حكاية أب فقد أطفاله في حرب غزة المؤلمة
قصة أحمد السقلي الأب الذي فقد ستة من أطفاله في قصف منزله بغزة بعد أن حُرم من العودة لعائلته بسبب الحرب والحصار. رحلة مؤلمة بين الفقد والأمل في لقاء ناقص مع من تبقى من أحبائه على وورلد برس عربي.

أمضى أحمد السقلي قرابة ثلاث سنوات يتهيّب فكرة العودة إلى قطاع غزة.
غادر هذا الأب لسبعة أطفال القطاعَ المحاصَر قبل أسبوع واحد من اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حين توجّه إلى إسرائيل بحثاً عن عمل. وبعد إغلاق المعابر، وجد نفسه محاصَراً في الضفة الغربية المحتلّة، عاجزاً عن العودة إلى عائلته لأكثر من عامَين متتاليَين.
في ديسمبر 2023، استهدف قصفٌ إسرائيلي المنزل الذي كانت عائلته تلجأ إليه في حيّ الصحابة بمدينة غزة، مما أدى لاستشهاد ستة من أبنائه السبعة.
منذ تلك اللحظة، باتت فكرة العودة تحمل ثقلاً لا يُطاق.
الشهر الماضي، داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجمعاً سكنياً في قلقيلية بالضفة الغربية، كان السقلي يقيم فيه مع عمّال آخرين من غزة. اعتُقل لأسبوعَين، قبل أن يُرحَّل قسراً إلى غزة.
قال السقلي: "كانت العودة إلى غزة وحضن عائلتي حلمي، لا سيّما خلال فترة اعتقالي وبعد كل ما تعرّضت له".
وأضاف: "كان التعذيب والإذلال لا يُحتمَلان، حتى إنّني كنت أتمنّى الموت في كل لحظة".
ثم قال بصوتٍ مثقلٍ بالألم: "لكنّني كنت أريد الفرار من تلك اللحظة. كنت أرهب أن أرى زوجتي وابنتي دون أطفالي الستة".
وداعٌ لم يكن آخر الوداع
قبل السابع من أكتوبر، كان الفلسطينيون يتنقّلون بصورة منتظمة إلى إسرائيل والضفة الغربية المحتلّة للعمل بموجب تصاريح تُصدرها السلطات الإسرائيلية، في قطاعات البناء والزراعة والخدمات.
يتذكّر السقلي: "لم أتخيّل قطّ أنّ اللحظة التي ودّعت فيها أطفالي قبل أن أغادر للعمل في جزءٍ آخر من وطننا، ستكون آخر لحظةٍ أقضيها معهم".
ويُكمل: "لم أتخيّل أنّ الرحلة التي خرجت فيها لأبني مستقبلهم ستفرّق مصائرنا، وتتركني عاجزاً عن حمايتهم أو حتى توديعهم".
مع اندلاع الحرب، كافح للتواصل مع عائلته وسط انقطاعات متكرّرة للاتصالات في غزة. وفي النادر من المرّات التي تمكّن فيها من الوصول إليهم، كان أطفاله يتوسّلون إليه بالعودة.
"نريدك بجانبنا. لا نريد عملاً ولا مالاً. نريدك فقط معنا"، كانوا يقولون.
في 8 ديسمبر 2023، وبعد محاولات فاشلة عديدة، تمكّن السقلي من التواصل مع عائلته عبر شريحة eSIM.
قال: "في تلك الدقائق القليلة، كانوا مرعوبين، وكلماتي لم تكن تحميهم من واقعهم".
وأضاف: "كان لديّ إحساسٌ رهيب. طلبت من زوجتي أن تكتب أسماءهم على أيديهم، خشيةً مما قد يحدث. ثم انقطع الخط".
بيت الأحلام
بعد دقائق قليلة، اتّصل به أحد أقاربه.
"قال لي إنّ المنزل الذي كانت عائلتي تحتمي فيه قد قُصف، وإنّ زوجتي وأطفالي كانوا في قلب الضربة".
لم يستطع السقلي تصديق ما سمعه.
"لا توجد كلمات تصف ما شعرت به في تلك اللحظة. إنّه شيءٌ لا ينبغي لأيّ إنسان أن يتحمّله".
استشهد ستةٌ من أبنائه السبعة. ولم تنجُ من بينهم سوى روسان.
"ما أبقاني صامداً هو أنّني علمت أنّ زوجتي الجريحة وابنتي روسان أُخرجتا حيّتَين من تحت الأنقاض".
بعيداً عن عائلته، كان السقلي يقضي أيّامه يحدّق في صور أطفاله ومقاطع الفيديو التي تجمعهم.
قال: "كنت أفكّر فيهم دائماً، وأُعيد مشاهدة صور ومقاطع رحلتنا العائلية إلى منتجع النور قبل أيّامٍ قليلة من مغادرتي".
"كانوا سعداء جداً. أخبروني كم هم ممتنّون لي".
كان قد اشترى منزلاً قرب البحر في منطقة السودانية شمال مدينة غزة، ليحقّق حلم أطفاله في العيش قريباً من الشاطئ. وقد دُمِّر المنزل لاحقاً.
"عملت لأحقّق أحلامهم. ما زلت أتذكّر فرحتهم وهم يجولون في المنزل، يختارون الغرف وألوان الجدران".
كان محمد ومهنّد يحلمان بغرفةٍ واسعة. أمّا التوأمان كنان وريان وبسنت، فكانا يحلمان بنزهاتٍ مع أبيهما.
وكانت إيلين رضيعةً لم تتجاوز شهرَين حين وقع الهجوم؛ لم يرَها والدها سوى مرّةٍ واحدة.
أمضى السقلي سنوات الحرب ينتظر العودة إلى زوجته وروسان، غير أنّ إغلاق المعابر جعل ذلك مستحيلاً، حتى الشهر الماضي.
"لقاءٌ ناقص"
في 21 يوليو، وبينما كان السقلي يتحدّث إلى زوجته عبر WhatsApp، سمع حركةً غير مألوفة خارج المبنى وأصوات كلاب.
حذّرها بأن تعتني بنفسها وبروسان، إذ أيقن أنّ الجيش على وشك اعتقاله.
داهمت قوات الاحتلال المبنى واعتقلت جميع العمّال الموجودين فيه، ومنهم السقلي.
بعد أسبوعَين، أُفرج عنه من سجن عوفر ونُقل إلى غزة مع 23 عاملاً آخرَين. كانوا مكبّلي الأيدي، معصوبي الأعين طوال رحلة استغرقت أربع ساعات نحو كرم أبو سالم، حيث سُلِّموا إلى الصليب الأحمر ونُقلوا إلى مستشفى ناصر.
قال السقلي: "حين اتّجهت نحو المعبر، كادت قدماي تخذلانني. شعرت كأنّني على وشك الإغماء".
"كلّ ما كان يشغل تفكيري هو لقائي الناقص، ذلك اللقاء الذي انتظرته طويلاً. لقد جاء أخيراً، لكنّ عائلتي لم تعد كاملة".
ثم تساءل بمرارة: "ماذا فعل أطفالي حتى تُسرق أحلامهم ويُقتلوا هكذا؟"
منذ بداية الحرب، قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 21,000 طفل في غزة والضفة الغربية، وفق ما أفادت الأمم المتحدة، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين ويُرجَّح أنّهم استشهدوا.
قال السقلي: "بدلاً من أن يكون أطفالي هناك ليستقبلوني، استقبلتني شهادات وفاتهم الست".
في مستشفى ناصر، كانت زوجته حياة (36 عاماً) تنتظره.
قالت حياة: "تلقّيت خبر الإفراج عنه الساعة الثانية ظهراً، بعد أسبوعَين لم أعلم فيهما شيئاً عن مصيره".
"خفق قلبي وأردت أن أطير إليه، غير أنّني لم أعرف كيف أواجهه دون أطفالنا الستة".
حين وصلت حافلة الصليب الأحمر، هرع الأقارب والأصدقاء نحو السقلي واحتضنوه.
أمّا حياة، فقد ظلّت واقفةً في مكانها كأنّها تمثال.
"لم أستطع الجري. لم أستطع حتى المشي. شعرت بعجزٍ تامّ عن الحركة".
حين اقترب منها السقلي، كان لقاؤهما بعد قرابة ثلاث سنوات من الفراق صامتاً مغرقاً في الدموع.
ثم قالت له حياة: "سامحني. لم أستطع حماية ما أودعتني إيّاه".
كانت حياة قد عاشت ثقل هذا الفقد وحدها، وهي تتعافى من جراحها وتُهجَّر مراراً وتكراراً.
قالت: "بعد الضربة التي أودت بحياة أطفالنا، كنت في ألمٍ نفسيٍّ رهيب جرّاء فقدانهم، فضلاً عن إصاباتي الجسدية".
واقعٌ جديد
تعيش العائلة الآن في خيمةٍ في المواصي بخان يونس.
قالت حياة: "من الصعب جداً عليه التأقلم مع الحياة في خيمة، لا سيّما في الصيف حين يحرق الحرُّ أجسادنا".
وفق ما أفادت الأمم المتحدة، تضرّر أو دُمِّر أكثر من 90 بالمئة من مباني غزة، ما اضطرّ قرابة 1.9 مليون شخص إلى النزوح، من بينهم 800,000 يعيشون في خيامٍ مؤقّتة. وتوفّر هذه الخيام حمايةً شحيحة من العوامل الجوّية، وتعرّض ساكنيها للحشرات والقوارض والأمراض.
قالت حياة: "حين عدنا من المستشفى إلى خيمتنا، لا أستطيع وصف التعبير الذي كان على وجه زوجي".
"صُدم من حجم الدمار والطرق المهشّمة. والآن، داخل الخيمة، يواجه صدمةً أخرى: الأوضاع البدائية التي نعيش فيها".
وترى حياة أنّ زوجها يقف أمام مهمّة إعادة بناء حياةٍ تهدّمت من أساسها.
"إلى جانب فقدان أطفالنا، عليه أن يُعيلنا، لكنّه عاملٌ في البناء في قطاعٍ انهار كلياً في غزة".
في الخيمة، يمضي السقلي معظم وقته مستلقياً على فراشٍ رفيع، يتصفّح صور أطفاله المحفوظة على هاتفه.
وبجانبه تقبع شهادات وفاتهم الست.
يحدّق فيها، يضمّها إلى صدره، ويردّد: "هذا كلّ ما تبقّى لي منهم".
أخبار ذات صلة

إطلاق سراح جندي بحري أمريكي من الاحتجاز الروسي يُعيد الأضواء على معتقلين آخرين

أعمال دولي بارتون الخيرية استندت إلى "إيمانها بطيبة الناس"

الروهينجا في مخيمات بنجلاديش يطالبون بعودة آمنة إلى ميانمار
