ذكاء اصطناعي لإنقاذ مراقبة الملاحة الجوية المتعثرة
تجربة نظام ذكاء اصطناعي جديد في مراقبة الملاحة الجوية يحلل حركة الطيران ويتنبأ بنقاط التعارض لكنه لا يتحكم بالقرارات النهائية. خطوة مهمة لمواجهة نقص المراقبين لكن تبقى مسؤولية الخطأ تحدياً كبيراً وورلد برس عربي يسلط الضوء.

هل يمكن لخوارزمية أن تعوّض النقص الحادّ في عدد مراقبي الملاحة الجوية؟ هذا السؤال الذي طرحه كثيرون بعد كارثة 29 يناير 2025 فوق واشنطن تحاول الإدارة الفدرالية للطيران الأمريكية (FAA) الإجابة عنه، ولو جزئياً، عبر تجربة محدودة تبدأ الإثنين 21 سبتمبر لنظام ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم SMART، في ثلاث من كبرى مطارات منطقة واشنطن العاصمة. والسؤال الأهم الذي سيحدّد مستقبل هذا النظام ليس تقنياً بحتاً، بل يتعلق بمن يتحمّل المسؤولية إذا أخطأ التنبؤ.
ماذا يفعل SMART فعلياً؟
النظام، كما يشرحه [الملخص الرسمي للـ FAA، لا يتحكّم في الطائرات ولا يغيّر شيئاً في إجراءات العمل الحالية للمراقبين أو شركات الطيران خلال هذه المرحلة الأولى. وظيفته أضيق من ذلك: يحلّل جداول الرحلات وحالة الطقس وسعة المطارات وأوضاع المجال الجوي، ليتوقّع تدفقات الحركة الجوية ويحدّد نقاط التعارض المحتملة قبل حدوثها. ثم يُمرّر هذه التوقّعات إلى الأنظمة الحالية للـ FAA على شكل ما وصفه مسؤولون في قطاع الطيران، في حديثهم إلى بوليتيكو، بـ"معلومات مسارات بديلة". بعبارة أخرى: السلطة النهائية للقرار تبقى بيد الإنسان، والذكاء الاصطناعي هنا مستشار، لا قائد.
النطاق الجغرافي المتوقّع لهذه التجربة، وفق فيليب مان، الخبير الذي عمل 17 عاماً في مواقع مختلفة داخل الـ FAA وأصبح الآن مستشاراً رئيسياً في شركة Vector Strategic Consulting LLC، يغطّي "حركة العبور في ذلك المجال الجوي، بالإضافة إلى الصعود والهبوط المُغذّيين لمطارات العاصمة"، عند ارتفاعات تبدأ من 24 ألف قدم فأعلى. أي أن التجربة، في هذه المرحلة، لا تلمس حركة الإقلاع والهبوط القريبة من المدرجات مباشرة، بل الطبقة الأعلى من المجال الجوي.
عقد بـ 875 مليون دولار، ومنصة تُدير 40% من حركة الجو الأمريكية
خلف SMART تقف شركة Air Space Intelligence التي تتخذ من بوسطن مقرّاً لها، وهي الجهة التي فازت في يونيو الماضي بعقد قيمته 875 مليون دولار يمتدّ 12 عاماً، ويشمل — إلى جانب SMART — استبدال نظام "Flow Management Data and Services" في مركز قيادة نظام مراقبة الحركة الجوية التابع للـ FAA في ولاية فيرجينيا. الشركة ليست جديدة على هذا النوع من العمل؛ فمنصتها Flyways تدير بالفعل، بحسب تصريحاتها، أكثر من 40% من حركة الطيران الأمريكية، وتضمّ من بين عملائها شركة Alaska Airlines، وتُقدّم ما تسمّيه "نسخة رقمية رباعية الأبعاد" للمجال الجوي الوطني الأمريكي.
هذا الرقم — 40% — مهمّ لأنه يعني أن الشركة لا تدخل هذا الملف من الصفر، لكنه لا يجيب عن السؤال الأكثر إشكالاً: أيّ نوع من نماذج الذكاء الاصطناعي يشغّل SMART بالضبط؟ الـ FAA لم تكشف هذا التفصيل. والفرق هنا ليس تقنياً مجرداً بل جوهري: النماذج الحتمية تعمل بقواعد ثابتة ونتائج متوقّعة، ونماذج التعلّم الآلي تعتمد تحليلاً إحصائياً واحتمالياً للأنماط، أما النماذج التوليدية فتُعرف بمخرجات متغيّرة قد تحمل أخطاء. يصف مان هذا الفارق بقوله إن الخطر في SMART "لم يكن أبداً في أي تنبؤ منفرد — إنه نظام على نطاق وطني تحمل مكوّناته من الذكاء الاصطناعي مجاهيل أكبر من أي شيء طرحته الـ FAA سابقاً". وهو يرى أن تضييق النطاق الجغرافي للتجربة إلى ثلاثة مطارات فقط كان "القرار الصحيح"، لأن "كل تقليص في النطاق يُصغّر حجم المجاهيل".
