صراع العقوبات وتحديات النمو في قمة العشرين
في اجتماع وزراء مالية G20 بمدينة آسفيل، تبرز تحديات العقوبات على إيران والصين وسط توترات اقتصادية عالمية. واشنطن تسعى لقيادة أجندة نمو تواجه جبل الديون وسط تحالفات معقدة وتوترات تجارية متصاعدة وورلد برس عربي





في مدينة Asheville بولاية نورث كارولاينا، التي لا تزال تلملم جراحها من إعصار Helene المدمّر، التأم وزراء مالية دول مجموعة العشرين (G20) في أكتوبر 2024 حول طاولةٍ واحدة تتقاطع فوقها خيوط الحرب الاقتصادية والتوترات التجارية والديون المتراكمة. لم تكن الرمزية غائبةً عن ذهن وزير الخزانة الأمريكي Scott Bessent حين اختار هذه المدينة المنكوبة مسرحاً للنقاش عن النمو الاقتصادي العالمي — فالمدينة التي قتل فيها الإعصار أكثر من 250 شخصاً وخلّف خسائر تجاوزت 80 مليار دولار تحوّلت في خطابه إلى أيقونةٍ للصمود وإعادة البناء.
عقوبات طهران: من «العزلة الاقتصادية» إلى حافة الانهيار؟
أعلن Bessent في الاجتماع عن نيّة واشنطن فرض عقوبات على مصرفٍ إيراني جديد، في إطار ما تُسمّيه الإدارة الأمريكية «عملية المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast). وكانت الولايات المتحدة قد قيّدت في وقتٍ سابق من الشهر ذاته عمليات مصرفٍ مصري في الإمارات، ضمن سلسلة إجراءات تستهدف شبكات التمويل المرتبطة بطهران.
ولم يُخفِ Bessent ثقته بفاعلية هذا المسار حين قال: «أعتقد أنّ ذلك قد يحدث في غضون أسابيع أو أشهر — والاقتصاد لا يجب أن ينهار، يكفي أن يعود النظام إلى رشده». هذه الصياغة تكشف عن استراتيجية مزدوجة: الضغط الاقتصادي أداةً لانتزاع تنازلات سياسية، لا لتدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل. والاتحاد الأوروبي يُبدي دعمه لهذا المسار، ما يمنح واشنطن غطاءً متعدّد الأطراف في مواجهة طهران.
غير أنّ المعادلة تزداد تعقيداً حين يدخل الطرف الصيني على الخط. فالصين هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وأيّ عقوبات أمريكية على بنوك صينية كبرى — وهو ما لوّح به Bessent بقوله إنّ «كلّ الخيارات مطروحة على الطاولة» — ستفتح جبهةً اقتصادية بالغة الخطورة.
الصين في المعادلة: بين التلويح والتحذير
Nicholas Mulder، المؤرّخ المتخصّص في العقوبات من جامعة Cornell، يرسم صورةً أكثر تحفّظاً. يرى أنّ «فرض عقوبات على مصرفٍ صيني كبير سيُحدث اضطراباً حاداً ويستدعي رداً انتقامياً»، مضيفاً أنّ العقوبات التي تُعطّل تدفّقات النفط ستُغذّي التضخّم وتضع الاحتياطي الفيدرالي في موقفٍ بالغ الحرج. وفي إطارٍ أشمل، يُحذّر Mulder من أنّ «خزانة Bessent تجد نفسها أمام ضغوطٍ متصاعدة في أسواق السندات، وسيكون من الصعب جداً تكرار الأمر في مجال إنفاذ العقوبات بمصداقية».
Bessent من جهته رفض وصف واشنطن بالتردّد في مواجهة بكين، مؤكّداً: «هذه رواية زائفة تماماً». لكنّ الفجوة بين الخطاب والأدوات المتاحة تظلّ موضع تساؤل حقيقي.
طاولة G20: تناقضات مكشوفة
لم تخلُ قاعة الاجتماع من مشاهد لافتة. فقد التقى Bessent بنظيره الروسي Anton Siluanov على هامش القمّة، رغم استمرار الحرب في أوكرانيا. وحين سُئل الرئيس Donald Trump عن مشاركة موسكو، أجاب ببساطة: «نحبّ التعامل مع الجميع». هذه الجملة القصيرة تلخّص التوتّر الكامن في السياسة الأمريكية: عقوباتٌ على إيران وتلويحٌ بعقوبات على الصين، مع انفتاحٍ على روسيا في الوقت ذاته.
وزير المالية الفرنسي Roland Lescure أبدى أمله في صدور بيانٍ مشترك من G20 حول النمو الاقتصادي، لكنّه لم يُخفِ قلقه من المشهد الراهن، واصفاً الاقتصاد العالمي بأنّه «لا يمكن التنبّؤ به، وضبابي».
Daniel Fried، المسؤول الأمريكي السابق المتخصّص في الشأن الأوروبي، أضاف تحذيراً من نوعٍ آخر: واشنطن قد تجد صعوبةً في حشد حلفائها بسبب سياساتها الأخيرة، في إشارةٍ ضمنية إلى التعريفات الجمركية التي فرضتها على حلفاء تقليديين.
أجندة النمو في مواجهة جبل الديون
على الصعيد الاقتصادي الأشمل، دعا Bessent شركاء واشنطن إلى الانضمام إلى «أجندة النمو» الأمريكية، قائلاً: «نريد أن يسير بقية العالم معنا في أجندة النمو، سواءٌ تعلّق الأمر بإلغاء القيود التنظيمية، أو الاستقلالية في الطاقة، ونريد مناقشة الاختلالات العالمية، وتنظيم القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة الديون السيادية لبعض الدول النامية». الديون العالمية وصفها المسؤولون بأنّها «جبلٌ» لا يمكن تجاوزه إلّا بنموٍّ حقيقي ومستدام.
السؤال الذي يطرحه هذا الاجتماع لا يتعلّق بما أُعلن فيه، بل بما سيُختبر في الأسابيع القادمة: هل تستطيع واشنطن أن تُحكم الخناق على طهران دون أن تُشعل جبهةً مع بكين؟ وهل تملك المصداقية الكافية لتقود تحالفاً دولياً في مجال العقوبات بعد أن أربكت علاقاتها مع حلفائها التقليديين؟ الإجابة لن تتأخّر طويلاً.
أخبار ذات صلة

ميناء إيراني يعاني من تشديد العقوبات الأمريكية

إيران تتوعّد بمواجهة تدخّل الأعداء الأجانب مع تهديدات ترامب بعقوباتٍ جديدة

الولايات المتحدة تتوعّد إيران بعقوباتٍ جديدة والأسعار تقفز
