وورلد برس عربي logo

طائرات حزب الله المسيّرة تغير قواعد اللعبة في الحرب

تتغير موازين القوة في الجبهة الشمالية لإسرائيل مع ظهور الطائرات المسيّرة لحزب الله. تعرف على كيفية تأثير هذه التكنولوجيا القديمة بأساليب جديدة على العمليات العسكرية، وما يعنيه ذلك للجيش الإسرائيلي.

صورة جدارية تظهر طائرات مسيّرة تابعة لحزب الله، مع تفاصيل تكنولوجية تشير إلى استخدامها في العمليات العسكرية ضد إسرائيل.
لافتة ضخمة تصور طائرة مسيرة تحمل شعار حزب الله تظهر على مبنى في العاصمة الإيرانية طهران، بتاريخ 31 أغسطس 2024 (أتا كيناري/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

طغى صوتٌ جديد على الجبهة الشمالية لإسرائيل؛ ليس أزيز طائرة حربية، ولا إطلاق صاروخ باليستي، بل هو دويّ الطائرات المسيّرة الموجَّهة بالألياف الضوئية: رخيصةٌ بما يكفي لأن تُفقَد، ودقيقةٌ بما يكفي لأن تُحدث أثراً، ويصعب التشويش عليها بما يكفي لأن تكشف ثغرةً عقائدية في الجيش الإسرائيلي.

تفرض طائرات حزب الله المسيّرة احتكاكاً تكتيكياً وضغطاً نفسياً وتكاليف عملياتية على قوات الغزو الإسرائيلية في جنوب لبنان. وفي حين لا تزال تقييمات الأضرار الميدانية غير مكتملة، وتبقى التأثيرات العملياتية والاستراتيجية موضع جدل، فإنّ الآثار التكتيكية باتت واضحة.

أوّل الأساطير التي ينبغي تفنيدها هي أسطورة الجِدّة. لم تبدأ حرب المسيّرات في أوكرانيا، والتوجيه بالألياف الضوئية ليس تقنيةً حديثة البتّة.

تعود مفاهيم الضربات بطائرات بلا طيار إلى الحرب العالمية الثانية، بما فيها المساعي الأمريكية في إطار عمليتَي Aphrodite وAnvil لتحويل قاذفات القنابل إلى طائرات متفجّرة يُتحكّم فيها عن بُعد. وقد سجّلت مجموعة المهام الجوية البحرية الخاصة الأمريكية إصاباتٍ بطائرات الاعتراض TDR-1، وهي طائرات موجَّهة عن بُعد، ضدّ أهداف يابانية منذ عام 1944.

على الأرض، استخدم الجيش الألماني النازي (Wehrmacht) اللغم المتتبَّع Goliath؛ وهو مركبةٌ هدم موجَّهة بالأسلاك أو «مركبة أرضية بلا طيار» بالمصطلح العسكري المعاصر استخدمتها وحدات المدرّعات والمهندسين القتاليين، بما فيها في مواجهة المقاومة البولندية خلال انتفاضة وارسو عام 1944.

في منطقة الشرق الأوسط، التوجيه بالوصلة المادية قديمٌ هو الآخر. فقد استخدمت فرق مكافحة الدروع المصرية في أكتوبر 1973 صواريخ AT-3 Malyutka السوفيتية، المعروفة في العالم العربي بـ«السَّاغر» أو «الصقر»، لتدمير الدروع الإسرائيلية في المرحلة الأولى من الحرب.

وإسرائيل نفسها تمتلك إرثاً عميقاً في مجال المسيّرات؛ إذ ساهمت طائراتها الاستطلاعية بلا طيار في حملة بقاع 1982 في تنفيذ عملية تعطيل نموذجية لمنظومات الدفاع الجوي السورية السوفيتية الصنع.