أزمة عمرها 44 عاماً لا تحلّها خوارزمية بمفردها
SMART لا يظهر في فراغ، بل في قلب أزمة مزمنة في القوى العاملة لمراقبة الملاحة الجوية تمتدّ جذورها إلى عام 1981، حين طرد الرئيس رونالد ريغان أكثر من 11 ألف مراقب جوي دفعة واحدة. منذ ذلك الحين، لم يستقرّ هذا القطاع فعلياً: تجمّد التوظيف والتدريب خلال إغلاقين حكوميين في 2013 و 2018-2019، وتعطّل التدريب مجدداً أثناء قيود جائحة كوفيد-19، وتراجعت أعداد المراقبين 6% خلال العقد الأخير وحده. مان يصف هذا التاريخ في تدويناته بأنه "أزمة دائمة".
عام 2025 كان استثنائياً بكل المقاييس: فرّق "قسم كفاءة الحكومة" (DOGE) الذي يقوده إيلون ماسك مئات الموظفين الفدراليين تحت التجربة، رغم أن مراقبي الملاحة الجوية استُبعدوا رسمياً من هذه التسريحات، فيما تأثّر موظفو أنظمة الحركة الجوية الآخرون. قاضٍ فدرالي أمر في 17 مارس 2025 بإعادة 132 موظفاً إلى عملهم. وفي أكتوبر ونوفمبر من نفس العام، امتدّ إغلاق حكومي 43 يوماً (من 1 أكتوبر إلى 12 نوفمبر) توقّف فيه راتب المراقبين، ووصف وزير النقل شون دافي المشهد بأن مراقبين "كانوا يتقاعدون كل يوم" — بمعدّل 15 إلى 20 مراقباً يومياً مقابل أربعة فقط في الأوضاع الطبيعية، بينما خسرت الوكالة ما يصل إلى 500 متدرّب. النتيجة: خفّضت الـ FAA في مايو الماضي تقديراتها لاحتياجاتها من المراقبين للفترة 2026-2028 بنحو 2000 وظيفة، وهو ما وثّقه تقرير مكتب المحاسبة العامة الأمريكي الصادر في ديسمبر 2025.
هذه الأزمة ليست خلفية نظرية. في 29 يناير 2025، اصطدمت طائرة هليكوبتر من طراز Black Hawk تابعة للجيش الأمريكي بطائرة ركاب لشركة American Airlines جنوب شرق مطار ريغان الوطني في واشنطن، فقُتل 67 شخصاً. تحقيقات المجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB) خلصت إلى أن نقص الطاقم في برج المراقبة كان من بين "عوامل مسببة" متعدّدة للحادثة — إذ كان مراقب واحد فقط يتولّى، في تلك اللحظة، مسؤولية حركة الهليكوبتر وحركة المدرج في الوقت نفسه.
ماذا يجب أن نراه قبل أن يوسّع النظام؟
الـ FAA تُقدّم SMART كجزء من مجهود تحديث أوسع بمليارات الدولارات، يشمل استبدال مئات أجهزة الرادار التي يعود بعضها إلى الثمانينيات، وتحديث أجهزة الراديو وخطوط الاتصالات ووحدات التحويل الصوتي بين المراقبين والطيارين. لكن استبدال المعدات لا يعالج نقص البشر، وهنا يكمن اختبار SMART الحقيقي.
مان يلخّص ما ينبغي مراقبته في المرحلة المقبلة بوضوح: "ما سأتابعه هو أيّ دليل سيُفتح أمام التوسّع القادم: الأداء تحت ضغط العمل الفعلي والبيانات المتدهورة، لا في ظروف العرض التجريبي، وإجابة موثّقة عن من يتحمّل النتيجة حين يكون التنبؤ خاطئاً". هذا السؤال — من المسؤول حين تُخطئ الخوارزمية في مجال جوي يحمل ملايين الرحلات — لن يُحسم بمطارات واشنطن الثلاثة وحدها، بل سيُقرَّر لاحقاً حين يُطرح توسيع SMART ليشمل 29 مليون ميل مربّع من المجال الجوي الوطني الأمريكي بأكمله. إلى أن يحدث ذلك، يبقى النظام أداة مساعدة تحت الاختبار، لا حلاً جاهزاً لأزمة تتحدّث عنها الوكالة نفسها منذ أكثر من أربعة عقود.
أخبار ذات صلة

الطاقة البحرية والأنظمة الهجينة: مختبرٌ يختبر التكامل قبل الاستثمار

Anthropic تختار Accenture لتقييم نماذجها الذكية

بطارية Vistra في Moss Landing تشتعل مجدداً
