بندر عباس بين الحصار والركود الاقتصادي الخانق
في بندر عباس ينهار الاقتصاد تحت وطأة الحصار الأمريكي الذي جفف الميناء وأوقف حركة التجارة وأدى إلى تراجع حاد في المبيعات وارتفاع البطالة وسط خوف دائم من البحر. قصة المدينة التي تكافح من أجل البقاء مع وورلد برس عربي.





في مدينة بندر عباس، حيث يلتقي الخليج بمضيق هرمز، لم تعد رائحة البحر وحدها تملأ الهواء بل باتت معها رائحة الخوف وضيق المعيشة. منذ أن فرضت الولايات المتحدة حصارها على الموانئ الإيرانية في أبريل 2024، ثم أعادت فرضه بعد انهيار مفاوضات طهران، تحوّلت هذه المدينة التي يتجاوز عدد سكانها 700,000 نسمة من بوابةٍ تجارية حيوية إلى مشهدٍ من الركود والقلق اليومي.
ميناء بلا حركة
ميناء شهيد رجائي، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 100 مليون طن متري من البضائع سنوياً، بات يعمل بظلٍّ من نشاطه السابق. تقول محاسبة في إحدى شركات التخليص الجمركي إن حجم العمل انهار بنسبة تتراوح بين 80 و90 بالمئة؛ إذ انخفض عدد الملفات المعالجة من نحو 100 ملف إلى ما لا يتجاوز 10 ملفات. أما على الرصيف، فيختصر عامل الميناء محمد طورابيان الوضع بجملةٍ واحدة: «العمل الآن كارثي».
نحو 500 شخص كانوا يعتاشون من النشاط المحيط بالرصيف؛ اليوم، كثيرٌ منهم بلا مصدر رزق. الحصار لم يُغلق الميناء بقرارٍ رسمي فحسب، بل جفّف شرايين الاقتصاد المحلي التي كانت تتغذّى من حركة السفن والبضائع.
البحر أصبح خطراً
على الواجهة البحرية، يروي عباس كلزنائي، سائق القارب الآلي الذي يُقلّ الركاب، كيف ضاق أفق عمله بعد أن كانت رحلاته تمتد حتى 30 ميلاً (48 كيلومتراً) في عرض البحر. «قبل الحرب، كان العمل جيداً. الآن لا أستطيع أن أتجاوز سبعة أو ثمانية أميال. البحر لم يعد آمناً».
هذه الجملة تحمل في طيّاتها ما لا تستطيع الأرقام أن تقوله: إن الحرب لم تُعيد رسم خرائط التجارة فحسب، بل أعادت رسم حدود الحياة اليومية لكلّ من يعيش على امتداد هذا الساحل.
الأسواق في موسم الركود
في الأسواق، يُعاني تجار الملابس من شحّ الزبائن في موسمٍ كان يُفترض أن يكون من أكثر المواسم ازدهاراً. فالعودة إلى المدارس في سبتمبر تقليدياً موسمٌ للتسوّق المكثّف، لكن هذا العام جاء مختلفاً. يقول مهرداد جهانكيري، تاجر ملابس الأطفال، إن مبيعاته تراجعت بنحو 50 بالمئة مقارنةً بالعام الماضي. «جيوب الناس فارغة والدخول تراجعت»، يضيف، ثم يُكمل بإيجاز: «ببساطة، لا يوجد زبائن».
وحين سُئل عمّا إذا كان قد غيّر نمط إنفاقه الشخصي، أجاب بحسم: «بالتأكيد. تغيّر كثيراً».
لم يكن موسم النوروز رأس السنة الإيرانية الجديدة، وهو الموسم التجاري الأهمّ في البلاد بمنأى عن هذا التراجع. فقد اصطدم بالحصار والغارات الجوية في وقتٍ كان الناس يأملون فيه بعض الانفراج.
«قتلوا الناس في المدارس»
بعيداً عن أرقام التجارة، يحمل سائق التاكسي حامد حاجي زاده غضباً هادئاً لا يُخفيه. «هم أبطالٌ في الأفلام، لكنهم هنا قتلوا الناس في المدارس وحفلات الأعراس وأماكن أخرى. قصفوا الطرق والجسور». كلماته تُذكّر بأن ما تُسمّيه البيانات الرسمية «ضربات مستهدفة» يتحوّل على الأرض إلى خسائر بشرية في مواقع مدنية.
هرمز في قلب الحسابات الكبرى
لا يمكن فهم ما يجري في بندر عباس بمعزلٍ عن موقعها الاستراتيجي على مضيق هرمز، الممرّ الذي يعبر منه جزءٌ كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. الحصار الأمريكي يهدف صراحةً إلى منع إيران من تصدير نفطها في خضمّ الحرب، وقد انهارت المفاوضات التي كان يقودها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مع الجانب الأمريكي، ممّا أفضى إلى إعادة فرض الحصار والغارات على المناطق الساحلية القريبة من المدينة.
في هذا السياق، تواصل العملة الإيرانية تراجعها إلى مستوياتٍ قياسية، مُضاعِفةً من وطأة الأزمة على المواطن العادي الذي يجد نفسه محاصراً بين ارتفاع الأسعار وانهيار الدخل.
السؤال الذي يتردّد في أزقّة بندر عباس ليس عن مآلات الدبلوماسية أو مصير المفاوضات، بل عن شيءٍ أبسط وأكثر إلحاحاً: متى يعود الزبائن إلى المحلّات، ومتى يصبح البحر آمناً من جديد؟
أخبار ذات صلة

تحركات Bessent الدبلوماسية: G20 تجتمع لتوحيد الموقف من إيران وسط توترات التعريفات

إيران تتوعّد بمواجهة تدخّل الأعداء الأجانب مع تهديدات ترامب بعقوباتٍ جديدة

الولايات المتحدة تتوعّد إيران بعقوباتٍ جديدة والأسعار تقفز