الاندماج التكتيكي

في عام 2016، كان تنظيم الدولة (داعش) أوّل قوة من غير الدول تُوظّف حرب المسيّرات المرتجَلة على نطاقٍ عملياتي. خلال معركة الموصل، كاد التقدّم العراقي المدعوم أمريكياً يتوقّف حين ظهرت 70 طائرة مسيّرة لداعش في الأجواء خلال 24 ساعة، تعمل تحت سقف التفوّق الجوي الأمريكي التقليدي. وقد شكّل هذا الحدث المرّة الأولى منذ أبريل 1953 التي تتعرّض فيها القوات البرية الأمريكية لهجومٍ جوي.

ما يُعدّ جديداً اليوم هو الاندماج التكتيكي الذي قد يُفضي إلى تأثيرات استراتيجية: مكوّنات تجارية، وتحليقٌ من منظور الشخص الأول (FPV)، وفيديو ميداني مباشر، ودقّةٌ رخيصة، ولقطات دعائية، وخيطٌ مادي يُقلّص هشاشة التشويش الإلكتروني مُنتِجةً ما أسمّيه «المناورة المعلوماتية-الحركية»، حيث تتشابك المستشعرات والمنفّذون والمتفرّجون والتأثيرات النفسية في نظامٍ بيئي ميداني كثيف.

لم تبدأ حرب المسيّرات لدى حزب الله مع طائرات FPV الموجَّهة بالألياف الضوئية اليوم. فمنحنى تعلّمه في مواجهة المسيّرات يمتدّ إلى ما قبل عام 2006، وأبرزه كمين أنصارية عام 1997، حين يُقال إنّ حزب الله اعترض بثّ فيديو طائرات استطلاع إسرائيلية غير مشفّرة، واستخدم هذه الإشارات ضدّ الكوماندوز النخبويين من وحدة Shayetet 13 التي كانت تلك الطائرات مُكلَّفةً بحمايتهم.

في الواقع، حوّل حزب الله الاستطلاع الجوي الإسرائيلي إلى سلسلة قتل معكوسة يُراقب ما تُراقبه إسرائيل، ويُحدّد محور الحركة المرصود، ويُعدّ كميناً داخل بنية المراقبة الإسرائيلية ذاتها.

بحلول حرب 2006، تطوّر الأمر من الاستغلال السلبي للأنظمة الإسرائيلية إلى عمليات نشطة بلا طيار: أطلق حزب الله طائرات Ababil وMirsad ذات المنشأ الإيراني، بما فيها طائرات مسيّرة متفجّرة، نحو أهداف داخل إسرائيل. كانت عقيدة حزب الله في المسيّرات تقوم على اختراق الأجواء المنخفضة والتشويش عليها واستغلالها والمنافسة فيها.

اليوم، تحوّل حزب الله نحو المسيّرات ليس اختراعاً بل استيعاباً. فالمجموعة تُترجم دروس أوكرانيا إلى الجغرافيا الضيّقة لجنوب لبنان.

أعلن حزب الله أنّه استخدم طائرات FPV في 16 من أصل 22 هجوماً على القوات البرية الإسرائيلية في لبنان خلال النصف الثاني من أبريل. وبثّ بشكلٍ منفصل لقطاتٍ تُظهر إنتاجاً محلياً للمسيّرات. الاستراتيجية واضحة: يسعى حزب الله إلى بناء طبقةٍ من الدقة المنخفضة التكلفة تحت منظومة الدفاع الصاروخي وأجهزة المراقبة الجوية الإسرائيلية عالية المستوى.

هذه الطبقة التي يُطلق عليها عسكرياً «الهواء الساحلي» (Air-Littoral) تكتسب أهمية مضاعفة لأنّ ساحة المعركة، خلافاً لأوكرانيا، صغيرة الحجم.

نهر الليطاني يبعد نحو 30 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية في الغرب، وأقلّ من ذلك في بعض أجزاء الشرق. وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى الإمساك بحزامٍ من جنوب لبنان حتى الليطاني — كما أشار مسؤولون إسرائيليون — فإنّ معظم فضاء المعركة يصبح في متناول الأنظمة غير المأهولة قصيرة المدى وفرق المراقبة وخلايا مكافحة الدروع والنيران غير المباشرة وعمليات المعلومات.

التضاريس — من قرى وأودية وحوافّ جبلية وبساتين وأغطية حضرية متكسّرة — لا تضمن النجاح الاستراتيجي، لكنّها تُتيح فرصاً لتصوير تأثيرات تكتيكية. لا يحتاج حزب الله إلى تدمير تشكيلات المدرّعات بالجملة لتحقيق أثرٍ عسكري وسياسي. يحتاج فقط إلى جعل الانكشاف مُكلفاً، والحركة أبطأ، والإخلاء أكثر خطورة، و«منطقة الأمن» تبدو غير آمنة.


الحجم والتكامل

ثمّة أسطورة ثانية ينبغي تفنيدها: المسيّرات ليست وصفةً للنصر. درس أوكرانيا ليس «اشترِ مسيّرات وانتصر». درسها يتعلّق بالحجم والتكامل والعقيدة.

لم تصبح أوكرانيا قوةً مهابة لأنّ طائرات FPV أو أيّ نوعٍ آخر من المسيّرات حاسمةٌ بطبيعتها، بل لأنّها ربطت الأنظمة «غير المأهولة» بالاستطلاع والاستهداف والحرب الإلكترونية والبيانات والتدريب والقيادة وهيكل القوات وتصميمها والتكيّف المستمر.

من بين أبرز الأمثلة مبادرة Drone Line الأوكرانية، التي تسعى إلى الانتقال من الاستخدام المتشرذم للمسيّرات إلى نموذجٍ منهجي تصبح فيه الأنظمة غير المأهولة عنصراً محورياً في العمليات الضاربة.

لا جنوب لبنان ولا أوكرانيا «حربَ مسيّرات» بالمعنى الحرفي؛ المسيّرات تُمدّد القوات التقليدية لكنّها لا تحلّ محلّ المشاة والمدفعية والمدرّعات والمهندسين والإمداد. وصفة «غير المأهول» في حدّ ذاتها مُضلِّلة، إذ تقف خلف كلّ طلعةٍ بمسيّرة سلسلةٌ بشرية ولوجستية كاملة: طيّارون وطواقم دعم وفنّيون ومحلّلون واتصالات وتخزين وحركة وذخائر.

فضلاً عن ذلك، أثبتت الإجراءات المضادة الروسية في أوكرانيا أنّ الحرب الإلكترونية لا تزال تُقلّص موثوقية المسيّرات وتُعطّل الاستهداف وتُعقّد فصل الاشتباكات. في لبنان، سيكتشف حزب الله قريباً أنّ الطائرات الموجَّهة بالألياف الضوئية تُعالج مشكلةً واحدة التشويش لكنّها تخلق مشكلاتٍ أخرى: محدودية المدى مقارنةً بأنظمة أخرى، وهشاشة الكابل، والاحتكاك البيئي، وصعوبة توسيع نطاق الطواقم المدرَّبة تحت النار.

ردّ الفعل التكيّفي الإسرائيلي المرتقَب سيكون منظومياً لا أحادياً. لن يكون ثمّة حلٌّ سحري. ستضطرّ إسرائيل إلى الجمع بين الكشف المبكّر وتغطيةٍ متعدّدة الطبقات لمواجهة الأنظمة غير المأهولة، وتحصين المركبات والمواقع، والتشتّت والخداع والتمويه والحركة المنضبطة وإخلاء الإصابات في ظروف آمنة والتعلّم الميداني السريع.

الشباك والأقفاص المرتجَلة قد تُقلّص الانكشاف، لكنّ الإجابة الحقيقية تستلزم بنيةً مضادة للمسيّرات بأسلحة مشتركة تتعامل مع طبقة الهواء المنخفض بوصفها فضاءً للمعركة الحاسمة، لا مجرّد إزعاج.

ساحة المعركة المستقبلية

السؤال الاستراتيجي إذن ليس ما إذا كان حزب الله قادراً على ضرب مركبات أو جنود إسرائيليين بعينهم. السؤال هو ما إذا كان قادراً على تحويل هذه الهجمات إلى منظومة عملياتية دائمة.

