التحول الطاقي في أمريكا بين الاقتصاد والسياسة
الولايات المتحدة تحقق خفض انبعاثات الكهرباء قبل موعده رغم إلغاء معايير التلوث الفيدرالية الاقتصاد هو المحرك الحقيقي للتحول نحو الطاقة النظيفة بينما تتصارع الولايات على سياسات المناخ المستقبلية في غياب تنظيم فيدرالي فعال وورلد برس عربي

حين تصدر بيانات تُظهر أنّ الولايات المتحدة بلغت هدف خفض انبعاثات قطاع الكهرباء بنسبة 32% بحلول 2030 قياساً بمستويات 2005 قبل موعده بعقدٍ كامل رغم أنّ القاعدة القانونية التي حدّدت هذا الهدف لم تدخل حيّز التنفيذ يوماً، فالإشارة الأضعف هنا لا تتعلّق بالإنجاز نفسه، بل بما تكشفه عن العلاقة الفعلية بين التنظيم الفيدرالي ومسار إزالة الكربون. هذه المفارقة تصبح أكثر أهمية هذا الأسبوع، مع إعلان وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) إلغاء معايير التلوّث الكربوني لعام 2024 التي وضعتها إدارة بايدن وهي المعايير التي كانت ستُلزم محطات الوقود الأحفوري بخفض انبعاثاتها أو احتجازها، وتُغلق المحطات غير الملتزمة.
من أوباما إلى ترامب: عقدٌ من الإلغاء المتكرر
القصة ليست جديدة بقدر ما هي متكرّرة. في 2015، أطلق الرئيس السابق باراك أوباما خطّة الطاقة النظيفة (Clean Power Plan) بهدفٍ مماثل: خفض انبعاثات قطاع الكهرباء 32% بحلول 2030 عن مستويات 2005. لكنّ سلسلة دعاوى قضائية وقراراً من المحكمة العليا حالا دون دخول الخطّة حيّز التنفيذ أصلاً، ثمّ جاءت إدارة ترامب الأولى لتُلغيها رسمياً في 2017، كما وثّقت صحيفة نيويورك تايمز حينها. إلغاء هذا الأسبوع لمعايير 2024، الذي غطّته نيويورك تايمز أيضاً، يُكمل بذلك إزالة السياسات المناخية الكبرى لإدارتين متعاقبتين من الحزب الديمقراطي، دون أن تكون أيٌّ منهما قد أثّرت فعلياً في المسار التشغيلي لقطاع الطاقة وفق ما توضّحه تحليلات جامعة ستانفورد لآثار الخطّة الأصلية.
ما الذي حرّك الانتقال فعلاً إذن؟
الجواب، وفق بيانات الهدف المُحقَّق قبل موعده، هو الاقتصاد لا التنظيم. تقاعد محطات الفحم واستبدالها بالغاز الطبيعي والطاقة المتجدّدة الأرخص كلفةً هو ما دفع الانبعاثات إلى الانخفاض، لا الالتزام القانوني. الرئيس ترامب يرى أنّ التحوّل عن الفحم يفتقر إلى أيّ مبرّر اقتصادي، لكنّ الأرقام تسير في الاتجاه المعاكس: أوامر فيدرالية أبقت محطات فحم متقادمة عاملة خلال العام الماضي، وهو ما أضاف ملايين الدولارات إلى فواتير المشتركين، بينما تبقى الطاقة المتجدّدة الخيار الأقلّ كلفة في السوق الأمريكية. هذا لا يعني أن قوى السوق وحدها كافية لإنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري فمن دون تنظيمٍ فيدرالي، الأرجح أن تستمرّ الطاقة النظيفة في إزاحة الفحم تحديداً، لكن بوتيرةٍ أبطأ ممّا كانت ستكون عليه مع وجود قواعد ملزمة، وهو ما يعني ببساطة مزيداً من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وتفاقماً إضافياً لتغيّر المناخ، في غياب أيّ تنظيم انبعاثات فيدرالي بديل حالياً.
إشاراتٌ متضاربة من الولايات
في غياب التنظيم الفيدرالي، تتحوّل المعركة إلى مستوى الولايات وكاليفورنيا نموذج مُركَّب بامتياز. مع اقتراب نهاية ولاية الحاكم غافين نيوسوم، يظهر سجلٌّ حافل بالبنية التحتية النظيفة وملايين السيارات الكهربائية المُضافة، والتزامٍ بإنهاء بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين بحلول 2035. لكنّ محلّلين وخبراء ينتقدون سجلّه في العدالة البيئية، ويرون أنّه لم يتصدَّ بما يكفي لنفوذ شركات المرافق والشركات الكبرى. المؤشّر العملي هنا ينتظر توقيعه: أقرّ المجلس التشريعي لكاليفورنيا تدابير قد تُقلّص أرباح شركات المرافق وتُوسّع محطات الطاقة الافتراضية (virtual power plants)، كما رصدت نشرة California Wire، وما إذا كان نيوسوم سيوقّعها سيحدّد إن كان سجلّه الأخير سيميل نحو المضمون أم نحو الواجهة فقط.
