سر الشفق القطبي وكيفية مشاهدته في الاعتدال
تعرّف على سر انتظام الشفق القطبي قرب الاعتدالين وكيف يؤثر ميل الأرض والمجال المغناطيسي في ظهوره. اكتشف كيف تؤثر إضاءة القمر على الرصد ونصائح لتحسين فرص مشاهدة هذا المشهد السماوي الساحر مع وورلد برس عربي.

في شتاء العام الماضي، قطعتُ رحلتين متتاليتين بحثاً عن الشفق القطبي: الأولى إلى شمال كندا، والثانية إلى شمال السويد. لم يكن الأمر مجرّد مغامرة، بل كان سؤالاً علمياً يستحقّ الاختبار الميداني: هل تنتظم ظاهرة الشفق القطبي فعلاً وفق إيقاع فلكي يمكن التنبّؤ به؟ الجواب، كما تقول البيانات، نعم وموسم سبتمبر 2026 فرصةٌ لمن يريد أن يفهم السبب.
لماذا يبلغ الشفق ذروته قرب الاعتدالين؟
يُظهر النشاط المغناطيسي الأرضي نمطاً نصف سنوي واضحاً: ارتفاعٌ في مارس وارتفاعٌ في سبتمبر، مع هدوءٍ نسبي بينهما. والتفسير العلمي لهذا النمط يعود إلى ما يُعرف بـ«تأثير Russell-McPherron»، وهو نظرية في الفيزياء الفلكية تربط بين ميل محور الأرض المغناطيسي وزاوية تفاعله مع المجال المغناطيسي بين الكواكب (Interplanetary Magnetic Field — IMF)، أي المجال الذي تحمله الرياح الشمسية من الشمس عبر الفضاء.
المسألة في جوهرها هندسية: كي تدخل طاقة الرياح الشمسية إلى الغلاف المغناطيسي للأرض، يجب أن يكون المجال المغناطيسي بين الكواكب موجَّهاً نحو الجنوب أي سالباً وهو ما يجعله يتعارض مع المجال الأرضي الموجَّه نحو الشمال، فتتّصل الحقلان ويفتح الباب أمام الطاقة الشمسية. وكما أوضحتُ في تقرير سابق: «المجال المغناطيسي الجنوبي أو السالب بالغ الأهمية تحديداً لأنّه يشير في الاتجاه المعاكس للمجال الأرضي الشمالي، ما يسمح للحقلين بالاتصال ولطاقة الرياح الشمسية بالدخول إلى البيئة المغناطيسية للأرض».
أمّا دور الاعتدالين تحديداً، فيكمن في الهندسة المدارية. مع دوران الأرض حول الشمس، تتغيّر زاوية توجّه مجالها المغناطيسي بالنسبة إلى المجال بين الكواكب، وتصبح هذه الزاوية مواتيةً بصورة أكبر قرب الاعتدالين. بعبارةٍ أبسط: «ما يصفه تأثير Russell-McPherron هو كيف يجعل التغيّر في توجّه الأرض وهي تدور حول الشمس هذا الترتيب المغناطيسي الملائم أكثر احتمالاً قرب الاعتدالين».
يقع اعتدال سبتمبر 2026 في الساعة 8:05 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (EDT) من يوم 22 سبتمبر، حين تعبر الشمس خطّ الاستواء السماوي متجهةً جنوباً. لكنّ هذا التوقيت الفلكي الدقيق لا يعني أنّ الشفق سيظهر بالضرورة في تلك الليلة؛ الاعتدال يُحسّن الاحتمالات الإحصائية، لا يضمن العرض.
التناقض المُزعج: إحصاءات أفضل وسماء أكثر إضاءةً
هنا تكمن المشكلة لعام 2026 تحديداً. يوم 18 سبتمبر، يبلغ القمر ربعه الأول، ثمّ يواصل تنامياً ليصل إلى «قمر الحصاد» الكامل في 26 سبتمبر. هذا يعني أنّ ليلة الاعتدال والأيام التالية ستشهد قمراً محدباً متنامياً يُلوّث السماء بضوئه، ويُصعّب رصد الشفق الخافت. وكما لخّصتُ هذا الوضع: «موسم الشفق القطبي في اعتدال هذا العام يأتي مع تناقضٍ مُزعج — الإحصاءات تتحسّن، لكنّ السماء تزداد إضاءةً».
غير أنّ هذا ليس حكماً نهائياً بالإحباط. فضوء القمر يُعيق رؤية الشفق الخافت، لكنّه لا يُخفي العروض القوية. «بالنسبة للشفق القوي، هذا ليس بالضرورة مشكلة. فالعرض الزاهي يمكنه أن يخترق ضوء القمر بجمال، والمشاهد المضاءة بالقمر يمكن أن تجعل صور الشفق أكثر إثارةً للاهتمام». بمعنى آخر: إن جاء الشفق قوياً بما يكفي، فإنّ القمر يُضيف لا يطرح.
وفي السياق ذاته، يُضيف المشهد الفلكي لتلك الأيام عنصراً لافتاً: في 18 سبتمبر 2026، تبلغ الزهرة (Venus) أقصى لمعانها بقدرٍ يصل إلى -4.8، وتظهر منخفضةً في الأفق الغربي بعد الغروب. وعند غروب الشمس في 22 سبتمبر، تشرق كوكبات الخريف Perseus وPegasus وPisces لتملأ السماء بخريطتها المألوفة.
كيف تُحسن حظوظك في رؤية الشفق؟
النصيحة العملية الأولى هي متابعة توقعات الطقس الفضائي بانتظام، إذ تُحدَّث هذه التوقعات باستمرار وتُنبّه إلى الانبعاثات الكتلية الإكليلية (coronal mass ejections) والتيارات السريعة للرياح الشمسية التي تُغذّي الشفق. «إن كان النشاط متوقّعاً، ابحث عن موقعٍ يتيح أفقاً شمالياً مفتوحاً مع أقلّ قدرٍ ممكن من الإضاءة الاصطناعية».
أمّا التوجّه نحو الشمال بدقّة، فيمكن إنجازه بالعين المجرّدة عبر كوكبة Ursa Major الشهيرة. النجمان اللذان يُشكّلان الحافة الخارجية لـ«صحن» الكوكبة هما Merak في الأسفل وDubhe في الأعلى. «تخيّل خطاً يمتدّ من Merak عبر Dubhe، ثمّ واصله تقريباً نحو الأعلى. سِر نحو خمسة أضعاف المسافة بين هذين النجمين، وستصل إلى Polaris، نجم الشمال». يظهر الشفق القطبي في الغالب قرب Polaris أو باتجاه الأفق الشمالي، خاصةً عند خطوط العرض المنخفضة.
الشفق القطبي ظاهرةٌ تجمع الفيزياء والجمال في مشهدٍ واحد: طاقةٌ شمسية تُحوَّل عبر تفاعلات مغناطيسية معقّدة إلى ضوءٍ يرقص في السماء. الاعتدال يفتح النافذة الإحصائية، والطقس الفضائي يُقرّر ما يمرّ منها. ما يبقى مفتوحاً هو السؤال الذي يواجه كلّ من يُخطّط لرصد الشفق هذا الخريف: هل سيكون النشاط الشمسي بالقوة الكافية لاختراق ضوء قمر الحصاد وإضاءة السماء الشمالية رغمه؟ الإجابة ليست في يد أحد وهذا بالضبط ما يجعل الانتظار مُثيراً.
أخبار ذات صلة

بدلة الفضاء الأوروبية الجديدة تحتاج تطويراً أكثر، رائد فضاء فرنسي: «نحن في البدايات»

الخلايا التي تُرسل دماغنا إلى النوم

نجمٌ نادرٌ يُولَد من جديد... ويتغيّر مجدّداً
