أقدمت عليها أنصار الله، التي لم تتخلَّ عن إخواننا في فلسطين ولبنان وإيران، وتبذل قصارى جهدها للمشاركة في هذه المعركة الشريفة".
والفقيه موزّع مواد غذائية، لا ينتمي إلى أيّ تيار سياسي ولا يؤيّد الحوثيين أو غيرهم من الفصائل. غير أنّه أكّد أنّه حين يرى ما يجري في فلسطين، يؤمن بأنّ "على جميع المسلمين دوراً في هذه الحرب".
وأضاف: "لا يتوافق مع الإسلام ولا مع الإنسانية أن نرى إخواننا يتعرّضون للإبادة ونبقى صامتين. على جميع الدول الإسلامية واجبٌ ويجب أن تشارك في هذه المواجهة مع العدو الأول للمسلمين، إسرائيل".
وأشار الفقيه إلى أنّه اتّخذ موقفاً فردياً بمقاطعة البضائع المرتبطة بالشركات الإسرائيلية، معتبراً ذلك واجبه الشخصي، ومُعرباً عن سعادته بأنّ بلده يؤدّي دوره أيضاً.
ولا يزال يتذكّر الضربات الجوية الإسرائيلية على صنعاء في أغسطس 2025، التي جاءت ردّاً على التدخّل اليمني السابق في مواجهة الحرب الإسرائيلية على غزة، وأودت بحياة عددٍ من الوزراء من بينهم رئيس الوزراء، فضلاً عن مدنيين. ورغم ذلك، يرى أنّ ذلك لا ينبغي أن يُثني أنصار الله عن مواصلة تدخّلها.
وقال: "تدخّل أنصار الله عام 2023 أحدث أثراً حقيقياً، جعل إسرائيل تستهدف كلّ شيء بشكل محموم. نحن سعداء وفخورون بذلك، وهو ما لم تفعله دول أخرى تكتفي بمشاهدة الإبادة في صمت".
وكان الحوثيون قد استهدفوا عدداً من السفن المرتبطة بإسرائيل عام 2023، وأقدموا على الاستيلاء على السفينة Galaxy Leader مع طاقمها المؤلّف من 25 فرداً. وفي يناير 2025، أُفرج عن الطاقم إثر وساطة عُمانية.
وأشار الفقيه إلى أنّ إسرائيل تحمل ضغينةً تجاه اليمن بسبب "موقفه الشريف" التاريخي منها، قائلاً: "لو استطاعت إسرائيل أن تُصفّي القيادة اليمنية في يومٍ واحد لفعلت، لأنّ اليمن وقف في وجهها منذ حرب 1973".
وخلال حرب أكتوبر 1973، تعاونت مصر وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الدولة التي كانت قائمة في جنوب شرق اليمن الحالي على فرض حصارٍ بحري على إسرائيل في البحر الأحمر، استهدف تحديداً منع ناقلات النفط والسفن التجارية من الوصول إلى ميناء إيلات الجنوبي عبر مضيق باب المندب.
"لا طاقة لنا بحربٍ أخرى"
غير أنّ موقف الفقيه لا يعكس رأي كثيرٍ من اليمنيين الذين يرون أنّهم دفعوا ما يكفي من ثمن الحروب.
اندلعت الحرب الأهلية في اليمن في مارس 2015 بين أنصار الله والحكومة المعترف بها دولياً المدعومة من التحالف بقيادة السعودية. وسيطر أنصار الله على معظم المحافظات الشمالية وتقدّم نحو الجنوب.
ومنذ ذلك الحين، تندلع المواجهات بصورة دورية في مناطق النزاع عبر عدّة محافظات، ما حوّل مناطق سكنية كثيرة إلى ساحات قتال، وأبقى طرقاً رئيسية مغلقة، ونزح أكثر من 4.5 مليون يمني عن ديارهم. وأودى النزاع بحياة ما يُقدَّر بـ377,000 شخص بأسباب مباشرة وغير مباشرة.
أحمد ضاحز، سائق حافلة يبلغ 39 عاماً يعمل على خطّ صنعاء-تعز، يعيش هذا الواقع المرير يومياً. يتنقّل بين المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وتلك التابعة للحكومة المعترف بها، فيشهد عن كثب حجم المعاناة التي يعيشها السكان، ولا سيّما قاطنو المنازل المتضرّرة على خطوط التماس.
وقال ضاحز : "أحد عشر عاماً من الحرب الداخلية أكثر من كافٍ. الدمار الذي حلّ بنا سيستغرق عقوداً لإعادة بنائه، فلسنا بحاجة إلى الانزلاق في حربٍ إقليمية قد تكون أشدّ وطأةً علينا".
وكان ضاحز يقطن في منزل والده بمدينة تعز، الذي بات اليوم في منطقة نزاع ولا يمكن الوصول إليه. وقال: "لا ألوم أيّ طرف على الضرر الذي لحق بمنزلنا أو على عجزنا عن الوصول إليه؛ الحرب هي التي أفضت إلى كلّ هذا، فحرمتنا من بيوتنا وأفقدتنا أحبّاءنا. الحروب لا تجلب خيراً، هي مصدر شقاءٍ لا غير".
وكان ضاحز في صنعاء حين شنّت إسرائيل ضرباتها الجوية على اليمن، ولا يزال يتذكّر لحظات الرعب التي عاشها. وقال: "إسرائيل ارتكبت إبادةً في غزة، ونخشى أن ترتكب جرائم مماثلة في اليمن. المرّة الماضية قصفوا كلّ شيء، وسقط حتى وزراء، فلم يكن ذلك خسارةً هيّنة".
وأكّد ضاحز أنّه لا ينحاز إلى الحوثيين ولا إلى الحكومة، بل يتعاطف مع الشعب اليمني قبل أيّ شيء. وختم: "إذا صعّد الحوثيون أكثر في هذه الحرب، فقد يجرّون اليمن إلى صراع إقليمي لا طاقة للبلد به".
أذرع إيران
يرى بعض اليمنيين أنّ أنصار الله ليست سوى "أذرع إيران"، وأنّها دُفعت إلى العودة للمواجهة في أعقاب التهديدات الإيرانية الأخيرة بإغلاق مضيق باب المندب.
ويرى المنتقدون أنّ الحوثيين يُقدّمون أجندة إيران على المصالح الوطنية اليمنية.
وقال محمد علي، صحفي متمرّس: "بوصفي يمنياً، لا أشعر أنّ الحوثيين يكترثون بنا؛ همّهم مصالحهم فحسب. إيران أعانتهم على السيطرة على شمال اليمن، وعليهم الآن خدمة المصالح الإيرانية". وأضاف: "صلاحية القرار ليست بيد الحوثيين بل بيد إيران، وهذا تجلّى بوضوح في التهديدات الأخيرة التي أطلقها الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق باب المندب".
وقد أدّى المضيق دور صمّام الأمان لأسواق الطاقة العالمية، في ظلّ التراجع الحادّ في صادرات النفط عبر مضيق هرمز جرّاء التوترات المرتبطة بإيران.
ومع إيقاف إيران ضرباتها على إسرائيل مؤقّتاً مع التهديد باستئنافها إذا تعرّض لبنان لهجوم، يرى علي أنّ الحوثيين سيحذون حذو طهران ويُعلنون توقّفاً مؤقّتاً عن استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.
وقال: "على خطى إيران، أعتقد أنّ الحوثيين سيُعلنون وقف هجماتهم في البحر الأحمر. لقد شنّوا هذه الضربات الأخيرة في اللحظة الأخيرة قُبيل التوقّف، تحديداً لإيصال رسالة إلى العالم مفادها أنّهم ذراع إيران التنفيذية في البحر الأحمر".
بيد أنّه رغم إعلان إيران صباح الاثنين وقف عملياتها ضدّ إسرائيل، واصل الحوثيون إطلاق صواريخهم باتجاه إسرائيل طوال الليل. وأفاد الجيش الإسرائيلي في وقت متأخّر من يوم الاثنين باعتراض "هدفٍ جوي مشبوه قادم من اليمن" فوق منطقة إيلات في جنوب إسرائيل.
في غضون ذلك، أعلنت المملكة العربية السعودية يوم الاثنين بعد الظهر أنّ صاروخاً باليستياً أُطلق من اليمن سقط في منطقة غير مأهولة قرب الحدود السعودية اليمنية، مشيرةً إلى أنّ الصاروخ كان متجهاً نحو دولة في المنطقة قبل أن يسقط قرب الحدود.
أخبار ذات صلة

المملكة المتحدة تدعو لـ"عدم التورط الاقتصادي في المستوطنات غير القانونية" للمرة الأولى

غزة: 13 شهيداً بينهم أطفال وصيّاد في غارة إسرائيلية

استشهاد طفل فلسطيني على يد جندي إسرائيلي
