نجم يحتضر يعود للحياة ليكشف أسرار الكون
نجم Sakurai's Object يكسر قواعد الفلك بتحوله الجذري خلال عقود قليلة فقط، ما يمنح العلماء فرصة نادرة لمتابعة تطور النجوم المحتضرة مباشرة واختبار نظريات جديدة حول حياة النجوم ومصيرها النهائي في الكون مع وورلد برس عربي.

في عالم الفلك، تُقاس حياة النجوم عادةً بالملايين والمليارات من السنين، وهو ما يجعل علماء الفلك يُعيدون تركيب مسارات النجوم بالنظر إلى أجرامٍ مختلفة في مراحل متفاوتة، كمن يُحاول فهم حياة إنسانٍ بالنظر إلى أشخاصٍ مختلفين في أعمارٍ مختلفة. لكنّ نجماً يقع على بُعد نحو 10,000 سنة ضوئية من الأرض يكسر هذه القاعدة كسراً نادراً: فقد تحوّل جوهرياً في غضون عقودٍ قليلة، وهو ما يمنح العلماء فرصةً استثنائية لمشاهدة تطوّر النجوم وهو يجري أمامهم في الزمن الحقيقي.
هذا النجم هو ما يُعرف علمياً بـ Sakurai's Object، أو بتسميته الفلكية الرسمية V4334 Sagittarii، الذي استأثر باهتمام علماء الفلك منذ أن «أحيا» نفسه عام 1996 في مشهدٍ نادر للغاية. وقد نشرت دورية Monthly Notices of the Royal Astronomical Society يوم الأربعاء 16 سبتمبر دراسةً جديدة تكشف تفاصيل مرحلته الراهنة، وتُعيد طرح أسئلة جوهرية حول النماذج النظرية لتطوّر النجوم المحتضرة.
نجمٌ مات ثم عاد ثم بدأ يحتضر مجدداً
القصة تبدأ من نهايتها: كان Sakurai's Object نجماً يُشبه شمسنا، قبل أن ينفد وقوده النووي ويبدأ مسيرته نحو التحوّل إلى قزمٍ أبيض وهو المصير الذي ينتظر شمسنا بعد نحو 4.6 مليار سنة. لكنّ ما جرى لهذا النجم لم يكن موتاً هادئاً؛ إذ شهد ما يُسمّيه العلماء «نبضة حرارية متأخرة جداً» (very late thermal pulse)، وهي ظاهرة تحدث حين يُشتعل الهيليوم داخل النجم فجأةً من جديد.
هذا الاشتعال لم يكن إحياءً حقيقياً، بل كان أشبه بتوهّجٍ أخير: توسّع النجم بسرعة وبرد، وطرد كمياتٍ هائلة من موادّه إلى الفضاء، وعاد بذلك إلى مرحلةٍ تطوّرية سابقة. والنتيجة؟ غلافٌ كثيف من الغاز والغبار يُحيط بالنجم، يجعل دراسته المباشرة أمراً عسيراً. واليوم، بعد عقودٍ من تلك الصحوة الدرامية عام 1996، يعود النجم إلى الاحترار من جديد، في حين يُلقي بمزيدٍ من موادّه إلى الفضاء عبر رياحٍ نجمية عاتية، ويمتدّ عبر منطقةٍ بحجم المجموعة الشمسية.
ما تقوله الأرقام، وما تقوله النماذج
استخدم الباحثون تلسكوب Very Large Telescope لرصد هذا النجم، ثم قارنوا ملاحظاتهم بنماذج تُحاكي أجواء نجوم Wolf-Rayet ورياحها الشديدة. ما توصّلوا إليه يُعدّل صورةً كانت مرسومةً في الأذهان: درجة حرارة Sakurai's Object تتراوح حالياً بين 27,000 و36,000 درجة مئوية (أي ما بين 35,700 و48,000 درجة فهرنهايت)، وهو يُعيد احترار نفسه، لكن بوتيرةٍ أبطأ مما تنبّأت به بعض النماذج السابقة.
يقول Albert Zijlstra من Jodrell Bank Centre for Astrophysics بجامعة The University of Manchester، وهو أحد الباحثين المشاركين في الدراسة: «أحد الأسئلة المحورية هو مدى سرعة تعافي Sakurai's Object بعد اندلاعه الدرامي. وتُظهر قياساتنا أنّ النجم يُعيد احترار نفسه بصورةٍ أكثر تدرّجاً مما تنبّأت به بعض النماذج السابقة.»
ويُضيف: «هذا يمنحنا وسيلةً مهمّة لاختبار النظريات التي تصف بشكلٍ أفضل ما يجري حين ينبض نجمٌ محتضر بالحياة مجدداً للحظةٍ قصيرة.»
ظاهرةٌ رُصدت مرّتين في تاريخ الفلك
ما يجعل هذا الملف أكثر إثارةً للاهتمام هو ندرته الشديدة: لم يرصد العلماء حتى الآن «نبضةً حرارية متأخرة جداً» إلّا في نجمَين اثنَين فحسب، هما Sakurai's Object وV605 Aquilae. وقد مرّ V605 Aquilae بتجربةٍ مماثلة قبل نحو 80 عاماً، وهو في مرحلةٍ تطوّرية أكثر تقدّماً من Sakurai's Object، ما يعني أنّ مقارنة النجمَين تُتيح للعلماء رؤية مراحل متتالية من نفس المسار في جسمَين مختلفَين.
يصف Zijlstra أهمية هذا النجم بعبارةٍ لافتة: «يُقدّم Sakurai's Object شيئاً أكثر ندرةً بكثير. فهو أحد النجوم القليلة جداً المعروفة بأنّها تغيّرت تغيّراً جذرياً في غضون عقودٍ قليلة فحسب، ممّا يمنحنا الفرصة لمشاهدة تطوّر النجوم وهو يتكشّف في الزمن الحقيقي.»
ويتابع في السياق ذاته: «بفضل ملاحظاتنا، يمكننا اختبار نظريات تطوّر النجوم واكتساب رؤى جديدة حول إحدى أقصر المراحل وأقلّها فهماً في حياة نجمٍ محتضر.»
مسارٌ نحو القزم الأبيض، والمراقبة مستمرّة
Sakurai's Object يسير الآن نحو مصيره المحتوم: التحوّل إلى قزمٍ أبيض، وهو جرمٌ كثيف يتشكّل بعد أن ينفد وقود النجم كلياً. لكنّ الطريق إلى ذلك المصير تكتنفه تفاصيل لا تزال موضع بحثٍ ونقاش، وهو ما يجعل المراقبة المستمرّة لهذا النجم ذات قيمةٍ علمية استثنائية.
يختتم Zijlstra بالقول: «مع استمرارنا في رصد النجم خلال السنوات المقبلة، نتوقّع أن نتعلّم الكثير عن هذه المرحلة الاستثنائية من التطوّر النجمي.»
السؤال الذي يظلّ مفتوحاً أمام الفريق البحثي ليس فقط كيف سيتطوّر Sakurai's Object في المستقبل، بل أيّ النماذج النظرية سيُصادق عليه المسار الفعلي للنجم وهو اختبارٌ نادر لا تُتيحه الطبيعة إلّا في استثناءاتٍ كهذه.
أخبار ذات صلة

بدلة الفضاء الأوروبية الجديدة تحتاج تطويراً أكثر، رائد فضاء فرنسي: «نحن في البدايات»

الخلايا التي تُرسل دماغنا إلى النوم

الجميع يتحدثون عن شفق الاعتدالين الخريفي والربيعي، لكن قمر الحصاد قد تكون لديه خطط أخرى.
