حكاية فيلم الحرب الباردة والذكاء الاصطناعي اليوم
في فيلم WarGames قصة مراهق يخترق نظام الدفاع الأمريكي عن طريق الخطأ، يعيدنا الفيلم لمخاوفنا من الذكاء الاصطناعي والقرارات البشرية التي قد تؤدي لكارثة حقيقية اكتشف تفاصيلها مع وورلد برس عربي.

في مشهدٍ صار جزءاً من الذاكرة البصرية لجيلٍ كامل، يجلس مراهقٌ من سياتل أمام حاسوبه المنزلي، يُدخل رقماً هاتفياً تلو الآخر بحثاً عن لعبة فيديو لم تصدر بعد، ليكتشف أنه اخترق من دون أن يدري نظام الدفاع الأمريكي. هذا الكادر، الذي صوّره المخرج جون بادهام (John Badham) عام 1983 في فيلم "WarGames"، يعود اليوم إلى الشاشة لا بوصفه حنيناً سينمائياً فحسب، بل بوصفه مرآةً لمخاوفنا الراهنة من الذكاء الاصطناعي.
القصة التي أعادت تقديمها سلسلة "IndieWire After Dark" الزاوية الأسبوعية التي تُسلّط الضوء على أفلام منتصف الليل من تاريخ السينما كل ليلة جمعة تُبنى على صيغةٍ ثابتة: "الطُّعم" (The Bait) الذي تكتبه أليسون فورمان (Alison Foreman) يقدّم الفيلم للمُشاهد المتردّد، و"العضّة" (The Bite) التي تكتبها سارة شاكات (Sarah Shachat) تمنحه توصيةً كاملة، من دون تحفّظٍ على حرق الأحداث.
لماذا يعود فيلمٌ عن الحرب الباردة إلى الواجهة الآن؟
قبل عشرة أيام من نشر المقال، استقال باحثٌ في شركة Anthropic للذكاء الاصطناعي، محذّراً من أن هذه التقنية قد تقتل البشرية جمعاء بحلول نهاية العقد. الخبر الذي تناولته فوربس (Forbes) في تقريرٍ مفصّل عن تحذير الباحث أثار موجة ردود فعل متفاوتة على الإنترنت، تراوحت بين الذعر الحقيقي والانزعاج الساخر، وأوجزها كثيرون في سؤالٍ واحد: "حسناً، لكن كيف؟" (OK, but how?).
تكتب شاكات أنها تذكّرت، وهي تستقبل نشرة WIRED الإخبارية تتحدّث عن كارثةٍ مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تلوح في الأفق، أنها "لم تكن لتتخيّل أبداً أنها ستشاهد WarGames اليوم، لكنه كان بطريقةٍ ما الفيلم المثالي لمشاهدته اليوم". فالفيلم، رغم أنه خيالٌ علمي لا علاقة له بالذكاء الاصطناعي التوليدي المعاصر، يطرح السؤال نفسه الذي يطرحه عصرنا: هل الآلة هي التهديد، أم القرارات البشرية التي تُسلّم لها زمام الأمور؟
حاسوبٌ اسمه جوشوا، ومراهقٌ يختار الجانب السوفيتي
في الفيلم، يؤدي ماثيو برودريك (Matthew Broderick) شخصية ديفيد لايتمان، مراهقاً من سياتل يشعر بالملل فيغيّر درجاته في كشف العلامات الرقمي من منزله، ويعدّل درجته في مادة الأحياء عبر خط الهاتف الأرضي ليثير إعجاب فتاة. أثناء بحثه عن لعبة فيديو غير منشورة، يخترق نظام هاتفٍ يقوده عن غير قصد إلى حاسوب "وقر" (WOPR)، اختصاراً لعبارة "War Operation Plan Response"، التابع لمنظومة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (NORAD). يطلب ديفيد من الحاسوب أن يلعب معه لعبة "GLOBAL THERMONUCLEAR WAR"، ويختار الجانب السوفيتي في المواجهة الافتراضية قرارٌ بسيط يكاد يشعل حرباً نووية حقيقية.
إلى جانب برودريك، تؤدي آلي شيدي (Ally Sheedy) دوراً محورياً، وتكتب شاكات عن اختيار الممثلة: "يا للعجب، حين تختار آلي فهي تعرف كيف تختار". يشارك في التمثيل أيضاً جون وود، ودابني كولمان، وباري كوربن، وموري تشايكين، وإيدي ديزن، وجون سبنسر الأخير يؤدي دور كابتن في القوات الجوية مسؤول عن الإشراف على عمليات الإطلاق النووي الانتقامي، وهي المشاهد التي تفتتح الفيلم. وفي إحدى اللحظات الجانبية، يوبّخ تشايكين شخصية ديزن قائلاً إنه يتصرّف بوقاحة تفصيلٌ صغير من نسيج الفيلم الكوميدي الذي يخفّف من ثقل موضوعه الوجودي.
كتب السيناريو لورانس لاسكر ووولتر ف. باركس، ونالا عنه ترشيحاً لجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. أدار التصوير السينمائي ويليام أ. فراكر، ووضع الموسيقى التصويرية آرثر ب. روبنشتاين. وتكتب شاكات ممازحةً إنها كانت لتمنح تقييم "10/10" لنسخةٍ افتراضية من الفيلم تقتصر فقط على "والدَي بروديريك المحرجين وهما يدهنان الذرة النيئة بالخبز الأبيض ويترنّحان من يومٍ ضبابي إلى آخر في الضواحي" إشارة إلى التفاصيل الصغيرة لثقافة الطبقة الوسطى الأمريكية في الثمانينيات، وهي الحقبة التي شهدت أيضاً تسليع الثقافة المضادة لجيل إكس (Gen X) وتحويلها إلى منتجٍ سينمائي مألوف على طريقة أبطال أفلام جون هيوز.
حين شاهد ريغان الفيلم في كامب ديفيد
لم يبقَ أثر "WarGames" حبيس الشاشة. فقد عُرض الفيلم أول مرة في مهرجان كان، حيث أثار نقاشاً بين الحضور حول سيكولوجيا الطاعة العسكرية. وفي عطلة نهاية أسبوع افتتاحه، شاهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان الفيلم في منتجع كامب ديفيد. بعد أيام قليلة، أعاد ريغان سرد حبكة الفيلم في اجتماعٍ مغلق مع الكونغرس، وسأل رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جون فيسي جونيور عمّا إذا كان اختراق مراهقٍ لأنظمة الدفاع أمراً ممكناً فعلاً. عاد فيسي بعد أسبوعٍ واحد ليؤكد له أن الأمر خطير بالفعل، قائلاً: "سيدي الرئيس، المشكلة أسوأ بكثير مما تظن". هذه الحادثة، الموثّقة في تقريرٍ لمجلة WIRED عن تاريخ ريغان مع الفيلم وفي بودكاست عن التاريخ السري للحرب السيبرانية، تكشف أن الخط الفاصل بين الخيال العلمي والسياسة الفعلية كان في تلك اللحظة أرقّ مما تخيّله أحد.
الآلة لا تدمّر وحدها
يكمن جوهر قراءة شاكات في فكرةٍ واحدة: حاسوب "جوشوا" كما يُسمّى وقر في الفيلم لا "يستطيع" أن يفعل هذه "الأشياء" وحده؛ فهو لا يملك القدرة على تدمير البشرية من دون تورّط بشري مباشر. الفيلم، من منظور 2026، يبدو ساذجاً ومفعماً بالأمل في آن، لأنه يرفض تقديم الآلة كمُدمّرٍ تلقائي أو كطريقٍ مضمون نحو المدينة الفاضلة. الشخصيات التي تخترق الأنظمة تُعامَل بشيءٍ من التعاطف، لا كأشرار من طرازٍ واحد، والحرب فيه تُصوَّر كلعبةٍ محصّلتها صفر، يخسرها الجميع في النهاية وهو ما يجسّده الحوار حول الشطرنج كبديلٍ عن الصراع الصفري.
وتلاحظ شاكات أن الفارق بين "لو" (if) حدثت الكارثة و"عندما" (when) تحدث، هو بالضبط ما يشغل النقاش المعاصر حول أتمتة صوامع الصواريخ النووية، رغم أن الأنظمة النووية اليوم لم تعد تعتمد على الأقراص المرنة (floppy disks) كما ذكّرت نيويورك تايمز في تقريرٍ سابق عن هذه الأنظمة. الفيلم، رغم كونه مصنوعاً بأدوات حقبةٍ تكنولوجية بدائية، يطرح أسئلةً عن الكفاءة والأتمتة والفاعلية البشرية والتعاطف وهي بالضبط الأسئلة التي تحاصرنا اليوم ونحن نقرأ عن استقالة باحثٍ يحذّر من نهاية العالم.
تختم شاكات مراجعتها بجملةٍ توجز المفارقة كلّها: "لطالما عشنا في مِحفّة العذاب" (We have always lived in the Torment Nexus) إشارة إلى أن الفن المستقبلي، حين يتعامل مع الأهوال المستحيلة وكأنها حتمية، غالباً ما يكون قد سبقنا إلى إدراك ما نرفض تصديقه. فالخطر، كما يقوله فيلمٌ عمره أكثر من أربعين عاماً، لم يكن يوماً في الآلة وحدها، بل في اليد التي تختار الضغط على الزر.
وتستمر سلسلة "IndieWire After Dark" في سبتمبر القادم بحلقةٍ عن فيلم "Remember Me"، ضمن قائمةٍ متنوعة من العناوين السابقة شملت "New Jack City" (1991)، و"The Phantom Empire" (1935)، و"The Glimmer Man" (1996) — تذكيرٌ بأن منتصف الليل السينمائي لا يزال، كما كان دائماً، مساحةً لطرح الأسئلة الكبرى عبر أفلامٍ صغيرة.
أخبار ذات صلة

نجم "Heated Rivalry" هدسون ويليامز يشعل فوضى في مهرجان تورونتو السينمائي ويلمّح لموسم ثانٍ

تورونتو السينمائي: كوميديا روك تستحوذ على الجمهور وفيلم فاريلي يحصد التصفيق

الحياة والموت والتحنيط: موسيقى الرعب الجسدي بين السخرية والرومانسية السوداء
