ترامب وإيران بين الحرب والسلام المجهول
وصل ترامب إلى طريق مسدود مع إيران، حيث تلوح خيارات الحرب أو السلام. أي قرار سيزيد من المخاطر ويؤثر على حياة الجنود الأمريكيين. هل سيستمر في القصف أم سيقبل بشروط السلام؟ اكتشف التفاصيل في تحليل عميق من وورلد برس عربي.

وصل الرئيس الأمريكي Donald Trump إلى طريق مسدود مع إيران.
أياً كان المسار الذي سيختاره الآن، ومهما كان من يسير خلفه، فإنّ ذلك لن يُفضي إلا إلى مزيدٍ من الأخطار. إذا اختار Trump الحرب، فليكن على يقين بأنّها ستُكلّف الأرواح الأمريكية أكثر بكثير مما كلّفته الجولة الأولى.
فإذا أنزل مشاة البحرية الأمريكية (US Marines) على أيٍّ من الجزر الإيرانية في مضيق هرمز، فسيغدون هدفاً سهلاً للطائرات المسيّرة والصواريخ في تضاريس لا تمنحهم أيَّ غطاء.
وقد تكون مثل هذه الحملة بمثابة غاليبولي الخاصة بـ Trump. وإن كان قد نسي ما جرى هناك، فهي إحدى قرارات Winston Churchill التي لن يرغب Trump في تكرارها.
وإذا استُؤنفت الحرب، فستتّسع رقعتها الجغرافية. فإيران لا تُهدّد بإغلاق البحر الأحمر وقناة السويس من قبيل المزايدة، بل هي تهديدات جدية ستُنفَّذ إذا استُؤنفت الغارات الأمريكية والإسرائيلية.
أما إذا اختار Trump السلام، فسيكون على شروطٍ تقصر بمراحل عن أهدافه الحربية. لنضع جانباً مسألة التخصيب النووي. فلو أرادت إيران امتلاك سلاح نووي، لكان بوسعها الحصول عليه منذ زمنٍ بعيد.
تقارير متتالية صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) لم تجد أيَّ دليل على وجود برنامج منظّم ونشط لتطوير أسلحة نووية.
ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب لم يُستحدث إلا بعد أن انسحب Trump من الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع Barack Obama.
وهذا اليورانيوم ليس سوى ورقة ضغط في يد طهران، يمكنها التخلّص منه بسهولة مقابل الثمن المناسب، سواء بالتخفيف كما عرضت سابقاً، أو بإرساله إلى باكستان.
لا خطّة بديلة
الخسائر الثلاث الكبرى لـ Trump في أيّ تسوية تفاوضية هي: لا تغيير للنظام، بل العكس تماماً؛ فـ Trump أسهم في تعزيز النظام الإيراني لا إسقاطه. ولا استسلام لصواريخ إيران وطائراتها المسيّرة، فيما يظلّ مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية الفعلية.
أيُّ اتفاق يقوم على هذه الأسس سيجعل من الصعب حتى على Trump أن يُقدّمه انتصاراً، ناهيك عن أن يُبرّر تكلفته التي تتراوح بين 630 مليار و1 تريليون دولار.
كان يمكن لهجوم Trump على إيران أن يكون منطقياً من الناحية العسكرية، لو نجح الموساد (Mossad) في إسقاط الجمهورية الإسلامية خلال أيامٍ من اغتيال مرشدها الأعلى وقياداتها العليا.
لكنّ مصادر أمنية أمريكية وإسرائيلية باتت تُؤكّد أنّ تغيير النظام عبر قطع الرأس كان الخطّة الحقيقية منذ البداية.
وحين فشلت، لم يكن لدى Trump ولا رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu أيُّ خطّة بديلة، سوى مواصلة قصف إيران، وهو ما فعلاه فعلاً على مدى شهرين.
وإضافةً إلى ما أوردته Maggie Haberman وJonathan Swan في إعادة تركيبهما لاجتماع 11 فبراير في غرفة الأزمات بالبيت الأبيض، حين أقنع Netanyahu Trump بالذهاب إلى الحرب، يرصد الصحفيان الإسرائيليان Nahum Barnea وRonen Bergman أنّ الخطّة الأصلية لتغيير النظام كانت تسير في ثلاث مراحل.
يبدو أنّ Netanyahu ومدير الموساد David Barnea أُصيبا بنشوةٍ من "نجاح" هجمات أجهزة الاستدعاء (Pager)، التي قتلت 42 شخصاً وشوّهت الآلاف في لبنان.
غير أنّ تلك الهجمات والاغتيالات التي طالت قيادات حزب الله لم تفعل سوى إعادة إحياء جيشٍ بات اليوم يُلحق خسائر متواصلة في صفوف الجنود الإسرائيليين على بُعد كيلومترات قليلة من الحدود.
فشل تغيير النظام
بعد اغتيال آية الله علي خامنئي، خُطِّط لتغيير النظام على ثلاث مراحل، أولها غزوٌ بري تشنّه الميليشيات الكردية.
لكنّ هذا المخطّط أُجهض، ليس فقط بسبب رفض الأكراد الإيرانيين أنفسهم إذ تبرّأت منه أربع فصائل كردية رافضةً الانتحار السياسي بل أيضاً بفعل ضغوطٍ من بغداد وأنقرة.
الرئيس التركي Recep Tayyip Erdogan اتّصل بـ Trump طالباً وقف المخطّط، فاستجاب.
المرحلة الثانية كانت تقوم على احتجاجات شعبية واسعة في الشوارع، بينما تقصف القوات الجوية الإسرائيلية قوات الباسيج شبه العسكرية من الجو.
أما المرحلة الثالثة فكانت تأسيس قيادة بديلة.
سرعان ما تراجع Trump. كما واجه معارضةً شديدة من داخل مجلس وزرائه.
نائب الرئيس JD Vance، ووزير الخارجية Marco Rubio، ومدير وكالة المخابرات المركزية (CIA) John Ratcliffe، أبدوا جميعاً معارضةً صريحة لخطّة تغيير النظام؛ ووصفها Rubio بأنّها "هراء"، فيما وصفها Ratcliffe بأنّها "مهزلة".
وهكذا كانت.
تخلّى قادة الميليشيات الكردية عن فكرة الغزو بعصبيةٍ واضحة وبسرعةٍ تكاد تعادل سرعة طرحها.
وأكّد Sirwan Barzani، اللواء في قوات البيشمركة ورجل الأعمال المليونير الذي اكتسب لقب "النمر الأسود" في معارك ضدّ قوات صدام حسين، أنّ قواته لا تعتزم غزو إيران.
وتبرّأ قادة أكراد آخرون من تلك المخطّطات، ونفى عددٌ من قادة الميليشيات الكردية الإيرانية تلقّيهم أسلحةً من Trump، وقد حُذِّروا من الفكرة من قِبَل بغداد وأنقرة على حدٍّ سواء.
الاحتجاجات الشعبية تحقّقت فعلاً، لكنّها كانت مؤيِّدةً للحكومة لا معارِضةً لها. والقصف، ولا سيّما استهداف مدرسة في مدينة مينَب الذي راح ضحيّته 156 شخصاً بينهم 120 طفلاً، أدار الرأي العام الإيراني بشكلٍ حاسم ضدّ إسرائيل وأمريكا.
قبل الحرب، كان الإيرانيون في أحسن الأحوال منقسمين في موقفهم من الجمهورية الإسلامية. ولم تكن لديهم أحقادٌ تجاه الغرب. أرادوا فقط حياةً عادية.
وكان الرأي القائل بأنّ الإيرانيين محاصرون بين طرفَي نقيض الملالي وأمريكا يتردّد كثيراً على ألسنة التجار في أسواق وسط طهران، كما رصدت ذلك تقارير متعدّدة.
كلّ ذلك ولّى.
إذا كان شعار "الموت لإسرائيل" قبل الحرب مجرّد نقشٍ على صاروخ، فقد بات اليوم يُقال بمشاعر حقيقية. وتحوّلت فكرة أنّ Trump وNetanyahu جاءا لإنقاذ الإيرانيين من نظامهم إلى نكتةٍ سمجة.
وانهار دعم البديل عن الجمهورية الإسلامية انهياراً حرّاً.
وعجزاً عن الفوز في النقاش، بات مؤيّدو Reza Pahlavi، نجل الشاه الأخير، يلجؤون إلى الاعتداء الجسدي على المحتجّين المناهضين للحرب في المملكة المتحدة. وباتت إيران تُشقّ الأسر في المهجر على أسسٍ جيلية.
فشلت المراحل الثلاث لتغيير النظام جميعها. والجمهورية الإسلامية اليوم أكثر سيطرةً على إيران مما كانت عليه قبل الهجوم.
والأهمّ من ذلك أنّ الجمهورية الإسلامية اكتشفت، عبر إغلاق مضيق هرمز وهجماتها بالطائرات المسيّرة، أنّها تمتلك حقَّ الفيتو على ما يجري أو لا يجري من أعمال تجارية على ضفاف الخليج العربي.
وفي صدمةٍ لجيران إيران الخليجيين، بات هذا الممرّ المائي أكثر "فارسيةً" مما كان عليه في أيٍّ من مراحل تاريخه.
انفجار فقاعة الخليج
فجّرت إيران الفقاعة البرّاقة، لكنّ الهشّة في نهاية المطاف، من الثروة والامتياز التي عاشت فيها النخب الحاكمة في الكويت والإمارات والبحرين والسعودية وقطر لعقودٍ طويلة، بمنأى عن الاضطرابات المحيطة بها.
الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية لم تُلحق الضرر بالبنية التحتية المادية لمحطّات النفط ومراكز الذكاء الاصطناعي والفنادق الخليجية فحسب وهو ضررٌ يمكن إصلاحه.
لقد دمّرت، وربما بشكلٍ لا يمكن إصلاحه، صورة الخليج بوصفه ملاذاً للأثرياء، بعيداً عن اضطرابات محيطه ولا يخضع لأحد.
ولا تُحسّ بوطأة الجمهورية الإسلامية في مكانٍ أشدّ ممّا هي عليه في دبي وأبوظبي.
لقد تعرّضت الإمارات لضربٍ موجع. فبحلول 28 مارس، كانت إيران قد أطلقت 398 صاروخاً باليستياً و1872 طائرة مسيّرة و15 صاروخ كروز على الإمارات، لتكون بذلك أكثر دولة تعرّضت للاستهداف بعد حليفتها إسرائيل.
كان الأثر بالغاً. فقد تبخّر ما يزيد على 120 مليار دولار من القيمة السوقية لبورصتَي دبي وأبوظبي، وأُلغيت 18,400 رحلة جوية. وتُقدّر Goldman Sachs أنّ صفقات العقارات تراجعت بنسبة 37 بالمئة على أساسٍ سنوي.
سبعة من فنادق دبي الشهيرة، من بينها Armani وBurj Al Arab وPark Hyatt وSt Regis، أغلقت أبوابها إذ يُرتَّب لتجديد ما يقارب 2000 غرفة.
تجري محاولاتٌ متعدّدة لدعم صورة دبي وتصوير الأمر على أنّه خبرٌ إيجابي موسمٌ هادئ، وفرصةٌ للتجديد، وهو ما حدث في زمن كوفيد. لكنّ الإمارات، وهي دولةٌ تحكمها سلطةٌ مطلقة تُغلّفها ببريق ليبرالي غربي، فرضت قيوداً صارمة على المقيمين الأجانب الذين يُصوّرون الدمار الذي يُسيء إلى صورة دبي العالمية.
اعتُقل ما لا يقلّ عن 70 شخصاً. ومن يتداول مقاطع الفيديو يواجه غراماتٍ تتجاوز 260,000 دولار وأحكاماً بالسجن تصل إلى 10 سنوات.
الهجمات لم تُشلّ قطاع السياحة وحقول النفط فحسب. فقد توقّف إنتاج الألومنيوم بعد أن استُهدف مصهر الطويلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
توقّف الإنتاج في شركة Emirates Global Aluminium، إلى جانب تراجع العمليات في مصهر Qatalum القطري، أخرج ما يقارب 3 ملايين طن من الطاقة الإنتاجية السنوية من الخدمة، أي ما يُقارب نصف إنتاج الألومنيوم في الشرق الأوسط.
تبيّن أنّ مضيق هرمز ليس نقطة اختناقٍ للنفط والغاز والأسمدة فحسب، بل هو أيضاً نقطة اختناق لسوق الألومنيوم العالمي.
وفقد سوق الذهب في دبي بريقه. فقد نقلت سنغافورة 1,446 كيلوغراماً من سبائك الذهب خارج دبي منذ اندلاع الحرب، في ظلّ قلق المستثمرين حيال التأمين وإمكانية الوصول إلى الذهب في وقتٍ قصير. كما تراجعت صادرات المجوهرات من دبي بنسبة 80 إلى 90 بالمئة.
وعلّقت شركة Pure Data Center Group استثماراتها في المنطقة إلى أجلٍ غير مسمّى بعد أن استُهدف اثنان من مراكز بياناتها في الإمارات والبحرين بطائراتٍ مسيّرة، ما تسبّب في انقطاعاتٍ في قطاعَي المصارف والمدفوعات.
وأفاد الرئيس التنفيذي Gary Wojtaszek لشبكة CNBC بأنّ قرارات الاستثمار جُمِّدت فيما يخصّ "جميع فرص مراكز البيانات"، مضيفاً: "لن يُقدم أحدٌ على دخول مبنىً يشتعل فيه الحريق، إن صحّ التعبير."
استهداف الإمارات لم يكن مصادفةً ولا مفاجأة. فقد أنذرت إيران كلَّ من أراد الاستماع بأنّها ستفعل ذلك.
الإمارات: منصّة لخدمة المصالح الإسرائيلية
أفادت مصادر إيرانية بأنّ الاستخبارات الإيرانية رصدت دوراً إماراتياً في الهجمات يتجاوز مجرّد استضافة القواعد الأمريكية.
وقال مسؤولٌ إيراني: "تعتقد الاستخبارات الإيرانية أنّ الإمارات أتاحت بعض منشآتها الجوية لعمليات ضدّ إيران." وأضاف أنّ أبوظبي كانت بمثابة منصّة متقدّمة للمصالح الإسرائيلية في المنطقة.
وأشار إلى أنّ هذا التعاون شمل "عمليات خداع" هجماتٌ إسرائيلية تحت أعلام زائفة استهدفت عُمان ودولةً أخرى على الأقلّ، وصُمِّمت لتبدو وكأنّها إيرانية.
كما تعتقد إيران أنّ التعاون تضمّن استخدام البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل الإمارات لدعم جمع البيانات وتحليلها لأغراض الاستهداف الأمريكي والإسرائيلي.
وأبلغ دبلوماسيٌّ بأنّه في حال تعرّضت إيران للغزو، فستُعامَل الإمارات بوصفها دولةً معتدية.
ما يعنيه هذا لفهم الموقف الإماراتي: أنّ الإمارات ذهبت في دعم الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران إلى أبعد بكثير مما ذهب إليه جيرانها الخليجيون، وهو ما يعود في جوهره إلى رجلٍ واحد هو رئيسها محمد بن زايد (MBZ).
هذا الأمير الذي تلقّى تعليمه في مدارس النخبة البريطانية ألحق بالسلام والاستقرار في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين من الضرر ما لا يُضاهيه فيه أحدٌ في تقديري، باستثناء Netanyahu والموساد.
لكنّ MBZ يأتي في المرتبة الثالثة عن كثب.
فقد أوقف MBZ الربيع العربي في مساره، إذ موّل وأدار عملية الإطاحة بمحمد مرسي، أول رئيسٍ مصري منتخب ديمقراطياً، ثم كرّر الأمر في تونس.
وموّل حروباً أهلية في ليبيا واليمن والسودان، وأرسل قنّاصةً مرتزقة لاغتيال شخصياتٍ من المجتمع المدني اليمني.
ودعم ماليّاً مجرمي الحرب في دارفور، إخوة حميدتي، وأمدّهم بالسلاح. وقد عانى الملايين من العرب جرّاء هذه الحروب. أما MBZ فلا يأبه بذلك.
وعلى غرار مشروع Netanyahu في توسيع حدود إسرائيل، يسعى MBZ إلى تحويل إمارته الصغيرة إلى "إسبرطة صغيرة" ذات نفوذٍ عسكري ومالي في القرن الأفريقي يتجاوز حجمها بكثير.
بنى MBZ استراتيجيّته على النموذج الإسرائيلي. وكان أوّل من نسخ لوبيه القوي والمُحكَم في واشنطن. واستخدم ذلك اللوبي للترويج لأميرٍ سعودي مجهول الاسم آنذاك يُدعى محمد بن سلمان، وتقديمه إلى عائلة Trump.
كان ذلك المقدّمة الأساسية لإقصاء وليّ العهد ووزير الداخلية الأقوى آنذاك، محمد بن نايف، الذي كان الرجلَ المفضّل لدى وكالة المخابرات المركزية في الرياض.
غير أنّ العلاقة بين الموجِّه والتلميذ انهارت انهياراً مدوّياً لا رجعة فيه بسبب اليمن.
وقد اضطرّت الإمارات إلى إجلاء عيدروس الزُّبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، من اليمن بعد أن تجاوزت قواته حدودها بمحاولة الاستيلاء على ميناءٍ على الحدود الجنوبية للسعودية.
وتتحدّى السعودية ومصر اليوم شبكة الميليشيات الموالية للإمارات في السودان وليبيا واليمن عبر تسليح ودعم خصومها العسكريين.
MBZ يرفع الرهان
لكنّ MBZ ليس رجلاً يتراجع.
الأسبوع الماضي، أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك (Opec). وهي خطوةٌ تتجاوز في دلالتها مجرّد التحرّر من قيود حصص الإنتاج.
إنّها مصمَّمة لضرب جارتها السعودية في أكثر نقاطها حساسية، وتدمير تكتّلٍ عمل لستة عقود.
هذا هو MBZ يُقامر من جديد. لقد قرّر أنّ السبيل الوحيد للأمام هو مضاعفة هجومه على أكبر جارَين له: السعودية وإيران.
وقد يكون هذا القرار أيضاً علامةَ ضعفٍ، لأنّ اعتماد أبوظبي على النفط سيتصاعد نتيجةً لذلك.
كما أنّ التخلّي عن كلّ محاولات التنويع الاقتصادي نحو السياحة والذكاء الاصطناعي والصناعة لن يُقابَل بارتياحٍ في الإمارات الأخرى الأقلّ اعتماداً على النفط من أبوظبي.
محمد بن راشد، حاكم دبي ورئيس وزراء الإمارات، شاعرٌ يُعبّر عن نفسه بالحذف والإيحاء. ومع ذلك، نشر تغريدةً لا تحتمل سوى تفسيرٍ واحد: انتقادٌ صريح لرئيسه.
الجزائر، العضو الآخر في أوبك، لم تُبدِ إعجابها بالقرار الإماراتي.
وفي مقابلته الشهرية مع الإعلام، وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون انسحاب الإمارات بأنّه "حدثٌ بلا قيمة"، مؤكّداً أنّ السعودية تبقى الركيزة الأساسية للتكتّل، ومشيراً إلى أنّ الشرخ بين الرياض وأبوظبي بات دائماً.
مقامرةٌ كبرى
هذه مقامرةٌ بالغة الخطورة بالنسبة لـ MBZ، إذا أخذنا بعين الاعتبار هشاشة إمارته، وصغر حجم قواتها المسلّحة، واعتماد اقتصادها على المرتزقة والعمالة الوافدة، وتقلّب Trump بوصفه حليفاً.
التفسير الوحيد لمهاجمة الرياض بعد أن تلقّى ضربةً موجعة من طهران، هو أنّ الخطوة التالية لـ MBZ هي الإعلان عن حلفٍ عسكري مع إسرائيل.
لا قوّة إقليمية أخرى قادرة على تأمين الإمارة أمنياً. وهي بالتأكيد عاجزةٌ عن ذلك بمفردها.
هذا التحالف العسكري قائمٌ فعلياً في الواقع.
فقد كشفت صحيفة Financial Times أنّ إسرائيل أرسلت نظام ليزر يُعرف بـ Spectro لمساعدة الإمارات على رصد الطائرات المسيّرة القادمة على بُعد 20 كيلومتراً، ونظام ليزر آخر يُعرف بـ Iron Beam يُحيّد الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة، وكان قد استُخدم أوّل مرة ضدّ حزب الله في لبنان.
كما أُرسل أفراد إسرائيليون لتشغيل هذه الأنظمة. وقال مصدرٌ مطّلع على الأمر للصحيفة: "إنّهم ليسوا بعدد قليل على الأرض."
إلى جانب أنظمة الليزر، أرسلت إسرائيل منظومة القبّة الحديدية (Iron Dome) الدفاعية إلى أبوظبي ودبي.
ويتجلّى تصاعد التعاون العسكري بين إسرائيل والإمارات في الحجم المتزايد للرحلات المتتبَّعة بين البلدين. فمواقع تتبّع الرحلات تُظهر أنّ طائرات النقل العسكري تتردّد بين قاعدة Nevatim الجوية الإسرائيلية والإمارات طوال فترة النزاع.
لكنّ الإعلان عن حلفٍ عسكري رسمي بين الإمارات وإسرائيل سيمنح Netanyahu، وكلَّ زعيمٍ إسرائيلي يخلفه، قاعدةً عسكرية وموطئ قدمٍ يتجاوز حدوده بعيداً، يمكن من خلاله مواصلة استهداف إيران.
لأنّه مهما قرّر Trump، لن تتخلّى إسرائيل عن هدفها الأقصى في تغيير النظام في إيران.
والانخراط الإماراتي المتصاعد والعلني في مخطّطات إسرائيل وصفةٌ لصراعٍ قد يمتدّ لعقودٍ، ويخنق في مهده أيَّ إعادة إعمارٍ في مرحلة ما بعد الحرب على جانبَي الخليج العربي.
على السعودية وقطر وعُمان وباكستان وتركيا، القوى الإقليمية الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية الكبرى، ألّا تقف مكتوفة الأيدي تراقب هذه المخطّطات وهي تتكشّف.
فدول المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية باتت تمتلك اليوم مصلحةً مشتركة حقيقية وعاجلة في احتواء إسرائيل وحليفتها الإماراتية، وذلك عبر ميثاقٍ أمني إقليمي.
أخبار ذات صلة

الإمارات: عائلة آل نهيان تتلقّى ملايين من إعانات الاتحاد الأوروبي الزراعية

الإعلام الإسرائيلي يسجّل دعوةً لـ"الفتح والترحيل والاستيطان" على حدود غزة