هل يستطيع الحفاظ على سلاسل الإمداد والطواقم وقيادة العمليات والاستخبارات والانضباط السياسي تحت الضغط الإسرائيلي؟ هل يستطيع دمج المسيّرات مع الصواريخ وصواريخ مكافحة الدروع والهاونات والمراقبة وعمليات المعلومات دون كشف شبكاته؟ هل يستطيع تحويل الصدمة التكتيكية إلى شلل عملياتي أو قوة مساومة استراتيجية؟ هذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة.

تبقى أوكرانيا السيّدة الأولى في حرب المسيّرات الجوية والبحرية المعاصرة في طبقة الهواء المنخفض. جنوب لبنان ليس دونباس، وحزب الله ليس القوات المسلحة الأوكرانية.

لكنّ حزب الله استوعب الدرس الذي تعلّمته كثيرٌ من الجيوش التقليدية متأخّرة: ساحة المعركة القائمة على الدقة الرخيصة باتت حقيقةً راسخة، والتفوّق في المنصّات الراقية لا يُنتج تلقائياً السيطرة على الحافة التكتيكية. قد تهيمن إسرائيل على الأجواء العليا، لكنّ حزب الله يتنازع معها الطبقة الدنيا من الفضاء الجوي.

بالنسبة لحزب الله، الأداء القتالي مرتبطٌ مباشرةً بالبقاء السياسي والحضور الاستراتيجي. وبالنسبة لإسرائيل، الدرس لا يقلّ صرامة: ساحة المعركة المستقبلية ليست فوق الـ20,000 قدم فحسب، ولا داخل منظومة الدفاع الصاروخي وحدها. إنّها أيضاً على ارتفاع بضعة أمتار فوق الأرض، تُصوَّر في الوقت الفعلي، ويُحكَم عليها بمدى قدرتها على فرض التكاليف.

المعركة مستمرّة.

أخبار ذات صلة

Loading...
تظهر مجموعة من الرجال يرتدون الزي الإماراتي التقليدي، يتقدمهم شخصية بارزة، في سياق رسمي يعكس تأثير عائلة آل نهيان في السياسة الزراعية.

الإمارات: عائلة آل نهيان تتلقّى ملايين من إعانات الاتحاد الأوروبي الزراعية

تتربع عائلة آل نهيان على قمة الثروات، حيث تكشف التحقيقات عن جمعها عشرات الملايين من دعم الاتحاد الأوروبي الزراعي. هل تساءلت يوماً عن كيفية تأثير هذا الدعم على الأمن الغذائي في الخليج؟ تابع القراءة لتكتشف المزيد.
Loading...
اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، حيث يتوسطهم علم كل دولة، في إطار مناقشات حول القضايا الإقليمية.

السعودية والإمارات: محاولة احتواء محور إسرائيلي متنامٍ

في خضم التوترات المتزايدة، يواجه ترامب تحديات صعبة مع إيران. فهل سيختار الحرب أم السلام؟ اكتشف كيف يمكن أن تحدد هذه القرارات مصير المنطقة بأسرها، وما هي المخاطر التي قد تترتب على كل خيار. تابع القراءة لتفاصيل مثيرة!
Loading...
مشاركون يحملون العلم الإسرائيلي خلال فعالية تدعو إلى إعادة توطين الأراضي الفلسطينية، وسط أجواء مشحونة بالتوترات السياسية.

الإعلام الإسرائيلي يسجّل دعوةً لـ"الفتح والترحيل والاستيطان" على حدود غزة

في خضم تصاعد التوترات، تدعو عضو الكنيست الإسرائيلي ليمور سون هار-ميليش إلى احتلال غزة وتهجير سكانها كسبيل وحيد لتحقيق الأمن. هل ستؤدي هذه التصريحات إلى تصعيد الأوضاع؟ تابعوا التفاصيل.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية