وورلد برس عربي logo

رحلة الألم والاختفاء على خط الصفر في غزة

محمد أبو خمّاش شاب فلسطيني يعاني مرض نفسي تدهورت حالته بسبب الحرب في غزة. اختفى قرب الخط الأصفر حيث استشهد ولم تستطع عائلته استعادة جثمانه وسط قيود الاحتلال ومعاناة مستمرة في ظل النزاع وورلد برس عربي ينقل القصة.

امرأة فلسطينية تعانق رجلاً يبكي بحرقة في مشهد يعكس الحزن العميق لعائلة محمد أبو خمّاش بعد فقدانه في خط النار الإسرائيلي في غزة.
ينوح المشيعون بجانب جثمان أحد الفلسطينيين الذين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة في 21 يوليو 2026 (عمر القتاة/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في اليوم الذي اختفى فيه محمد أبو خمّاش، خيّم الرعب على عائلته.

كان هذا الشاب الفلسطيني البالغ من العمر 29 عاماً، وأبٌ لثلاثة أطفال، يعاني منذ سنوات من مرض نفسي حاد. ومنذ أن بدأت الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، تدهورت حالته بشكل ملحوظ.

خشيةً من أن يتجوّل في المناطق الخطرة المتزايدة داخل القطاع، كان أفراد عائلته يتناوبون على مرافقته والبقاء إلى جانبه. لكنّه في يومٍ من الأيام أفلت من بين أيديهم.

ولم يعد.

قال والده عودة أبو خمّاش: "حين أدركتُ أنّه اختفى، بحثتُ عنه في كلّ مكان. نشرتُ صورته على وسائل التواصل الاجتماعي، وتوسّلتُ إلى الناس أن يتصلوا بي إن وجدوه."

بعد ثلاثة أيام، وصلت العائلة أنباءٌ مدمِّرة.

"أُخبرتُ أنّه توجّه نحو الخطّ الأصفر، حيث أطلق الجيش الإسرائيلي قذيفةً عليه فاستشهد ."

منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر، انقسم قطاع غزة فعلياً إلى مناطق تتباين تبايناً حاداً في مستويات الوصول والسيطرة. وقد غدا ما بات يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، الذي أُعلن عنه في 10 أكتوبر، النقطةَ المرجعية الرئيسية للمناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية منتشرة فيها. ويغطّي هذا الخطّ أكثر من 60% من مساحة غزة، وقد أسفر عملياً عن حصر غالبية الفلسطينيين في رقعةٍ محدودة تتصاعد فيها الكثافة السكانية وتتفاقم الاحتياجات الإنسانية.

وقد نصب الجيش الإسرائيلي لاحقاً علاماتٍ خرسانية صفراء على طول أجزاء من هذا الحدّ، في مواضع بدت في بعض الأحيان متجاوزةً للخطّ الأصلي.

والفلسطينيون الذين يقتربون من هذا الخطّ أو يحاولون اجتيازه يتعرّضون بشكلٍ منتظم لإطلاق النار من قِبَل القوات الإسرائيلية. وقد ارتقى عشرات الشهداء على امتداد هذا الخطّ منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.

ولأنّ المنطقة أُعلنت منطقةً محظورة، عجزت عائلاتٌ كثيرة عن استعادة جثامين ذويها الذين ارتقوا بالقرب من الخطّ أو خلفه، فظلّت الجثث في العراء لأسابيع بل لأشهر. وبينما وثّقت العائلات والصحفيون والمنظمات الإنسانية عشرات الحالات، يبقى الحجم الحقيقي لهذه المأساة مجهولاً.

كان محمد واحداً من هؤلاء، إذ ظلّت جثّته بعيدة المنال لأيام.

تدهور الصحة النفسية

وفقاً لعودة، كان محمد يعاني من الذُّهان (Psychosis) منذ سنوات، ويُقاسي جنوناً بالاضطهاد وأوهاماً وشكوكاً متواصلة تجاه من حوله.

قال عودة: "قبل الحرب، كنّا نأخذه إلى مركز غزة للصحة النفسية المجتمعية كلّما أُصيب بنوبة. كان يمكث هناك ما بين أسبوعين وشهر، يرعاه الأطباء ويتابعون حالته عن كثب."

غير أنّ الحرب حين اندلعت، جعل القصف المتواصل والهجمات المتكرّرة على المستشفيات أيَّ علاجٍ أمراً مستحيلاً. فباتت العائلة تتولّى رعاية محمد داخل خيام النزوح التي كانت تقطنها.

لكنّ الحفاظ على سلامته أصبح أمراً متعذّراً يوماً بعد يوم. كان يحاول مراراً العودة إلى منزل العائلة المدمَّر في شرق دير البلح.

قال عودة: "كان عليّ أن أرافقه في كلّ وقت، لكنّني لم أكن وحدي. تسعةٌ من أفراد العائلة كانوا يتناوبون على مراقبته لمنعه من التجوّل في المناطق الخطرة. قبل الحرب، كانت نوباته لا تتجاوز عادةً شهراً واحداً. هذه المرة امتدّت لأشهر."

وتفاقمت حالة محمد بعد استشهاد أخيه الأصغر أسامة في أغسطس 2025. وبحسب عودة، كان أسامة يساعد في تأمين مساعدات إنسانية لدار أيتام حين استشهد في غارةٍ جوية إسرائيلية.

قال عودة: "بعد استشهاد أسامة، لم يستطع محمد أن يتحمّل. كان يدعو الله أن يميته، ويحاول مراراً التوجّه نحو الخطّ الأصفر قائلاً إنّه يريد أن ينتقم لأخيه. كان يناديه باسمه دائماً، ولم يقبل أنّه رحل، وكان يخرج بحثاً عنه كأنّه لا يزال حيّاً."

وقبل أربعة أشهر فحسب من ذلك، كانت العائلة قد مرّت بمصيبةٍ أخرى: استشهاد أخٍ آخر لمحمد يُدعى مروان، البالغ من العمر 20 عاماً، على يد القوات الإسرائيلية حين كان يحاول الحصول على دقيقٍ للعائلة في خضمّ أزمة المجاعة التي يعيشها القطاع.

البحث عن الجثمان

بعد علمهم بوفاة محمد، شرع أفراد العائلة في محاولة استعادة جثمانه. وفي ظلّ القيود المشدّدة على الوصول وشحّ المعلومات، لجأوا إلى أشخاص لديهم اتصالات مع الميليشيات المسلّحة المدعومة إسرائيلياً والعاملة على طول الخطّ الأصفر.

عثر أفراد من هذه الميليشيات على المكان الذي استشهد فيه محمد، لكنّهم أفادوا بأنّهم لا يستطيعون استعادة جثمانه دون موافقة الجيش الإسرائيلي.

وهذه الميليشيات جماعاتٌ مسلّحة تعمل في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة بدعمٍ إسرائيلي. وفي يونيو 2025، أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu علناً بأنّ إسرائيل "فعّلت" جماعاتٍ مسلّحة في غزة بهدف إضعاف حركة حماس وزعزعة الاستقرار.

وقد وُجِّهت إلى هذه الميليشيات اتهاماتٌ بارتكاب انتهاكاتٍ واسعة بحقّ الفلسطينيين، تشمل قتل المدنيين واختطافهم ونهب المساعدات الإنسانية. وسعت بعض هذه الجماعات أيضاً إلى تصوير نفسها بصورة مغايرة، إذ أقدمت أحياناً على مساعدة المدنيين ثم حثّهم على نشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يُعربون فيها عن امتنانهم.

وأفاد عودة بأنّ أفراد الميليشيا أخبروه بأنّ الجيش الإسرائيلي رفض السماح لهم باستعادة جثمان محمد.

قال: "كلّ ما أردناه هو إحضار جثمان ابني إلى البيت لندفنه بكرامة."

وعلى الرغم من غياب اليقين، حفر الأقارب والجيران قبراً استعداداً لدفنه.

"ظلّ القبر مفتوحاً لأيام لأنّنا لم نستطع استعادة جثمانه."

بحثُ أمٍّ لا تعرف اليأس

لتسعة أيام كاملة، ظلّ جثمان محمد مكشوفاً في المكان الذي ارتقى فيه.

قال عودة: "حين فشلت كلّ المحاولات، فقدت زوجتي كلّ إحساسٍ بالخوف. لم تكن تنام، وكانت تكرّر: 'سأذهب وأعيده بنفسي.' دخلت المنطقة، وكاد الجيش الإسرائيلي أن يطلق عليها النار."

حاملةً رايةً بيضاء، كانت تسير نحو الخطّ الأصفر يوماً بعد يوم.

قال عودة: "لمدة يومين على الأقل، كانت تغادر عند الفجر بحثاً عنه ولا تعود إلا بعد الغروب إلى منزل أحد الأقارب القريب من الخطّ الأصفر."

وفي منشورٍ على Facebook كتبه خلال تلك الأيام، وصف عودة معاناة زوجته قائلاً: "لم أرها منذ يومين. قبل ذلك، كنتُ أتجنّب رؤيتها حتى لا تسألني: 'ما هذه الحياة التي نعيشها، وما معناها؟' لقد تعبتُ من الشفقة."

وفي اليوم الأخير من بحثها، حلّقت فوقها طائرةٌ مسيَّرة (كوادكوبتر) إسرائيلية. وعبر مكبّر الصوت، أمرها ضابطٌ إسرائيلي بالتراجع، محذّراً من أنّ الجنود سيفتحون النار إن واصلت تقدّمها.

قال عودة: "رفضت زوجتي. قالت لهم: 'إن أردتم إطلاق النار عليّ فافعلوا. لن أغادر حتى أعيد جثمان ابني.'"

وبعد عجزها عن العثور على رفات محمد، عادت في نهاية المطاف خالية اليدين.

بعد تسعة أيام من استشهاده، أتاح التنسيق بين الميليشيات والجيش الإسرائيلي أخيراً استعادة الجثمان.

قال عودة: "استعادت الميليشيات رفات محمد، وتمكّنّا أخيراً من مواراته الثرى."

وأظهرت صورٌ نشرها صحفيون محليون والدةَ محمد وهي تمسك بكيسٍ بلاستيكي أسود يبدو أنّه يحتوي على رفات ابنها، التي تحلّلت بشدّة بعد أيام من التعرّض للهواء الطلق.

قال عودة: "لا أبالغ حين أقول إنّ محنة استعادته كانت أشدّ وطأةً من فقدانه."

أخبار ذات صلة

Loading...
ممرضة ترتدي بدلة واقية في مركز علاج إيبولا بإيتوري الكونغولية وسط تفشي سريع لسلالة نادرة من فيروس إيبولا بدون لقاح.

انتشار الإيبولا في الكونغو يتجاوز 3 آلاف إصابة وسط إضراب عمال الصحة

تواجه الكونغو تفشياً غير مسبوق لفيروس إيبولا سلالة بوندي بوغيو بلا لقاح وسط إضرابات العاملين الصحيين وتأخّر الرواتب، ما يعقّد جهود السيطرة على الوباء. اكتشف أسباب الأزمة وتابع آخر التطورات في قلب المعركة الصحية الآن.
Loading...
فرق طبية ترتدي ملابس واقية تنقل تابوتًا خلال تفشّي فيروس إيبولا في الكونغو، مع ارتفاع عدد الوفيات بسرعة قياسية.

تفشّي إيبولا 2024: معدّل انتشار يتجاوز أسوأ تفشٍّ موثّق

تفشّي فيروس إيبولا في الكونغو بلغ ألف وفاة بسرعة غير مسبوقة، مع سلالة نادرة بلا لقاحات متوفرة. اكتشف أسباب التفشّي وكن جزءاً من الحل بمتابعة التفاصيل المهمة الآن.
Loading...
فرق طبية ترتدي بدلات واقية تعقم سيارة إسعاف في الكونغو ضمن جهود مكافحة تفشي فيروس الإيبولا سريع الانتشار.

تفشي الإيبولا في الكونغو وأوغندا: خبراء يحللون أزمة تجاوزت الألف وفاة

ينتشر فيروس إيبولا في شرق الكونغو بسرعة مقلقة مع أكثر من ألف وفاة وسلاسل انتقال مجهولة المصدر، ما يهدد الصحة العامة. اكتشف التفاصيل وكن على اطلاع دائم لتفادي المخاطر.
Loading...
امرأة إثيوبية تبكي بحرقة تعبيراً عن الحزن والأسى على فقدان ابنها في غارة جوية أمريكية استهدفت مهاجرين في اليمن.

أمريكا قتلت ابني: إثيوبيون قصفتهم الولايات المتحدة في غارة على سجن يمني

مأساة هيووت مهاري تكشف معاناة آلاف الشباب الإثيوبيين في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو الخليج بحثاً عن حياة أفضل. اكتشف تفاصيل القصة المؤثرة وكيف تركت الغارة الأمريكية أثرها المدمر على الأسر. اقرأ المزيد الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية