وورلد برس عربي logo

خلافات السعودية والإمارات تحدد مستقبل الشرق الأوسط

تتعمق الإمارات والسعودية في صراعٍ متصاعد يهدد استقرار المنطقة. من النفط إلى النفوذ الإقليمي، يكشف المقال عن جذور الخلافات التاريخية وأثرها على مستقبل الشرق الأوسط. اكتشف كيف تتشكل ملامح الصراع في عالم اليوم.

لقاء بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الإمارات محمد بن زايد، يتبادلان الحديث في أجواء هادئة، مع إضاءة خافتة.
تظهر هذه الصورة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (يمين) وهو يلتقي بولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قصر الروضة بأبوظبي، في 1 ديسمبر 2024 (عبد الله البدواوي/المكتب الرئاسي الإماراتي/وكالة فرانس برس).
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

خاض الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي عُرف يوماً بـ"سيّد البريمي"، معركةً من نوعٍ آخر في خمسينيّات القرن الماضي: رفض إغراءً سعودياً بالتنازل عن واحةٍ صحراوية يُشتبه في احتوائها على احتياطيّات نفطية ضخمة، فكان جوابه الرفض القاطع. وحين أخفق الإغراء، شنّت المملكة العربية السعودية غزواً عسكرياً فاشلاً على تلك الأرض. هكذا لخّص الصحفي الراحل David Holden تلك الحادثة الأسطورية في كتابه الكلاسيكي Farewell Arabia الصادر عام 1966، واصفاً نزاع البريمي الشهير بين الرياض ومسقط والإمارات المتصالحة التي ستُصبح لاحقاً الإمارات العربية المتحدة.

ذلك الشيخ الذي أبى الرشوة هو مؤسّس الإمارات وأبو رئيسها الحالي محمد بن زايد. واليوم، يخوض الابن مواجهةً شرسةً من نوعٍ مختلف مع وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

يقول Patrick Theros، الدبلوماسي الأمريكي السابق والسفير الذي وصل إلى المنطقة حين كانت جمرة البريمي لا تزال حارّة: «إذا جمعتَ الأيديولوجيا والعائلة والتاريخ معاً، فهمتَ جذور الخلاف السعودي-الإماراتي».

خلافٌ يرسم ملامح المنطقة

السعودية والإمارات في خصومةٍ مكشوفة اليوم على كلّ جبهةٍ تقريباً: من صحاري ليبيا إلى أسواق الطاقة العالمية. يقول الدبلوماسيّون والمحلّلون إنّ هذا الخلاف سيُحدّد إلى حدٍّ بعيد شكلَ الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، لا سيّما في ظلّ التساؤلات المتصاعدة حول مدى التزام الولايات المتحدة بالمنطقة في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وسيمتدّ أثر هذا التباين ليطال جيوب المستهلكين في آسيا وأوروبا وأمريكا.

هذا الشهر، انسحبت الإمارات من منظمة أوبك التي تقودها السعودية بعد 60 عاماً من العضوية، وأعلنت أبوظبي عزمها ضخّ ملايين البراميل الإضافية يومياً، ما قد يُمهّد لحربٍ أسعار مع الرياض في المستقبل، وفق ما يرى خبراء الطاقة.

على السطح، يبدو الخلاف تقنياً: الإمارات تريد ضخّ النفط بوتيرةٍ أسرع لجني الأرباح الآن، فيما تُفضّل السعودية إدارة العرض العالمي للحفاظ على الأسعار على المدى البعيد. لكنّ خلف هذا الخلاف التقني جرحاً أعمق.

أوبك في جوهرها تكتّلٌ من الدول المسلمة الغنية بالنفط تلتفّ حول السياسة الطاقوية تحت مظلّة السعودية. المملكة تمتلك ضعف احتياطيّات الإمارات النفطية، وتحتضن مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، وعدد سكّانها 35 مليون نسمة مقابل 10 ملايين فقط في الإمارات، منهم مليون مواطن إماراتي.

يقول Rob Geist Pinfold، الباحث في الأمن الدولي بـKing's College London: «السعودية تريد إسقاط نفوذها عبر أوبك ومجلس التعاون الخليجي، وترى نفسها القائد الطبيعي للخليج بحكم حجمها ومواردها. أمّا الإمارات فرغم صغرها، حقّقت تحوّلاً استثنائياً وأصبحت علامةً عالمية بامتياز، وترى أنّ الانصياع للسعوديّين يُقيّد حضورها على الساحة الدولية».

الوقوف في وجه السعوديّين والفرس

كانت مجتمعات التجّار الخليجية التي أسّست الإمارات تاريخياً محاصرةً بين الفرس شرقاً وقبائل نجد غرباً تلك المنطقة في وسط الجزيرة العربية التي خرج منها آل سعود. ويرى بعض المحلّلين أنّ نهج الرئيس محمد بن زايد الإقليمي ليس سوى نسخةٍ حديثة من تلك التنافسات القديمة، مُضخَّمةً بثروة النفط والتكنولوجيا.

يقول Theros: «الإماراتيّون نظروا دائماً إلى السعوديّين باعتبارهم جاراً متربّصاً يريد أن يجعلهم تابعين له، وكانوا في الوقت ذاته حذرين من المدّ الفارسي في الخليج. لكنّ MBZ قرّر في نهاية المطاف أنّ بإمكان دولةٍ خليجية صغيرة أن تقف في وجه السعوديّين والفرس معاً».

وقد برزت الإمارات بوصفها من أشدّ دول الخليج إلحاحاً على مواصلة الحرب على إيران، وبينما أمطرت إيران الإمارات بآلاف الصواريخ والمسيّرات، نشرت إسرائيل منظومات دفاع جوّي لحمايتها. كما طلبت الإمارات من الولايات المتحدة وصولاً طارئاً إلى الدولار الأمريكي.

وسعياً لتعويض صغر حجمها، راحت الإمارات تبني شراكاتٍ مع دولٍ ذات موقعٍ استراتيجي غرب حدودها، وهو ما أثار حفيظة السعودية التي لا تريد لجارتها الخليجية أن تمدّ نفوذها خارج حدودها.

الجارتان تدعمان أطرافاً متعارضة في الحرب الأهلية السودانية؛ وكان قد كشف عمق التوتّر بينهما في هذا الملفّ، حين تم الكشف بأنّ الرياض ضغطت على واشنطن لمعاقبة أبوظبي بسبب دعمها لقوّات الدعم السريع. وقُبيل اندلاع الحرب على إيران، شنّت السعودية ضرباتٍ ضدّ الحلفاء الانفصاليّين للإمارات في اليمن، وتعاونت مع سلطنة عُمان لمواجهة النفوذ الإماراتي في شرق اليمن.

النجاح في هذه الساحات سيمنح الإمارات العمق الاستراتيجي الذي تفتقر إليه: فإن انتصرت قوّات الدعم السريع في السودان، أصبح للإمارات حليفٌ على ساحل البحر الأحمر في مواجهة السعودية. وفي اليمن، يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إقامة دولةٍ مستقلّة على أراضٍ ذات قيمةٍ استراتيجية على ضفّة مضيق باب المندب. وقد سلّط إغلاق إيران لمضيق هرمز الضوء على أهمّية البحر الأحمر لصادرات النفط السعودية عبر خطّ الأنابيب الشرق-غرب. فضلاً عن ذلك، دعمت الإمارات جمهورية أرض الصومال الانفصالية التي اعترفت بها إسرائيل.

«تركيزٌ ضيّق ومهووس على المنافسين»

تداعت اليمن وليبيا والسودان إلى صراعاتٍ داخلية في أعقاب موجة الربيع العربي عام 2011. وفيما دعمت الإمارات القوى الانفصالية في تلك البلدان، آثرت السعودية دعم الجيوش النظامية والحكومات القائمة. وتصف الإمارات بعض تلك الحكومات، كما في اليمن والسودان، بأنّها «إسلامية».

يقول Hesham Alghannam، الباحث في Carnegie Endowment for International Peace والمدير العام لبرامج الدراسات الاستراتيجية والأمن الوطني في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية: «نهجنا السعودي يقوم على دعم الدولة الوطنية: الحفاظ على وحدتها وتعزيز مؤسّساتها وسيادتها، والمساهمة في إعادة بنائها لا في تفتيتها».

ويُضيف: «في المقابل، اتّسم الانخراط الإقليمي للطرف الآخر في أحيانٍ كثيرة بتركيزٍ استراتيجي ضيّق ومهووس على مكافحة الإسلاميّين والمنافسين السياسيّين، ممّا أضعف مؤسّسات الدولة وأعطى الميليشيات قوّةً وأفرز قوىً موازية تتحدّى السلطة الشرعية».

ويتابع: «نحن ندعم بوضوح مكافحة التطرّف والإرهاب، لكن عبر المؤسّسات الوطنية وفي إطار الدولة وسيادة القانون، لا من خلال تسليح الفاعلين من غير الدول أو ترسيخ الانقسامات الداخلية».

ثمّة مرحلةٌ جمعت الإمارات والسعودية في خندقٍ واحد. فقد أفزع صعود الإخوان المسلمين في انتخابات مصر عام 2012 الأسرتَين الحاكمتَين معاً. وفي اليمن، رأتا في صعود الحوثيّين أبناء مذهب الزيدية الشيعي تهديداً مشتركاً، وتعاونتا في فرض حصارٍ على قطر بسبب دعمها المزعوم للتيّارات السياسية التي تُهدّد ملكيّتَيهما.

يقول Neil Quilliam، الباحث المشارك في Chatham House والمتخصّص في شؤون الخليج: «في تلك الأيام الأولى حين كان MBS يصعد إلى الواجهة، كان التعاون وثيقاً للغاية. وكان MBZ في الأساس من أقنع MBS بمقاطعة قطر».

غير أنّ Quilliam يرى أنّ تلك الوحدة كانت استثناءً لا قاعدة. ففي عام 2009، انسحبت الإمارات من مشروع الاتحاد النقدي لمجلس التعاون الخليجي غاضبةً من قرار جعل مقرّ المجلس في الرياض بدلاً من أبوظبي.

يقول Kristian Coates Ulrichsen، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بـBaker Institute: «كان الأمر أشبه بخلافٍ بين فرنسا وألمانيا على الاتحاد الأوروبي ينتهي بانسحاب أحدهما. قبل الربيع العربي، كان الانكسار المتوقَّع بين الإمارات والسعودية لا بين الإمارات وقطر. الربيع العربي جمعهما مؤقّتاً، لكن إذا أخذتَ المنظور البعيد ما قبل 2010 وما بعد 2020 فستجدهما في مواجهةٍ مستمرّة».

وسارعت السعودية إلى ترميم علاقتها مع قطر في وقتٍ أسرع من الإمارات؛ فرغم أنّ أبوظبي كانت طرفاً في اتفاق العُلا عام 2021 الذي أنهى الحصار رسمياً، لا تزال علاقتها مع الدوحة باردةً ومشحونةً بالريبة.

إسرائيل والولايات المتحدة

ولعلّ أجلى تجلّيات هذا التباين يظهر في الموقف من إسرائيل. حين طبّعت الإمارات علاقاتها مع إسرائيل عام 2020، خرجت عن توافقٍ عربي عمره عقودٌ يتجسّد في مبادرة السلام العربية التي صاغتها السعودية عام 2002، والتي تشترط إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة على حدود ما قبل 1967 شرطاً للتطبيع.

وبينما كانت السعودية تدرس التطبيع في عهد الرئيس Biden، أغلقت الحرب الإسرائيلية على غزّة هذا الباب. وقد وصفت الأمم المتحدة وخبراء حقوق الإنسان ما يجري في القطاع بأنّه إبادةٌ جماعية، راح ضحيّتها أكثر من 72,600 شهيد فلسطيني. وقد أيّد ولي العهد محمد بن سلمان هذا التوصيف علناً، فيما كشف استطلاعٌ أجراه The Washington Institute for Near East Policy أواخر عام 2023 أنّ 96% من السعوديّين يرون وجوب قطع العلاقات مع إسرائيل.

يقول Quilliam: «السياسة في السعودية تعود إلى نموذجها التوافقي التقليدي. أمّا في الإمارات فثمّة تنوّعٌ في الآراء حول إسرائيل، لكنّ MBZ لا يشعر بأنّه مضطرٌّ للاكتراث بذلك. وقد بات MBS يرى أنّ بعض مواقف MBZ الجريئة باتت عبئاً، وأصبح أكثر استيعاباً لمزاج الشارع العربي».

وقد زاد الحرب على إيران تعميقاً للهوّة بين البلدين. كلٌّ منهما مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتحدة، لكنّهما يبنيان تكتّلاتٍ متنافسة مع شركاء واشنطن الآخرين: الإمارات تُضاعف رهانها على الشراكة مع إسرائيل، فيما تبني السعودية تحالفاً يضمّ تركيا ومصر وباكستان.

يختم Theros: «لا الإمارات ولا السعودية تستطيعان التخلّي عن الولايات المتحدة. لكنّ تلك التحالفات الجديدة ستنمو».

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يتحدث أمام علم أمريكي، مشيراً بيده، بينما تظهر أيدٍ مرفوعة في الخلفية، في سياق حديث حول مكافحة تهريب المخدرات.

غارة عسكرية أميركية على زورق مخدّرات في المحيط الهادئ تودي بحياة شخصين

في المحيط الهادئ الشرقي، تواصل الولايات المتحدة حربها ضد كارتيلات المخدرات، حيث أسفرت ضربة عسكرية عن مقتل رجلين ونجاة واحد. هل ستنجح هذه الاستراتيجية في تحقيق الأمن القومي؟ اكتشف المزيد عن تداعيات هذه الحملة المثيرة.
سياسة
Loading...
الجنرال باراك حيرام يرتدي زي الجيش الإسرائيلي، يقف أمام منزل مدمر في كيبوتس بئيري، بعد هجمات حركة حماس في أكتوبر 2023.

رئيس الأركان الإسرائيلي يرشح قائداً دمّر جامعة غزة لمنصب عسكري كبير

في خضم الجدل الإسرائيلي، يبرز الجنرال باراك حيرام كمرشح مثير للجدل لمنصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء نتنياهو. ما هي تفاصيل مسيرته العسكرية والتحديات التي واجهها؟ تابعونا لاكتشاف المزيد حول هذا القائد العدواني المثير للجدل.
سياسة
Loading...
طفل يجلس على حطام مبنى مدمر في غزة، محاط بمخلفات الحرب، مما يعكس الأثر الإنساني للصراع المستمر في المنطقة.

قوّة شرطة غزة الجديدة: الإمارات تخصّص 100 مليون دولار لتدريبها

في خطوة مفاجئة، أعلنت الإمارات عن تبرع بقيمة 100 مليون دولار لمجلس السلام، لدعم وحدة شرطية فلسطينية في غزة. هذا التحول التاريخي يعكس التزام الإمارات بالأمن والاستقرار في المنطقة. تابعوا التفاصيل المثيرة!
سياسة
Loading...
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يغادر غرفة مؤتمرات، مع انعكاس صورته على الزجاج، في سياق زيارته لروما لمناقشة قضايا دبلوماسية حساسة.

روبيو يلتقي ميلوني: واشنطن وروما تسعيان لتخفيف التوترات حول إيران

تتجه الأنظار إلى روما مع وصول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حاملاً ملفات شائكة تتعلق بالحرب على إيران وأزمة العلاقات مع الفاتيكان. هل ستنجح إيطاليا في الحفاظ على توازنها الدبلوماسي؟ تابعوا التفاصيل المثيرة!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية