رحلة طائرة ذاتية القيادة تكشف مستقبل الطيران الدفاعي
شركة Joby Aviation تحقق أول رحلة طيران ذاتي بالكامل عبر أمريكا بطائرة معدلة تقليدية مع طيار احتياطي لأسباب تنظيمية وتوسع نشاطها نحو الطيران الدفاعي والشحن الطبي لتعزيز مصادر دخلها وانتظار الموافقات المدنية وورلد برس عربي

هل تعني عبارة "طيران ذاتي بالكامل" أن لا أحد كان يتحكم في الطائرة؟ الإجابة الدقيقة، كما هي العادة مع أي إعلانٍ تقني كبير، أكثر تعقيداً من العنوان. أعلنت شركة Joby Aviation يوم الجمعة أن طائرة ذاتية القيادة قطعت أكثر من 3100 ميل عبر الولايات المتحدة دون أن يتدخّل إنسان في التحكّم بها، ووصفت الشركة الرحلة بأنها "أول رحلة ذاتية القيادة عبر الولايات المتحدة" على الإطلاق. لكن التفاصيل تكشف أن طياراً كان موجوداً على متن الطائرة طوال الوقت — لأسباب تنظيمية لا تقنية.
الطائرة المستخدمة في التجربة ليست من طراز الطائرات الكهربائية الصغيرة التي اشتهرت بها Joby، بل طائرة Cessna Caravan تقليدية جرى تحويلها لتعمل بمنظومة الطيران الذاتي التي طوّرتها الشركة. وشملت الرحلة عمليات ذاتية بالكامل: التحرّك على المدرج، الإقلاع، الملاحة، والهبوط، بينما راقبت Joby الطائرة عن بُعد من مقرّها الرئيسي في كاليفورنيا ومن قاعدة Shaw الجوية في ولاية كارولاينا الجنوبية. الطيار الذي بقي على متنها لم يكن يقود الطائرة فعلياً، بل كان حاضراً امتثالاً لمتطلبات السلامة التنظيمية المعمول بها حالياً — وهو تفصيل يستحق التوقّف عنده، لأنه يذكّرنا بأن "الذاتية الكاملة" في الطيران، كما في السيارات، غالباً ما تكون ذاتية بإشرافٍ بشري احتياطي، لا بغيابه التام.
الطائرة لن تبقى في الشرق؛ فهي مقرّرة أن تعود إلى الساحل الغربي خلال الأسبوعين المقبلين، بمحطّات توقّف في لويزفيل بولاية كنتاكي، وسولت ليك سيتي. وتقول Joby إن منظومة الطيران الذاتي أثبتت قدرتها على التعامل مع بيئات ومهام متنوّعة خلال الرحلة — وهي الجملة التي تكشف الهدف الحقيقي من وراء هذه التجربة: لا يتعلّق الأمر بطائرة واحدة، بل بإثبات مفهومٍ (Proof of Concept) يمكن تسويقه لعملاء مختلفين تماماً عن ركّاب سيارات الأجرة الجوية.
من "أجرة جوية" إلى مقاول دفاعي؟
اشتهرت Joby Aviation بتطوير طائرات كهربائية عمودية الإقلاع والهبوط (eVTOL)، تستهدف بها خدمة أجرة جوية حضرية لنقل الركّاب في رحلات قصيرة داخل المدن. وقد أمضت الشركة سنوات في السعي للحصول على شهادة الطراز (Type Certification) من الإدارة الفدرالية للطيران الأمريكية، وهي عملية بطيئة ومكلفة تُعرف بصعوبتها في قطاع الطيران، ولم تكتمل بعد.
لكن ما أظهرته رحلة الأسبوع الماضي هو أن الشركة توسّع رهانها إلى ما هو أبعد من نقل الركّاب المدنيين. منظومة الطيران الذاتي التي بنتها Joby مصمَّمة لتُركَّب على مجموعة واسعة من الطائرات التقليدية القائمة، لا على طرازاتها الكهربائية فقط. وتخطّط الشركة لبناء طائرة إقليمية جديدة تستخدم هذه المنظومة، يمكن توظيفها في مهام دفاعية ونقل بضائع تجاري على حدٍّ سواء. ومن بين الاستخدامات المحتملة التي تطرحها Joby: النقل الطبي الطارئ، الاستجابة للكوارث، ولوجستيات دفاعية — وهي قائمة تعكس، عملياً، محاولة الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن رهانٍ وحيدٍ على تصريح تنظيمي قد يتأخّر.
من يموّل هذا التحوّل؟
خلف هذا التوسّع، هناك سلسلة صفقات وعقود يستحق القارئ معرفتها قبل أن يحكم على حجم الطموح. حصلت Joby على دعمٍ لهذا المشروع من برنامج AFWERX التابع لسلاح الجو الأمريكي، عبر عقدٍ بقيمة 17 مليون دولار. وفي أغسطس الماضي، استحوذت الشركة على Resonant Sciences، وهي شركة مقرّها ولاية أوهايو متخصّصة في أنظمة الترددات الراديوية وأجهزة الاستشعار، مقابل 500 مليون دولار نقداً وأسهماً — صفقة ضخمة أُدمجت ضمن وحدة أعمالٍ دفاعية مخصّصة داخل Joby، تشمل مشاريع لتطوير طائرات تعمل بتقنيات التوربين الكهربائي والهيدروجين الكهربائي، إضافة إلى منظومة الطيران الذاتي نفسها.
هذا الانخراط في القطاع الدفاعي ليس جديداً على الشركة؛ فلدى Joby علاقة قديمة مع وزارة الدفاع الأمريكية. وفي العام الماضي، وقّعت اتفاقاً مع شركة L3Harris Technologies، المقاول الدفاعي المعروف، لاستكشاف فئة جديدة من الطائرات الدفاعية ذاتية القيادة تعتمد على تقنية هجينة تجمع بين التوربين الغازي والإقلاع والهبوط العمودي. وصفت الشركتان الاتفاق بأنه فرصة "لاستكشاف الفرص" المشتركة — عبارة فضفاضة تُستخدم عادةً حين لا يكون هناك التزامٌ تعاقدي محدّد بعد، لكنها تكفي لرسم اتجاه واضح: Joby لم تعد شركة "طائرات أجرة جوية" فحسب، بل صارت لاعباً يسعى لموطئ قدمٍ في سوق الطيران الذاتي الدفاعي، وهو سوق أكثر ربحية على المدى القريب من سوق الركّاب المدنيين الذي لا يزال رهين موافقات تنظيمية معقّدة.
السؤال الذي يستحق المتابعة ليس ما إذا كانت الطائرة طارت فعلاً بلا طيار متحكّم — فهذا حدث بالفعل — بل ما إذا كانت هذه القفزة نحو الدفاع والشحن ستمنح Joby الإيرادات التي تحتاجها بينما تنتظر شهادة الطراز المدنية، أم أنها ستحوّل شركة كانت تُقدَّم كرمزٍ لمستقبل التنقّل الحضري النظيف إلى مقاولٍ دفاعي آخر تحت غطاء تسويقي كهربائي.
أخبار ذات صلة

الطاقة البحرية والأنظمة الهجينة: مختبرٌ يختبر التكامل قبل الاستثمار

Anthropic تختار Accenture لتقييم نماذجها الذكية

بطارية Vistra في Moss Landing تشتعل مجدداً
