رحلة اكتشاف نيوترينوات الكون عبر جليد القطب
فرانسيس هالزن يفوز بجائزة نوبل في الفيزياء لإنجازه الثوري بمرصد IceCube في القطب الجنوبي الذي كشف عن نيوترينوات عالية الطاقة من الفضاء. قصة شجاعة وعلمية غيرت فهمنا للكون عبر تلسكوب مصنوع من الجليد تحت الأرض وورلد برس عربي.

عندما اتصلت به الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم لإبلاغه بالخبر، كان فرانسيس هالزن في إيطاليا، بعيداً عن مختبره في جامعة ويسكونسن-ماديسون، وبعيداً أكثر عن القارة القطبية الجنوبية حيث يرقد مشروع عمره تحت كيلومتر من الجليد. "لقد كانت مفاجأة كبيرة، ولم أكن أتوقّعها بالطبع"، قال الفيزيائي البلجيكي المولد تعليقاً على فوزه بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026. الأكاديمية، التي أعلنت الجائزة هذا الأسبوع، منحتها له "لإسهاماته الحاسمة في مرصد IceCube للنيوترينوات واكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة ذات أصل فلكي فيزيائي"، كما جاء في حيثيات الجائزة.
لكنّ هالزن نفسه كان حريصاً، في تصريحاته للصحافة وفي المؤتمر الصحفي من ستوكهولم، على ألا يُقرأ اسمه بمعزل عن مئات الباحثين الذين عملوا معه لعقود. "هذا يعكس شجاعة أولئك الذين انضمّوا إليّ في هذا المشروع في وقتٍ لم يكن أيّ فيزيائي محافظ ومحترم ليقبل الانضمام إليه. لكنّ كثيرين من الموهوبين فعلوا ذلك، ولهذا أنا هنا اليوم"، قال واصفاً فريقه بـ"التعاون الكبير". دانييل نورسيني، الفيزيائية في جامعة جونز هوبكنز، وصفته بدورها بأنه "الرؤية العلمية والمحرّك الحقيقي" خلف المشروع: "لقد غيّر فهمنا للكون باكتشاف أوّل نيوترينوات عالية الطاقة من خارج مجرّتنا، وفتح مجالاً جديداً كلياً هو فلك النيوترينوات. التجربة إنجازٌ استثنائي لمئات العلماء والمهندسين والمتعاونين، لكنّ فرانسيس هو من تجرّأ على تخيّل تجربة بهذا الحجم ثم ظلّ يدفع بلا كلل لتحقيقها".
من فكرة متهوّرة إلى تلسكوب من الجليد
القصة تبدأ عام 1988، حين اقترح هالزن إقامة مرصد للنيوترينوات في القطب الجنوبي، في محطة بحثية كانت قائمة أصلاً هناك. الفكرة بدت وقتها أقرب إلى المجازفة: تحويل كتلة هائلة من الجليد القطبي الطبيعي إلى أداة لرصد أخفّ الجسيمات دون الذرية وأكثرها مراوغة. مايكل مولوني، الرئيس التنفيذي للمعهد الأمريكي للفيزياء، لخّص الأمر بقوله إنّ "هالزن كانت لديه فكرة جريئة بأنّ بالإمكان تحويل حجم هائل من جليد القطب الجنوبي الطبيعي إلى تلسكوب للنيوترينوات، ثم قاد جهداً استمرّ عقوداً حوّل تلك الفكرة إلى IceCube، الذي يوفّر اليوم نافذة استثنائية على الكون وبعض أكثر ظواهره بُعداً وطاقة. هذه الجائزة تُبرز إحدى القصص المتكرّرة الكبرى في الفيزياء: حين نجد طريقة جديدة جذرياً لمراقبة الطبيعة، غالباً ما نكتشف أسئلة جديدة كلياً لم نكن نعرف من قبل كيف نطرحها".
قبل IceCube كان هناك مشروع أصغر يُسمّى AMANDA، لكنّ الطبقات العليا من الجليد في موقعه كانت تحتوي على فقاعات هوائية شوّشت على مسارات الضوء وأفسدت تتبّع مسارات النيوترينوات، فضلاً عن أنّ حجم كاشفه لم يكن كافياً لرصد موثوق. الحل جاء من عمق أكبر: الجليد الأنتاركتيكي أسفل 1400 متر تبيّن أنه نقي بدرجة عالية. يروي هالزن تلك المرحلة التجريبية بقوله: "كان موقفنا هو: لندرس الجليد، ولنصمّم مثقاباً بالماء الساخن، ولنرَ إن كان سينجح. كان لا بد أن يكون الجليد صافياً، وأن تنجح طرق الحفر التي طوّرناها في ماديسون، وأن نكون قادرين على استبعاد التشويش. بدأنا صغاراً، ولدهشتنا تجاوزنا كل هذه العقبات. وفجأة كان لدينا الأدوات لبناء كاشف بحجم كيلومتر مكعّب. في ما يقارب أربعين عاماً من مغامرة AMANDA/IceCube، لم يخبرنا أحد يوماً أنّ هذا غير مثير للاهتمام. كانت المسألة فعلاً مسألة تكنولوجيا".
بتقنية الحفر بالماء الساخن حُفرت ثقوب بعمق كيلومتر في الجليد، أُنزلت فيها كابلات تحمل سلاسل من أجهزة استشعار ضوئية. النتيجة النهائية: كاشف يمتد على كيلومتر مكعّب من جليد أنتاركتيكا، يضمّ 5160 جهاز استشعار ضوئي موزّعة على 86 كابلاً، بحجم كرات سلة مدفونة في الجليد. بدأ IceCube العمل عام 2011، وتجاوز كل التوقعات. يقول هالزن: "أكبر مخاطرة خضناها كانت أنّ أحداً لم يكن يعرف إن كان الكاشف بحجم كيلومتر مكعّب كافياً فعلاً لرصد نيوترينوات من خارج غلافنا الجوي قادمة من الكون، وكانت هذه أكبر مخاطرة لدينا. لكن الأمر استغرق سنتين فقط لرصد ذلك".
رحلة نصف قرن خلف "الجسيم الشبح"
لفهم حجم الإنجاز، لا بدّ من العودة إلى عام 1930، حين اقترح الفيزيائي فولفغانغ باولي، في رسالة إلى زملائه، وجود جسيم متعادل الشحنة عديم الكتلة لتفسير طاقة بدت مفقودة في تحلّل بيتا الإشعاعي. أنريكو فيرمي هو من أطلق عليه لاحقاً اسم "نيوترينو". ظلّ الجسيم افتراضياً حتى عام 1956، حين رصده كلايد كوان وفريدريك راينز لأول مرة تجريبياً. الروائي إسحاق أسيموف أطلق عليه لقب "الجسيم الشبح"، وهو وصف دقيق لجسيم لا يحمل شحنة كهربائية وله كتلة ضئيلة جداً، كان يُعتقد لعقود أنها معدومة تماماً، ونادراً ما يتفاعل مع المادة. مليارات النيوترينوات تخترق أجسامنا كل ثانية دون أن نشعر بها، وهذه الخاصية نفسها هي ما يجعلها أداة ثمينة: فهي تهرب من الاصطدامات شبه سليمة، حاملةً معها أدلّة عن أنظمة بعيدة جداً في الفضاء، وهو ما ألهم الشاعر جون أبدايك عام 1959 كتابة قصيدته "Cosmic Gall" عن هذا الجسيم العابر للكواكب والأجساد دون عائق.
بعد عشر سنوات من رصد كوان وراينز، اكتُشفت أولى النيوترينوات الشمسية، لكنّ أعدادها المرصودة كانت أقل بكثير مما تتنبأ به النظرية، وهو ما عُرف بـ"مشكلة النيوترينو الشمسي". الحل جاء تدريجياً: اكتُشف نيوترينو الميون عام 1962، ثم نيوترينو تاو عام 2000، وفي 1998 قدّم تعاون Super-Kamiokande الياباني أدلّة تدعم فكرة أنّ النيوترينوات تغيّر "خاصيتها" أثناء انتقالها. وفي عام 2002 أعلن مرصد سدبري للنيوترينوات الكندي حلّ اللغز نهائياً: النيوترينوات الإلكترونية الشمسية المفقودة لم تكن مفقودة، بل تحوّلت إلى خاصية أخرى في طريقها من الشمس إلى الأرض. هذا الإنجاز العلمي كُرِّم مرتين بجائزة نوبل: عام 2002 شارك راي ديفيس الابن وماساتوشي كوشيبا الجائزة مع ريكاردو جياكوني، وفي 2015 حصل آرثر ب. ماكدونالد وتاكاكي كاجيتا عليها تحديداً لاكتشافهما تذبذب خصائص النيوترينو، وهو ما يعني ضمنياً أنّ للنيوترينو كتلة، مهما كانت ضئيلة.
جائزة هالزن لعام 2026 تضيف فصلاً جديداً إلى هذا التاريخ، لكنها تنتقل بالسؤال من "ما هو النيوترينو؟" إلى "من أين يأتي؟" — وهو انتقال يفتح الباب أمام ما يُعرف بعلم الفلك "متعدّد الرسائل"، الذي يجمع بين معلومات النيوترينوات، والرصد عبر الطيف الكهرومغناطيسي، والموجات الثقالية، في محاولة لتركيب صورة أكمل عن الظواهر الكونية الأكثر عنفاً.
كيف يصطاد الجليد نيوترينو جاء من مجرّة أخرى؟
آلية عمل IceCube تقوم على مبدأ غير مباشر بالكامل: الكاشف لا يُطلق أي إشارة نحو الفضاء، بل ينتظر. حين يصطدم نيوترينو نادراً بذرّة في الجليد، تنتج عن الاصطدام جسيمات مشحونة تُصدر ومضات من الضوء فوق البنفسجي والأزرق، يلتقطها IceCube سواء في شكل "زخّات" كبيرة من الجسيمات والفوتونات أو في شكل تفاعلات لا تُنتج سوى عدد قليل من الفوتونات. يعتمد المرصد على مصادر طبيعية للنيوترينوات فقط — سواء القادمة من أعماق الفضاء أو تلك الناتجة عن اصطدام الأشعة الكونية بالغلاف الجوي للأرض — ويستخدم الكرة الأرضية نفسها كمرشّح طبيعي: النيوترينوات التي تدخل بزاوية مماسّة عند القطب الجنوبي تتفاعل مع مادة أقل قبل وصولها إلى الكاشف، بينما تلك العابرة للكرة الأرضية بالكامل يكون جزء كبير منها قد تحلّل أو تفاعل في الطريق، ما يسمح للفيزيائيين بتمييز مصدرها واتجاهها.
خلال سنتين فقط من بدء التشغيل عام 2011، رصد IceCube نيوترينوات قادمة من خارج الغلاف الجوي للأرض، متجاوزاً أكبر مخاوف فريقه. يقول هالزن: "وجدنا أدلّة على نيوترينوات قادمة من ثقوب سوداء فائقة الكتلة في مجرّات أخرى، وهي تلمع بقوة شديدة لدرجة أنك حين تنظر إلى سماء النيوترينوات، لا ترى درب التبّانة على الإطلاق". عام 2014 رصد المرصد ثلاثة نيوترينوات بالغة الطاقة بشكل غير معتاد، أُطلقت عليها أسماء مستعارة هي بيرت وإرني وبيغ بيرد. وفي 2017 نجح باحثو IceCube في تتبّع نيوترينو بالغ الطاقة وصولاً إلى مجرّة TXS 0506+056، التي باتت تُعرف بـ"حدث تكساس". يصف هالزن الدافع وراء هذا الصيد بقوله: "الأشعة الكونية، أينما وُلدت، تُنتج نيوترينوات، لكننا في ذلك الوقت لم نكن نعرف أين أو كيف. الآن، برؤية النيوترينوات، بدأنا نرى أولى المسرّعات الكونية، وهذا مثير فعلاً".
في العام نفسه، 2017، اختبر فريق IceCube تنبؤاً من النموذج القياسي يقول إنّ النيوترينوات الأعلى طاقة من المفترض أن تتفاعل مع المادة بشكل أكبر، فوجدوا بالفعل أنّ نيوترينوات أقل كانت تصل عبر الأرض مقارنة بتلك الداخلة بزاوية مماسّة، وأنّ هذا التراجع في التواتر يزداد مع الطاقة. ثم جاء عام 2022 بنتيجة أكثر دقة بعد تحليل عشر سنوات من البيانات: رصد الباحثون فائضاً من 79 نيوترينو مرتبطاً بمجرّة Messier 77، المعروفة باسم "مجرّة الحبّار"، كمصدر مرشّح لنيوترينوات عالية الطاقة — نتيجة قرّبت الفيزيائيين خطوة من تفسير أصل الأشعة الكونية فائقة الطاقة. ومع ذلك يبقى هالزن حذراً من الاستنتاج المبكر: "لدينا نيوترينوات بطاقات هائلة، لكنّ كل الفيزياء التي ندرسها تبدو متّسقة مع فيزياء النيوترينو في النموذج القياسي الذي نعرفه ونحبّه، ونحن نريد كسر ذلك".
محطة أخيرة قبل سؤال مفتوح
في فبراير الماضي أكمل IceCube توسعة كبرى، أضافت خمسة كابلات استشعار جديدة في قلب الشبكات القائمة أسفلها، إلى جانب 600 جهاز استشعار ضوئي إضافي وأدوات معايرة. وفي الشهر الماضي خصّصت المؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية مبلغ 53 مليون دولار لتمويل تشغيل وصيانة المرصد على مدى خمس سنوات مقبلة — إشارة إلى أنّ المشروع لم يصل بعد إلى نهاية طموحه. العام الماضي حصل هالزن أصلاً على ميدالية الجمعية الأمريكية للفيزياء للإنجاز الاستثنائي في البحث، وهي من أرفع تقديراتها، قبل أن تتوّجها نوبل هذا العام.
أما هالزن نفسه، فلا يبدو منشغلاً بالاحتفال بقدر انشغاله بالخطوة التالية. "أعمل على مقترح بحثي، وآمل أن تساعد هذه الجائزة في اعتماده"، قال بعد إعلان الفوز — وكأنّ أربعين عاماً من حفر الجليد وتتبّع أشباح دون ذرّية لم تكن سوى مقدّمة لسؤال أكبر لا يزال بلا جواب: أين بالضبط ينكسر النموذج القياسي، وماذا سيكشف لنا الكون حين يحدث ذلك؟
أخبار ذات صلة

كواكب غريبة: علماء يكتشفون "جواهر" في غلاف كوكب "الإسفنج" الملتهب

الراديو الفينيقي: رصدٌ فلكي يتجاوز منطقة العمى الكوني

نكهة النيوترينوات تحدّد مصير النجم الضخم