على الطرف الآخر من الخريطة، تُعيد مقاطعة Bannock في ولاية أيداهو النظر في حظرها على تطوير الطاقة النظيفة، بعدما أشار قادتها وسكانها إلى المنافع الاقتصادية للطاقة الشمسية والريحية والنووية وهي منافع يمكن أن تساعد مزارعين متضرّرين من الجفاف. هذا التحوّل المحلّي، رغم صغر حجمه، يُبرهن أنّ الحسابات الاقتصادية للطاقة النظيفة تخترق حتى المناطق الأكثر تحفّظاً سياسياً، بمعزلٍ عن اتجاه السياسة الفيدرالية.
الكونغرس يحاول الإمساك بالملف من جديد
هذا الأسبوع أيضاً، أطلق النواب الديمقراطيون في مجلس النواب مبادرة أطلقوا عليها اسم Thriving Economy Project، ووصفوها بأنّها "خطة مناخية" عنوانٌ لا يُفصح عن مضمونها الفعلي. تشمل أولويات المشروع إعادة إحياء الإعفاءات الضريبية للطاقة النظيفة المنزلية وكفاءة الطاقة، والتعامل مع الطلب المتصاعد على الكهرباء من مراكز البيانات، وتمويل مشاريع الطاقة المتجدّدة بكلفة منخفضة، وفق مقابلة أجرتها Heatmap مع النائبة كاثي كاستور، التي أقرّت بأنّ المقترحات أمامها طريقٌ طويل قبل أن تتحوّل إلى تشريع. معدّو المشروع يقيّمون حالياً أيّ من هذه المقترحات قد يحظى بدعمٍ من الحزبين وهو أمرٌ صعب التحقّق طالما بقي ترامب في البيت الأبيض. في موازاة ذلك، أقرّ مجلس النواب فعلياً إلزام منظّمي الولايات بأخذ تكاليف بنية مراكز البيانات التحتية بالحسبان ط من كهرباء وترقيات لشبكات النقل . وفي سياقٍ منفصل لكنّه ذو صلة بمسار تطوير الطاقة، تحرّكت إدارة ترامب لإزالة حماية أخرى بموجب قانون الأنواع المهدّدة بالانقراض، وهو تعديلٌ قد يُؤثّر بشكل ملموس في مشاريع تطوير الطاقة المستقبلية.
ماذا تقول الشبكة نفسها؟
بعيداً عن ساحة السياسة، تحمل بيانات الشبكة إشارةً إيجابية نسبياً: شهدت محطات التوليد الأمريكية انقطاعاتٍ أقلّ بسبب البرد القارس هذا الشتاء الماضي مقارنةً بشتاءَي 2021 و2022، وفق تحليلٍ مشترك أجرته هيئة تنظيم الطاقة الفيدرالية (FERC) والمؤسسة الأمريكية الشمالية لموثوقية الكهرباء (NERC)، ونشرته Utility Dive. في الوقت نفسه، وباقتراب برنامج التبادل الشمالي الشرقي لحصص الانبعاثات (RGGI) من عامه العشرين، بدأ قادة في القطاع ومراقبون يتساءلون علناً عمّا إذا كان لا يزال أداةً فعّالة لخفض الانبعاثات، أم أنّه بات إطاراً رمزياً أكثر منه محرّكاً حقيقياً للتحوّل.
هذا التقاطع بين المؤشّرات التنظيمية والاقتصادية والمحلّية يضع مسار إزالة الكربون في قطاع الطاقة الأمريكي أمام ثلاثة سيناريوهات. الأرجح: استمرار الانتقال بعيداً عن الفحم مدفوعاً بالاقتصاد وحده، لكن بوتيرةٍ أبطأ ممّا كان يمكن تحقيقه بتنظيمٍ فيدرالي فعّال، مع تراكم إضافي بطيء في الانبعاثات مقارنةً بمسارٍ منظَّم. المحتمل: أن تُصبح الولايات كاليفورنيا من جهة، ومقاطعاتٌ محافظة مثل Bannock من جهةٍ أخرى الساحة الفعلية لصياغة السياسة، فيما يبقى الكونغرس عالقاً في مرحلة الطرح دون التشريع. الأقلّ احتمالاً: أن يُترجَم مشروع Thriving Economy Project إلى تشريعٍ فعلي قبل نهاية الولاية الحالية لترامب، وهو احتمالٌ تُقرّ كاستور نفسها بصعوبته في المدى المنظور. المتغيّر الذي قد يُعيد ترتيب هذه الاحتمالات هو مسار أسعار الطاقة المتجدّدة نفسها؛ فطالما بقيت الأرخص، فإنّ غياب التنظيم يُبطئ الانتقال، لكنّه لا يوقفه.
أخبار ذات صلة

آخر توربينة في مزرعة أمريكية بحرية كبرى تُنصّب

العام الأول لـ ReFuelEU: الالتزام الإلزامي يثبت فعاليته

تحذيرٌ من الانهيار: كيف يدفع التغيّر المناخي والجريمة الأمازون نحو نقطة اللاعودة
