وورلد برس عربي logo

الصين والاتحاد الأوروبي صراع الهوية والوحدة العرقية

واشنطن والاتحاد الأوروبي يواجهان الصين بقانون الوحدة العرقية الصيني الجديد الذي يثير جدلاً حول حقوق الأقليات والسيادة الوطنية بينما الصين تؤكد نجاحه في تعزيز الوحدة والتنمية الاقتصادية في مناطق الأقليات وورلد برس عربي.

الرئيس الصيني شي جين بينغ يلوح بيده خلال حدث رسمي، مع التركيز على سياسات الصين تجاه الأقليات والوحدة العرقية في ظل انتقادات الاتحاد الأوروبي.
يرحب الرئيس الصيني شي جين بينغ وهو يصل إلى حفل افتتاح مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي، الصين، في 17 يوليو 2026 (رويترز)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ خمس سنوات، نشر مقالاً تحليلياً أشير فيه إلى أنه من غير الحكمة، بأدنى تقدير، أن تتصادم الولايات المتحدة في آنٍ واحد مع إيران وروسيا والصين. غير أن واشنطن مضت في هذا المسار بالضبط، وجنت نتائج كارثية.

والأكثر إثارةً للدهشة أن الاتحاد الأوروبي، الذي يقلّ قوةً عن الولايات المتحدة بكل المقاييس، يبدو مصمّماً على السير في الطريق ذاتها، إذ وجّه اهتمامه مؤخراً نحو الصين.

في منتصف يونيو، اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على معالجة ما وصفوه بـ"الاختلالات الاقتصادية الكلية العالمية"، في إشارة إلى الفائض التجاري الصيني المتنامي مع أوروبا. وتحرّك الاتحاد كذلك لتقليص الدور الصيني في قطاع التكنولوجيا، فضلاً عن تدخّله في الشؤون السياسية الداخلية لبكين.

في مطلع هذا العام، أقرّ البرلمان الصيني قانون تعزيز الوحدة والتقدم العرقي، الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع يوليو. ويحثّ القانون أبناء المجموعات العرقية الست والخمسين في الصين على تبنّي هوية وطنية مشتركة.

ردّ البرلمان الأوروبي بإصدار قرار يدين هذا القانون، محذّراً بكين من أن تطبيقه سيُفضي إلى "عواقب وخيمة على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين".

من منظور بكين، لا يمثّل هذا الموقف سوى تدخّل سافر في الشؤون الداخلية الصينية، ونموذجاً مكثّفاً للنفاق الغربي وازدواجية المعايير والتجاهل المتعمّد للحقائق.

والحجّة المحورية للاتحاد الأوروبي وهي أن القانون يُجسّد إكراهاً على الاندماج القسري للأقليات تبدو واهيةً في أحسن الأحوال. فالقانون ينصّ صراحةً على أن صون الوحدة الوطنية والتضامن العرقي مسؤوليةٌ تقع على عاتق جميع المواطنين الصينيين، مع حظر صريح للتمييز ضد أي مجموعة عرقية. كما يُلزم الدولة بدعم البنية التحتية والخدمات العامة والتنمية الاقتصادية في مناطق الأقليات، وهي أحكامٌ تعود بالنفع المباشر على أكثر من 125 مليون مواطن ينتمون إلى هذه الأقليات.

اعتراضٌ مصطنع

تنصّ المادة الخامسة عشرة من القانون صراحةً على أنه رغم تشجيع الدولة على تعلّم اللغة الصينية المعيارية المنطوقة والمكتوبة، فإنها «تحترم وتضمن» تعلّم لغات الأقليات واستخدامها. هذا الالتزام المزدوج يعكس السياسات اللغوية التي تنتهجها دولٌ سيادية كثيرة حول العالم.

فرنسا مثلاً تُكرّس الفرنسية لغةً رسمية للجمهورية، بينما ترفض المصادقة على الميثاق الأوروبي للغات الإقليمية أو لغات الأقليات. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس الأمريكي Donald Trump مرسوماً رئاسياً يُعلن فيه الإنجليزية اللغةَ الرسمية الوحيدة للولايات المتحدة.

ومع ذلك، لم يُصدر الاتحاد الأوروبي أي إدانة لباريس أو واشنطن بسبب سياساتهما "الاندماجية"، وبقي غضبه حكراً على بكين وحدها.

تؤكد الصين أن الغاية الحقيقية من القانون هي تقنين نجاحات البلاد في مكافحة الانفصالية والإرهاب والتطرّف، مع التركيز على الوحدة العرقية والتقدم المشترك. والتنمية الاقتصادية والاجتماعية اللافتة التي شهدتها مجتمعات الأقليات حيث واكب نمو الناتج المحلي الإجمالي في المناطق الخمس ذاتية الحكم المعدلَ الوطني بين عامَي 2020 و2024 يبدو دليلاً ملموساً على نجاعة هذا النهج.

ولعلّ أكثر اعتراضات البرلمان الأوروبي افتقاراً إلى الصدق يتعلّق بـالأحكام التي تُجيز مساءلة الأفراد والجماعات خارج الصين قانونياً إذا عملوا على تقويض "الوحدة والتقدم العرقي" أو التحريض على الانفصال. وقد أبدى الأوروبيون قلقهم من "الامتداد خارج الحدود الإقليمية" للقانون، مُلمّحين إلى أنه يُخالف أحكام القانون الدولي.

هذا نفاقٌ صارخ من تكتّلٍ سياسي طالما احتضن مبدأ الولاية القانونية خارج حدوده حين يخدم مصالحه. فالولايات المتحدة الحليف الأوثق للاتحاد الأوروبي تُوظّف بصفة منتظمة قانون الممارسات الفاسدة في الخارج وقانون مواجهة خصوم أمريكا عبر العقوبات لبسط ولايتها القضائية خارج حدودها. والاتحاد الأوروبي نفسه يمتلك قانون الحجب لمواجهة تشريعات الدول الثالثة ذات الامتداد خارج الحدود. لا أحد يصف هذه الأدوات بـ"القمع العابر للحدود"؛ بل تُقدَّم باعتبارها أدواتٍ مشروعة للسيادة والنفوذ.

ازدواجية المعايير هنا لا تخفى على أحد. فاعتراض الأوروبيين لا يستند إلى القانون الدولي، بل إلى حقيقة بسيطة: أن الصين، خلافاً للغرب، باتت تُطالب بحقّها في الدفاع عن وحدتها في مواجهة من يسعون إلى تفكيكها. والقانون يستهدف صراحةً أعمال الإرهاب العنيف والانفصالية العرقية والتطرف الديني وهي أنشطة تملك أي دولة سيادية، من حيث المبدأ، الحقَّ والواجبَ في مكافحتها.

ذريعةٌ جيوسياسية

يلتحف قرار البرلمان الأوروبي بلغة حقوق الإنسان، متّهماً الصين بتقييد الحريات الثقافية والدينية واللغوية. بيد أن انتقاد "حقوق الإنسان" يبدو أقرب إلى ذريعةٍ جيوسياسية منه إلى مخاوف حقيقية.

توقيت القرار الذي صدر في أبريل، قبل أشهر من دخول القانون حيّز التنفيذ يكشف أنه لم يكن استجابةً لأضرار فعلية، بل محاولةً استباقية لإضفاء الشرعية السلبية على قانون لم يُدرسه البرلمان الأوروبي بعمقٍ كافٍ.

ولعلّ أشدّ ما يُدين القرار الأوروبي هو واقع حقوق الأقليات داخل أوروبا ذاتها. فالعنصرية وكراهية الأجانب والتحريض ضد الأقليات بمن فيهم الجاليات الصينية تتصاعد في أرجاء القارة. يُلقي الاتحاد الأوروبي محاضراتٍ على بكين في شأن الوحدة العرقية، بينما يتعثّر في إدارة أزماته الخاصة: موجات الهجرة، وصعود اليمين المتطرف، والتمييز المزمن ضد الروما وسائر الأقليات.

سيكون من الأجدى للاتحاد الأوروبي أن يُراجع نفسه بدلاً من توجيه الخطاب إلى دولةٍ أخرجت مئات الملايين من براثن الفقر، وحافظت على التماسك الاجتماعي في واحدة من أكثر دول العالم تنوّعاً عرقياً. فإدانته تُسلّح خطابَ حقوق الإنسان وتُوظّفه سياسياً، مع إغماض العين عن الإخفاقات الأقرب إلى الدار، كالإجراءات التقييدية المفروضة على استخدام اللغة الروسية في أوكرانيا.

