وورلد برس عربي logo

أطفال غزة بين الفقد والبحث عن الأمان

يستيقظ أطفال غزة اليوم بلا آباء، في واحدة من أكبر أزمات الأيتام. فقدان الأمان والحنان يغير حياتهم. كيف يتعاملون مع الفقدان؟ اكتشفوا قصصهم المؤلمة التي تُظهر كيف يمكن للحرب أن تدمر الطفولة.

طفل صغير في مخيم للنازحين بغزة، يبدو عليه الخوف والقلق، وسط بيئة قاسية من الخيام والأنقاض، يعكس تأثير الحرب على الأطفال.
يظهر أطفال فلسطينيون نازحون خارج خيمة على الواجهة البحرية في مدينة غزة، وذلك في 9 يناير 2026 (رويترز)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يستيقظ عشرات الآلاف من الأطفال في غزة اليوم دون أن يناديهم صوت أحد الوالدين باسمهم. وهذا ليس بسبب مرض أو حادث عرضي، بل لأن الحرب الإسرائيلية على القطاع الفلسطيني قضت على الأشخاص الذين جعلوهم يشعرون بالأمان.

فاعتبارًا من مارس الماضي، قُدّر عدد الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما في العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة بأكثر من 39,000 طفل، من بينهم 17,000 طفل تيتّموا بالكامل، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وهذه واحدة من أكبر أزمات الأيتام في التاريخ الحديث. وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ فهي تمثل تفككًا جماعيًا للطفولة نفسها.

فبالنسبة للطفل، الوالدان ليسا مجرد مقدمي رعاية؛ فهما الوعد الأول للأمان في العالم. ويمثل الوجود الثابت للأم أو الأب صوتًا مألوفًا، وروتينًا يمكن التنبؤ به، ويدًا تمسك به في الظلام. هكذا يتعلم الطفل أن الخوف يمكن أن يزول، وأن الجوع يمكن تهدئته، وأن الخطر له حدود.

عندما يتم انتزاع هذه المرساة بعنف، يتغير إحساس الطفل بالواقع بأكمله. يصبح العالم غير مستقر. وتصبح الثقة هشة. ويصبح الأمان ذكرى.

في غزة، يحدث هذا التمزق على نطاق واسع. ففقدان مقدمي الرعاية ليس فقط من خلال الموت، ولكن أيضًا من خلال الإصابة الشديدة أو الاعتقال أو الاختفاء القسري أو الانفصال في فوضى النزوح المتكرر.

وقد تم انتشال بعض الأطفال من تحت الأنقاض، ليجدوا أنه لم يبقَ لهم أحد يناديهم "أنا". وآخرون لديهم أحد الوالدين على قيد الحياة، ولكن أحد الوالدين مصاب أو مصاب بصدمة أو غائب لدرجة أن الطفل يُترك دون حماية حقيقية.

إيقاف التشغيل

بين الأطفال الأصغر سنًا، تكون العواقب فورية ومفجعة. فالكثير منهم يصبحون غير قادرين على العزاء. يبكون لساعات، ويتشبثون بأي شخص بالغ قريب منهم، ويصابون بالذعر عندما يغيب مقدم الرعاية عنهم ولو للحظة واحدة. يفقد البعض الكلمات التي كانت لديهم من قبل، أو يبدأون في التبول اللاإرادي مرة أخرى.

بعضهم يصمت، كما لو أن الإغلاق هو الطريقة الوحيدة للنجاة مما لا تستطيع عقولهم استيعابه. في الملاجئ المزدحمة، حيث يكون البالغون أنفسهم منهكين وحزينين، غالبًا ما يتعلق الأطفال بأي شخص متاح، لأن حاجتهم إلى الأمان ملحة وغير ملباة.

أما بالنسبة للأطفال الأكبر سناً، وخاصة أولئك الذين يدخلون مرحلة المراهقة، فإن الضرر يأخذ شكلاً مختلفاً: فهم يصبحون بالغين بين عشية وضحاها. عندما يُقتل أحد الوالدين أو يُحتجز أو يُصاب بإصابات بالغة، غالبًا ما يرث الطفل دور المعيل والحامي وصانع القرار.

لقد رأيت في غزة أطفالاً، وخاصة البنات الأكبر سناً، يتحملون مسؤوليات من شأنها أن تكسر معظم البالغين: تأمين الطعام، ورعاية الأشقاء، وإدارة شؤون أحد الوالدين الناجين من الصدمة، والحفاظ على استمرار عمل الأسرة تحت القصف والجوع.

هذا الانعكاس في الأدوار لا يبني القدرة على الصمود. إنه يسرق النمو. إنه يعلم الكبت العاطفي كمهارة للبقاء على قيد الحياة، ويحول الخوف إلى ضجيج دائم في الخلفية.

أفكر كثيرًا في فتاة تبلغ من العمر 11 عامًا تعيش في ملجأ للنازحين في وسط غزة. استشهد والدها في غارة جوية. ومع عدم وجود غاز أو كهرباء أو دخل ثابت، بدأت هي ووالدتها في صنع مخبوزات صغيرة على نار الحطب، باستخدام أي مواد متاحة.

كانت الفتاة تتجول كل يوم بين الملاجئ المكتظة وتنسج بين الحطام وانعدام الأمن في محاولة لبيع ما صنعتاه للمساعدة في إطعام والدتها الأرملة وإخوتها الصغار.

عندما تحدثنا، لم تقل شيئًا تقريبًا عن الحزن. تحدثت عن الضرورة، عن "ما يجب فعله". لكن أكثر ما كان لافتًا للنظر هو ما اختفى: اللعب والراحة ونعومة الطفولة. كان وجهها يحمل إرهاق شخص أكبر منها بكثير.

فراق لا يطاق

عملت أيضًا مع طفل في السابعة من عمره استشهد والده في غارة جوية. ومنذ ذلك الحين، لم يترك هذا الطفل والدته. يصر على أن يتم حمله باستمرار. ويرفض اللعب مع الأطفال الآخرين.

وإذا خرجت من الغرفة، ولو لفترة وجيزة، يصاب بالذعر. في الليل، يوقظها ليلاً لترافقه إلى المرحاض. وإذا لم تستيقظ بسرعة كافية، فإنه يبلل السرير.

عندما تحدثت معه، بالكاد رفع عينيه. كان يتحدث بصوت منخفض، مستخدماً بضع كلمات فقط ويتأكد دائماً من أن والدته لا تزال بجانبه. لم يصف التفجير، ولم يتحدث عن الخوف أو الغضب.

وعندما سُئل عن أكثر ما يريده، أجاب ببساطة: "أريد استعادة والدي".

بالنسبة لهذا الطفل، فإن فقدان والده لم يجلب له الحزن فقط. لقد حطم إحساسه بالأمان تمامًا لدرجة أن الفراق نفسه أصبح لا يطاق.

وفي حالة أخرى، أصبحت فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً الناجي الوحيد لأسرتها. وقد أحيلت لتقييم الصحة النفسية في مستشفى ميداني لأن الأطباء قالوا إنها لم تكن متعاونة مع إعادة التأهيل.

عندما تحدثنا إليها، كانت مقاومتها منطقية. تحدثت عن كيف انهار كل شيء في لحظة واحدة؛ وعن كيف أن والدها، الشخص الذي وثقت به لحمايتها، لم يستطع إنقاذها.

وتساءلت بهدوء: "إذا لم يستطع"، "فمن يستطيع غيره؟"

أكثر ما كان يخيفها ليس إصابتها بل تعافيها. كانت خائفة من أنه إذا تحسنت صحتها، ستخرج من المستشفى. وماذا بعد ذلك؟

تساءلت: "تسريحها إلى أين؟ لم تكن هناك عائلة تنتظرها. ولا منزل. لا مكان تشعر فيه بالأمان ولو من بعيد. أصبح المستشفى، رغم كل شيء، ملجأها الوحيد. رفضها للتعاون لم يكن تحديًا. لقد كان خوفًا من أن يتم إطلاق سراحها مرة أخرى إلى عالم اختبرته على أنه قاتل وغير محمي".

أي خيار لديّ؟

ثم كان هناك الصبي البالغ من العمر 12 عامًا الذي فقد والديه وأخيه الأكبر. أحضره جده لرؤيتي وهو قلق لأن الطفل ظل يختفي من خيمتهم لساعات طويلة.

في النهاية، ظهرت الحقيقة. كان الصبي يتردد على نقاط توزيع الطعام التي تديرها مؤسسة غزة الإنسانية وهي مواقع وصفتها العديد من المنظمات الدولية والشهود بأنها فوضوية ومميتة.

بكى الصبي وهو يتحدث. بكى على فقدانه لوالديه، وعلى ما رآه في نقاط التوزيع تلك: إطلاق النار، والذعر، وسقوط الناس من حوله.

قال إنه كان يشعر بالرعب في كل مرة يذهب فيها إلى هناك. وعندما سُئل عن سبب استمراره في العودة، أجاب دون تردد: لم يأكل أخوه الأصغر وأخته الصغيرة منذ أيام. وكان جده بالكاد يستطيع إطعام نفسه.

قال: "أعلم أن الأمر خطير". "لكن ما الخيار الذي أملكه؟"

هكذا يبدو اليتم في غزة. إنه ليس فقط غياب الوالدين. إنه انهيار السقالات النفسية التي يحتاجها الأطفال للنمو: الاستقرار، والحماية، وحرية أن يكونوا صغارًا.

إنه جيل يتعلم، من خلال التجربة الحياتية، أن الحب يمكن أن يختفي دون سابق إنذار؛ وأن البيوت والعائلات يمكن أن تمحى وأن العالم لا يقدم أي ضمانة للرحمة.

لا تنتهي عواقب الصحة النفسية على المدى الطويل بوقف إطلاق النار. فالأطفال الذين يفقدون من يرعاهم بهذه الطريقة يحملون جروحًا تشكل كيفية ارتباطهم بالآخرين، وكيف يثقون بالآخرين، وكيف يتخيلون المستقبل، وكيف يفهمون قيمتهم.

في غزة اليوم، ينشأ آلاف الأطفال ليس فقط بدون آبائهم، ولكن بدون الاعتقاد الأساسي بأن العالم يمكن أن يكون آمنًا مرة أخرى.

أخبار ذات صلة

Loading...
محمد بن سليم، رئيس الاتحاد الدولي للسيارات، يتحدث عن التحديات الأمنية وتأثيرها على سباقات الفورمولا 1 في الشرق الأوسط.

رئيس الاتحاد الدولي للسيارات: سلامة السائقين والفرق أولويتنا في فعاليات الشرق الأوسط

تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط مهددة ختام موسم الفورمولا 1 2023 بين قطر وأبوظبي، بينما يدرس الاتحاد الدولي للسيارات بدائل أوروبية. اكتشف التفاصيل وتأثير الأوضاع الأمنية على السباقات.
الشرق الأوسط
Loading...
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يقف بجانب مركبة عسكرية في القامشلي، في سياق حل القوات واندماجها بالجيش السوري الرسمي.

الأكراد بين الأمل والحذر: حل قوات سوريا الديمقراطية والالتحاق بالجيش النظامي

في تحول تاريخي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حلّها واندماجها بالجيش الوطني، ما يفتح أفقاً جديداً لحقوق الأكراد ووحدة سوريا. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الحاسمة وتأثيرها على مستقبل المنطقة. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
Loading...
علم تركيا وعلم إسرائيل يرفرفان فوق دبابة في سياق التوترات العسكرية بين البلدين حول قاعدة أبو الظهور في سوريا.

إسرائيل توجّه تحذيراً مبطّناً لتركيا عقب غارات على قواعد عسكرية بسوريا

تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا بعد الغارات على قاعدة أبو الظهور في سوريا، وسط اتهامات متبادلة وتصريحات حادة. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإقليمي الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية