أسرى فلسطين بين العزلة والتضامن الدولي
اعترضت إسرائيل أسطول الصمود العالمي، واحتجزت ناشطين سلميين، مما أظهر قسوة نظام السجون. بينما أُفرج عن بعضهم، لا يزال الآلاف خلف القضبان. يجب أن تستمر المطالبات بحرية جميع الأسرى الفلسطينيين وحمايتهم.

في الثلاثين من أبريل، اعترضت قوات البحرية الإسرائيلية بصورة غير مشروعة سفن «أسطول الصمود العالمي» (Global Sumud Flotilla) في المياه الدولية قرب اليونان، واحتجزت ما يقارب 180 ناشطاً سلمياً كانوا يشاركون في تلك المهمة.
وبينما أُفرج في نهاية المطاف عن معظم المشاركين بعد تعرّضهم للضرب والمضايقات، جرى نقل عضوَي الأسطول سيف أبو كيشك وثياغو أفيلا إلى سجن «شيكما» في عسقلان، ثم مَثَلا أمام المحاكم الإسرائيلية. وخلال فترة احتجازهما، عانى الرجلان من العزل والتعذيب وتدهور حالتهما الجسدية، قبل أن يُفضي الضغط الدولي المتصاعد إلى الإفراج عنهما في 10 مايو 2026.
أثبتت هذه الحملة التضامنية أن التضامن الدولي لا يزال قادراً على فرض تكاليف سياسية على إسرائيل. غير أن أكثر من 9,500 أسير سياسي، بينهم 300 طفل و57 امرأة، لا يزالون خلف القضبان حتى أبريل 2026 وفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين، فيما اختفى المئات داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، وكثيراً ما تجهل عائلاتهم شيئاً عن مصيرهم.
منح احتجاز أبو كيشك وأفيلا العالمَ لمحةً موجزة لكنها كاشفة عن منظومة سجون يعيش الفلسطينيون تحت وطأتها منذ أجيال، وأعاد تسليط الضوء على النظام الاحتجازي الإسرائيلي. بيد أن الحملة التي أفضت إلى الإفراج عنهما لا ينبغي أن تتوقف عند هذا الحد؛ بل يجب أن تتحوّل إلى جزء من حملة دولية أوسع ومستدامة تطالب بحرية جميع الأسرى الفلسطينيين وكرامتهم وحمايتهم.
أداةٌ في يد الاستعمار
يوم الأسير الفلسطيني، الذي يُحيا كل عام في السابع عشر من أبريل منذ عام 1974، يعكس المكانة المحورية التي يحتلّها الأسرى في الوجدان الجمعي الفلسطيني، ويواصل استنهاض المطالبات بالإفراج عنهم. وقد جاءت فعاليات هذا العام مجدّداً لتطالب بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، ولتندّد بسياسات الاعتقال التعسفي والتعذيب والإعدام التي تمارسها إسرائيل.
لطالما أدّت السجون الإسرائيلية دور الأداة المركزية في منظومة السيطرة الاستعمارية، إذ صُمِّمت لتفتيت المقاومة الفلسطينية والحياة السياسية الجمعية. وتضرب جذور هذه المنظومة في قوانين الطوارئ التي أرستها حقبة الانتداب البريطاني لقمع الحركة الوطنية إبّان الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامَي 1936 و1939، ثم تطوّرت لتصبح آليةً للهيمنة تستهدف إسكات كل أشكال المقاومة السياسية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني.
وقد تفاقمت الأوضاع داخل سجون الاحتلال تفاقماً حاداً منذ عملية طوفان الأقصى في غزة. فالفلسطينيون الذين أُفرج عنهم يصفون نظاماً يسوده التعذيب الجماعي والتجويع والضرب المبرح والعنف الجنسي والإساءة النفسية.
وقد حظي الاستخدام الواسع لسياسة الاعتقال الإداري أي الاحتجاز دون توجيه اتهامات أو إجراء محاكمة، استناداً إلى أدلة سرية بإدانة واسعة من منظمات حقوق الإنسان. وبحسب الأرقام التي رصدتها حملة الأشرطة الحمراء (Red Ribbons Campaign)، استشهد ما لا يقل عن 88 معتقلاً فلسطينياً داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، وهو تصاعد حادّ مقارنةً بالسنوات السابقة.
وفي السياق ذاته، أفادت منظمة HaMoked الإسرائيلية لحقوق الإنسان بأن 3,376 فلسطينياً كانوا يُقبعون في الاعتقال الإداري عام 2026. كما طالت حملة الاعتقالات الصحفيين الفلسطينيين بشكل لافت، إذ اعتُقل أكثر من 150 صحفياً منذ أكتوبر 2023، ولا يزال 45 منهم على الأقل رهن الاحتجاز.
وقد رافق هذا التصعيد خطابٌ إقصائي صريح من كبار المسؤولين الإسرائيليين. ففي يونيو 2024، أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير علناً أن الأسرى الفلسطينيين ينبغي قتلهم «برصاصة في الرأس». وهذه التصريحات ليست نزوات هامشية أو استفزازات معزولة، بل تعكس مناخاً سياسياً باتت فيه ممارسة العنف ضد الفلسطينيين أمراً مألوفاً ومقبولاً بصورة متزايدة.
في أواخر مارس 2026، أقرّ الكنيست الإسرائيلي «قانون عقوبة الإعدام»، الذي يُوسّع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين توسيعاً ملحوظاً، لا سيما عبر المنظومة القضائية العسكرية الإسرائيلية، مما أثار مخاوف جدية من أن يواجه أعداد كبيرة من الأسرى الفلسطينيين خطر الإعدام. وقد أدانت منظمات حقوق الإنسان هذا القانون على نطاق واسع بوصفه قانوناً تمييزياً يُكرّس نظام فصل عنصري يُرسّخ منظومة عقابية عنيفة وغير متكافئة تستهدف الفلسطينيين.
هذه السياسات ليست تطوّرات معزولة، بل تعكس منطق الإقصاء المتجذّر في منظومة السجون الإسرائيلية. فكما تعرّضت غزة للحصار والتجويع والتدمير الشامل، يُستهدف المعتقلون الفلسطينيون جماعياً من خلال سياسات مصمَّمة لاستنزافهم وتفكيك حياتهم.
ووفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين، فإن نحو مليون فلسطيني اعتُقلوا على يد السلطات الإسرائيلية منذ عام 1967، وهو رقم يكشف عن الحجم الهائل والامتداد الزمني الطويل لمنظومة الاحتجاز الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
البوصلة السياسية
لم يكن الأسرى الفلسطينيون في يوم من الأيام مجرّد ضحايا للقمع الاستعماري. فعبر عقود من الأسر، تحوّلت السجون الإسرائيلية إلى فضاءات للتنظيم السياسي والمقاومة، حيث أسّس الأسرى مدارس سرية، ونظّموا إضرابات الجوع، وأسهموا في تشكيل الحياة السياسية الفلسطينية.
أشخاص كمروان البرغوثي والمحرَّرة خالدة جرار والراحل وليد دقّة لم يصبحوا رموزاً لمجرّد أنهم صمدوا في وجه السجن الطويل، بل لأنهم واصلوا التفكير والكتابة والتنظيم من داخل الأسوار.
وكما كان أسرى جبهة التحرير الوطني (FLN) في حرب التحرير الجزائرية، وكما كان مناضلو المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يمثّل الأسرى الفلسطينيون مرجعاً أخلاقياً وسياسياً لشعبٍ بأكمله. إنهم يجسّدون صمود جماعياً في مواجهة محاولات الطمس والإقصاء.
لهذا السبب بالذات، ظلّت الحملات الدولية للمطالبة بحرية الأسرى الفلسطينيين تُصرّ على أن قضيتهم لا يمكن اختزالها في بُعدها الإنساني وحده؛ فاحتجازهم ذو طابع سياسي عميق، ولا بدّ أن يكون النضال من أجل تحريرهم على المستوى ذاته.
وعلى الرغم من حجم العنف الاحتجازي وشدّته، ظلّ الأسرى الفلسطينيون في هامش الخطاب السياسي الدولي في أغلب الأحيان، ولا يطفون على السطح إلا في لحظات تبادل الأسرى، أو حين يُعتقل ناشطون دوليون ويلمسون لوهلة ما يعيشه الفلسطينيون منذ أجيال.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ستتبدّد هذه اللحظة أم ستتحوّل إلى أساس لتعبئة دولية أوسع حول قضية الأسرى الفلسطينيين أنفسهم؟
في أرجاء العالم، تتشكّل بنى تضامنية جديدة من الاعتصامات الطلابية وإجراءات عمال الموانئ إلى الأساطيل والمبادرات القانونية وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS). وقد سرّع الهجوم الإبادي الإسرائيلي على غزة هذه العملية، إذ دفع قطاعات متنامية من المجتمع المدني العالمي إلى إدراك المكانة المحورية للأسرى الفلسطينيين ضمن البنية الشاملة للعنف الاستعماري الإسرائيلي.
ما وراء الغضب الرمزي
في مطلع عام 2026، أطلق ناشطون حملة الأشرطة الحمراء (Red Ribbons Campaign)، وهي مبادرة دولية تطالب بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في خضمّ تصاعد الانتقادات الموجّهة لسياسات الاحتجاز الإسرائيلية.
وتعكس حملات كـFree Marwan Now، التي حشدت مؤخراً فنانين ووجوهاً عامة دولية حول قميص تضامني مستوحى من قميص المنتخب الفلسطيني عام 2002 وأربعة وعشرين عاماً من سجن مروان البرغوثي، جهوداً متنامية لإدخال قضية الأسرى الفلسطينيين إلى الوعي العام العالمي الأوسع. انطلقت الحملة من لندن وامتدّت عبر تركيب أشرطة حمراء وصور للمعتقلين في الفضاء العام، بهدف إبقاء الأسرى الفلسطينيين حاضرين في حركات التضامن الدولية.
يُعلّمنا تاريخ نضالات التحرر من الاستعمار ومن الفصل العنصري أن الأسرى السياسيين ليسوا هامشاً في النضال، بل كثيراً ما يتحوّلون إلى محوره. من أسرى جبهة التحرير الوطني في الثورة الجزائرية إلى نيلسون مانديلا والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، كانت الحملات الدولية للمطالبة بإطلاق سراحهم ركيزةً أساسية في حركات التحرر الأشمل.
فلسطين تحتاج اليوم إلى أفق سياسي مماثل.
إن استمرار احتجاز شخصيات كالبرغوثي يعكس مسعى إسرائيل إلى إخماد القيادة السياسية الفلسطينية ذاتها، فيما يكشف الاعتقال الجماعي للفلسطينيين من غزة ومنهم حسام أبو صفية، المحتجز دون توجيه اتهامات منذ ديسمبر 2024 إثر اقتحام قوات الاحتلال للمستشفى الذي رفض مغادرته وهو يحاصَر فيه مع مرضاه عن مسعى أوسع لتطبيع إلغاء الإنسانية.
لذا، ينبغي أن تحتلّ قضية تحرير الأسرى السياسيين الفلسطينيين مكانة مركزية في منظومة الضغط الدولي والمناصرة القانونية ومبادرات العقوبات والعمل الدبلوماسي على الملف الفلسطيني.
يستلزم ذلك ضغطاً دولياً أكبر بكثير من أجل إجراء تحقيقات مستقلة في التعذيب وحالات الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والوفيات داخل مراكز الاحتجاز، إلى جانب فرض عقوبات مستهدفة على المسؤولين والمؤسسات الإسرائيلية المتورطة مباشرة في هذه المنظومة.
كما يقتضي ذلك أن تُعامل الحكومات والمنظمات الدولية والنقابات والجامعات والحركات الاجتماعية الدفاعَ عن الأسرى الفلسطينيين باعتباره جزءاً لا يتجزّأ من النضال الأشمل من أجل حرية الشعب الفلسطيني وحقّه في تقرير المصير.
أخبار ذات صلة

انتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار في غزة: قائمة شاملة بعد سبعة أشهر

احتلال الشارع: مسيرة الأعلام الإسرائيلية وتهميش الفلسطينيين في القدس
