فاطمة عبيد صمود في وجه النكبات المتكررة
في حديث مؤثر، تروي فاطمة عبيد، الفلسطينية البالغة من العمر 99 عاماً، معاناتها من نكبات متكررة، حيث ترفض مغادرة غزة رغم القصف والجوع وفقدان عائلتها. قصتها تجسد صمود الأجيال في مواجهة القهر والتهجير.

-في التاسعة والتسعين من عمرها، تحمل فاطمة عبيد ثقلاً لا يُوصف: قصف يومي لا يتوقف، جوعٌ يطحن الأجساد، وفقدان أكثر من 70 فرداً من عائلتها. ومع ذلك، رفضت هذه الجدة الفلسطينية التي نجت من نكبة 1948، الامتثال لأوامر التهجير الإسرائيلية الصادرة عام 2023، وأبت مغادرة مدينة غزة.
بالنسبة إليها، الرحيل مجدداً يعني الانزلاق نحو «نكبةٍ أشدّ قسوة» وهي نكبةٌ لا تريد أن تعيشها مرةً أخرى.
قالت عبيد: «في النكبة الأولى، صحيحٌ أن مئات الآلاف فقدوا أراضيهم وبيوتهم وقراهم».
وأضافت من شقةٍ غير مكتملة في غرب مدينة غزة، حيث تعيش نازحةً مع أحفادها: «لكن في هذه النكبة، فقدنا تاريخاً بأكمله. فقدنا عائلاتٍ بأسرها، ودُمِّرت أجيالٌ كاملة لعقودٍ قادمة. ما لم يستطيعوا فعله عام 1948، يفعلونه الآن».
كانت عبيد في الأصل من حيّ الشجاعية في مدينة غزة. خلال نكبة 1948، حين هاجمت الميليشيات الصهيونية البلدات والقرى الفلسطينية في أرجاء فلسطين التاريخية وطردت مئات الآلاف من الفلسطينيين قسراً لإفساح المجال أمام إقامة دولة إسرائيل وهو ما يصفه كثيرٌ من الباحثين بالتطهير العرقي اضطرت عبيد إلى النزوح مؤقتاً. ثم عادت لاحقاً إلى الشجاعية، التي ظلّت خارج السيطرة الإسرائيلية بعد اتفاقية الهدنة عام 1949، وإن كانت تقع قرب الحدود الفعلية الجديدة بين إسرائيل وقطاع غزة.
بعد أكثر من 75 عاماً، عاشت الصدمة ذاتها مجدداً لكن هذه المرة بوحشيةٍ لا تُقاس بما سبق.
قالت: «لا مقارنة بين النكبة الأولى والنكبة الثانية».
نكبةٌ جديدة
كما كان حال كثيرٍ من الفلسطينيين في غزة إبان النكبة، جمعت تجربة عبيد بين النزوح وإيواء النازحين في آنٍ واحد.
اضطرّت هي وعائلتها إلى الفرار من منزلهم لأشهرٍ عدة وسط العنف والفوضى التي اجتاحت فلسطين عام 1948. وفي الوقت ذاته، كانت غزة تستقبل موجاتٍ من الفلسطينيين المطرودين قسراً من بلداتٍ وقرى باتت لاحقاً جزءاً من إسرائيل. وصلت العائلات بلا شيءٍ يُذكر، فارّةً من القتل والقصف وهجمات الميليشيات الصهيونية، وهي تظنّ أن عودتها ستكون في غضون أيام. لكن غزة تحوّلت إلى ملجأٍ دائم، تكتظّ بمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين اقتُلعوا من جذورهم.
اليوم، يعيش في القطاع نحو 1.6 مليون لاجئٍ فلسطيني وأبنائهم وأحفادهم، يشكّلون ما يقارب 73% من سكان غزة.
غير أنه منذ أكتوبر 2023، نزحت عبيد أكثر من 10 مرات بعد أن تحوّل منزلها وحيّها بأكمله إلى ركامٍ ابتلعته المنطقة العازلة التي فرضتها إسرائيل من جديد.
قالت متذكّرةً: «عشت في الشجاعية منذ أن وُلدت. حتى بعد زواجي من ابن عمّي، لم أبتعد سوى بضعة شوارع». وأضافت أنهم فرّوا لأشهرٍ عام 1948 لكنهم عادوا في نهاية المطاف.
«فقط في هذه النكبة خسرنا بيوتنا وحيّنا وكل شرق غزة. قصفوا بيتنا استشهد أكثر من 70 فرداً من عائلتي أبنائي وأحفادي وأبناء إخوتي وأطفالهم وكثيرون آخرون من العائلة الممتدة».
خلال النكبة بين عامَي 1947 و1949، ارتقى على يد الميليشيات الصهيونية ثم القوات الإسرائيلية ما يُقدَّر بين 13,000 و15,000 شهيد فلسطيني، وهجّرت نحو 750,000 شخص تهجيراً دائماً، أي ما يعادل نحو 75% من الفلسطينيين آنذاك.
أما في الإبادة الجارية في غزة، فقد ارتقى علىيد القوات الإسرائيلية أكثر من 72,000 شهيد فلسطيني في عامين، فيما نزح ما يقارب مليوني شخص. ولا يزال نحو 1.5 مليون منهم مهجَّرين رغم اتفاق وقف إطلاق النار، يقطن معظمهم في خيامٍ مؤقتة.
البقاء في غزة
بُعيد اضطرار عبيد إلى الفرار من منزلها نحو منطقةٍ أخرى من مدينة غزة في أكتوبر 2023، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر تهجيرٍ جماعية متكررة تُطالب السكان بالتوجه جنوباً.
حين رفض مئات الآلاف الامتثال في البداية، فرضت إسرائيل ما وصفه خبراء الأمم المتحدة بأنه تجويعٌ ممنهج «استُخدم سلاحاً وحشياً في الحرب» لإجبار الفلسطينيين على المغادرة.
لأشهرٍ متواصلة، حُرم السكان من المواد الغذائية الأساسية بما فيها دقيق القمح، وعانوا في إيجاد مياه الشرب. وفي أغسطس 2025، أعلنت تصنيف المراحل المتكاملة للأمن الغذائي (IPC) المدعوم أممياً حالة المجاعة رسمياً في مدينة غزة.
ومع ذلك، أبت عبيد مغادرة المدينة.
قالت: «كانت هناك أيامٌ لا نجد فيها حتى رشفة ماء. كنّا نعدّ كل رشفة نشربها، ونكاد لا نجد طعاماً، ونُضطر للفرار من مكانٍ إلى آخر في كل مرة. هذا دمّر صحتي، لكنني لم أرد مغادرة مدينة غزة. لم أرد أن أُدفن خارجها في آخر حياتي. لم أرد أن أعيش كارثةً صبرنا عليها قرابة ثمانية عقود».
هديّة الأب
في منزلها، كانت عبيد تحتفظ بكل شيءٍ تقريباً من طفولتها وزواجها، من فستان العرس إلى الملابس وأواني الطبخ التي أهدتها إياها عائلتها وعائلة زوجها قبل الزفاف.
قالت : «لأكثر من 80 عاماً، احتفظت بفستان زفافي الأبيض الطويل في الخزانة. واحتفظت أيضاً بسترات ملابس زوجي الذي توفّي منذ نحو 20 عاماً».
وتابعت: «ذهب كل شيء، مع كل المال الذي ادّخرته طوال حياتي. وليس هذا فحسب، بل كل ما تمكّنّا من جمعه في كل مكانٍ نزحنا إليه. في كل مرةٍ فررنا، فررنا مذعورين. لم يكن لدينا وقتٌ لنجمع أي شيء. لم نستطع حتى أخذ زجاجة ماء. فررت وأنا أرتدي هذا الثوب فقط».
الشيء الوحيد الذي بقي مع عبيد هو زوجٌ من الأقراط أهداها إياه والدها حين كانت طفلة.
قالت: «احتفظت بهما طوال هذه السنوات. لم أستطع بيعهما أو استبدالهما قط، لأنهما مسّتهما يدا أبي. يحملان ذكراه معهما. لا أخلعهما أبداً، ولهذا بقيا معي. هما الشيء الوحيد المتبقي من قبل النكبة. نجيا من نكبتين، بينما استشهد كثيرٌ من أفراد عائلتي. هذان القرطان لا يزالان حيَّين».
آخر الشهود
تُعدّ عبيد من بين القلّة الباقية من شهود نكبة 1948 في غزة ممن عاشوا الإبادة الجارية.
منذ أكتوبر 2023، ارتقى أثر الغارات الإسرائيلية ما لا يقل عن 4,813 شهيدًا فلسطينياً من كبار السن. وفارق آخرون الحياة جراء الجوع والأمراض غير المُعالَجة وانهيار المنظومة الصحية في غزة في ظل الحصار الإسرائيلي وأوامر التهجير القسري المتكررة.
قالت عبيد: «يضحك الناس حين أقول إن واحداً ونصفاً من أبنائي لا يزالان على قيد الحياة؛ واحدٌ نجا، والآخر أُصيب بجروحٍ بالغة ولا يستطيع المشي حتى الآن».
وتابعت: «طوال حياتي، خسرت أشياء كثيرة. ارتقت أمي بُعيد ولادتي، وعشت حياةً قاسية منذ ذلك الحين. وفي هذا العمر، فقدت أبنائي وكثيراً من أفراد عائلتي، وعانيت الجوع، وتكرّر تهجيري مراراً».
«لكن لا شيء أشدّ إيلاماً من أن تُقتلع من أرضك، وأن تعلم أنك بعد كل هذه السنوات ستموت في المنفى».
أخبار ذات صلة

احتجاجات إسرائيليّة على نيويورك تايمز بعد تقرير عن انتهاكاتٍ جنسيّة

معتقل من "فلسطين أكشن" يعاني من ضمور عضلي: أُجبر على "الزحف مثل كلب جريح"

شاب من هندوراس والمكسيك يموت مع 5 آخرين داخل حاوية شحن محكمة الإغلاق بتكساس