في المحصّلة، تكشف اعتراضات الاتحاد الأوروبي عن قلقٍ أوروبي داخلي أكثر مما تعكس واقعاً صينياً.

تمرّ أوروبا بلحظةٍ اقتصادية عسيرة؛ طاقتها الصناعية تتآكل تحت وطأة أسعار الطاقة التي ارتفعت بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي يرفض الاتحاد الأوروبي إدانتها. وفي الوقت ذاته، تتمدّد حركات اليمين المتطرف، فيما تبدو النخب السياسية التقليدية في حالة من الارتباك. أُرغم رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer على الاستقالة بعد عامين فحسب من توليه المنصب، وأُفسح المجال لـMarine Le Pen لـالترشح في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، فيما يواجه المستشار الألماني Friedrich Merz موجةَ تسريحٍ جماعي في قطاع السيارات، إلى جانب صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في استطلاعات الرأي.

لذا، سيكون من الأصوب لبروكسل أن تتخلّى عن نبرة الوصاية الأحادية، وأن تختار بدلاً من ذلك سياسةً مع الصين على الأقل تقوم على الحوار والاحترام المتبادل. فالقارة العجوز ليست في وضعٍ يُمكّنها من خوض مواجهة على أربعة جبهات في آنٍ واحد مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران والصين.

مستقبل العلاقات الدولية السليمة لا يتوقّف على المحاضرات المعتادة من أفواه المعتادين، بل على حوارٍ حقيقي بين أنداد متساوين. وكلّما أدركت مؤسسات الاتحاد الأوروبي وقادة دوله ذلك مبكّراً، كان أفضل للجميع.

أخبار ذات صلة

Loading...
لاعب أرجنتيني يحمل لافتة مكتوب عليها "مالفيناس أرجنتينية" تعبيراً عن المطالب السيادية خلال كأس العالم بعد فوز الأرجنتين على إنجلترا.

إسرائيلي موالٍ لترامب يدعم الأرجنتين في نزاع جزر فوكلاند بعد خسارة إنجلترا بكأس العالم

فوز الأرجنتين على إنجلترا في كأس العالم أشعل جدلاً سياسياً حول جزر مالفيناس، حيث طالب سياسيون أمريكيون بإعادة النظر في الموقف الأمريكي تجاه النزاع. اكتشف التفاصيل وتأثير الرياضة على السياسة الآن.
سياسة
Loading...
شاب ياباني يرتدي زيًا إمبراطوريًا تقليديًا خلال مراسم رسمية تعكس تقاليد الأسرة الإمبراطورية اليابانية وقضايا الخلافة الذكورية.

الإمبراطورية اليابانية: البرلمان يُقنّن التوارث الذكوري وسط انكماش الأسرة الملكية

في خطوة تاريخية، أقر البرلمان الياباني تعديلات تحصر الخلافة في الذكور رغم هشاشة النظام الديموغرافي. تعرف على تفاصيل القرار وتأثيره على الأميرة Aiko ومستقبل الملكية اليابانية. تابع القراءة لتكتشف المزيد.
سياسة
Loading...
مشجع أرجنتيني يحتفل بحماس بفوز منتخب بلاده وتأهله إلى نهائي كأس العالم، مع تواجد حشود خلفه ترفع أعلام الأرجنتين.

وزراء إسرائيليون يسخرون من إنجلترا ويحتفلون بفوز الأرجنتين بكأس العالم

احتفل سياسيون إسرائيليون بتأهل الأرجنتين لنهائي كأس العالم، مع دعم واضح لحلفائهم في أمريكا اللاتينية، وسط توترات دبلوماسية وعقوبات بريطانية. اكتشف التفاصيل المثيرة في المقال الكامل.
سياسة
Loading...
نائب الرئيس الأمريكي JD Vance يتحدث بحماس خلال مقابلة، مع التركيز على تصريحات حول Jeffrey Epstein وتأثير إسرائيل على مفاوضات إيران.

إبستين وخيوط الاستخبارات: ما الذي يقوله فانس فعلاً؟

كشف نائب الرئيس الأمريكي JD Vance عن صلات خطيرة بين Jeffrey Epstein وأجهزة استخبارات إسرائيلية وأمريكية، وكشف عن حملة إسرائيلية تمول تعطيل مفاوضات إيران. اكتشف المزيد عن هذه الحقائق المثيرة الآن!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية