اكتشاف المعادن التي تخزن كميات هائلة من الماء في أعماق الأرض
اكتشاف معدنين يحتفظان بكميات كبيرة من الماء في أعمق طبقات الأرض قد يغير فهمنا لمصدر الماء العميق وتأثيره على حركة الصفائح والبراكين في كوكبنا تعرف على تفاصيل هذا الاكتشاف في وورلد برس عربي

في العمق، حيث لا تصل الشمس ولا تُقاس الحرارة بمقاييسنا المعتادة، قد تكون كمياتٌ هائلة من الماء محبوسةً داخل معادن لم يكن العلماء يعرفون حتى الآن أنها قادرة على الصمود هناك. هذا ما تكشفه دراسة جديدة نُشرت في 8 سبتمبر في مجلة «نيتشر جيوساينس» ، حدّد فيها فريقٌ بحثي دولي معدنَين من أكسيد هيدروكسيد الحديد يبقيان مستقرَّين عند حدود اللبّ والوشاح أي في أعمق نقطة يمكن الوصول إليها نظرياً قبل الدخول إلى قلب الكوكب الملتهب.
الأمر لا يتعلق بأكسدة عابرة أو تفاعل كيميائي سطحي، بل بمعادن قد تحمل في تركيبها حتى 15% من وزنها ماءً، وهي نسبة كبيرة إذا استحضرنا حجم الوشاح الأرضي وما يعنيه ذلك من احتمال وجود مخزون مائي ضخم تحت أقدامنا، على عمق مئات الكيلومترات.
كيف اختُبرت هذه المعادن عند ضغطٍ يفوق التصوّر؟
لمحاكاة الظروف القاسية عند حدود اللبّ والوشاح، ضغط الباحثون عيّنات معدنية بين سندانين ماسيّين دقيقين، ثم عرّضوها لإشعاع الليزر. الهدف كان التأكد من أن هذه المعادن يمكن أن تبقى مستقرة عند ضغطٍ يتجاوز مليون ضعف الضغط الذي نشعر به على سطح الأرض. يصف ستيف جاكوبسن، عالم المعادن وأستاذ علوم الأرض في جامعة كولورادو بولدر والذي لم يشارك في الدراسة، هذا الضغط بأنه "أكثر من مليون ضعف الضغط الذي نشعر به على السطح".
والنتيجة، بحسب جاكوبسن، مثيرة للدهشة من حيث الكمّ: "إذا جمعتَ كل ذرات الهيدروجين والأكسجين في الصيغة الكيميائية ودمجتها في جزيئات الماء H2O، فإن قطعة من هذه المادة تزن خمسة أرطال فقط قد تحتوي على ما يعادل باينتاً من الماء السائل". هذه المقارنة، وإن بدت رمزية، تعطي فكرة عن حجم الماء الذي يمكن أن يكون محبوساً في مادة صلبة كثيفة تبدو للوهلة الأولى بعيدة كل البعد عن أي شيء سائل.
هل الماء العميق قادمٌ من السطح أم بقايا من ولادة الكوكب؟
الأرض مكوّنة من طبقات: قشرة رقيقة هي الأنحف بين جميع الطبقات، ثم وشاح من الصخر المنصهر، ثم لبّ من الحديد والنيكل شديد الحرارة. العلماء يعرفون منذ زمن أن الماء موجود داخل الوشاح، لكنهم لم يحسموا بعد وظيفته الدقيقة ولا مصدره.
هناك فرضيتان رئيسيتان في هذا النقاش. الأولى تقول إن عملية الاندساس وهي انزلاق صفيحة تكتونية أسفل أخرى التي نقلت مياه السطح تدريجياً إلى أعماق الوشاح عبر مسار الصفائح المتحركة. أما الفرضية الثانية فترى أن الماء موجود هناك منذ تشكّل الأرض نفسها، أي أنه ماءٌ بدائي بقي عالقاً قرب الحدود بين اللبّ وأسفل الوشاح منذ لحظات تكوّن الكوكب.
ما يجعل هذا الاكتشاف الجديد مهماً هو أن المعدنين المكتشفين كثيفان بما يكفي ليغرقا نحو قاع الوشاح، وهو ما يفتح الباب أمام دعم الفرضية الأولى: أن كثافة هذه المعادن قد تسمح بنقل الماء المرتبط بالاندساس إلى ما هو أقرب من لبّ الأرض. في الوقت نفسه، أظهرت التجارب أن هذه المعادن قادرة على تحمّل الاصطدامات عالية الطاقة التي طبعت مرحلة تشكّل الأرض المبكرة، وهو ما يجعلها مرشّحة أيضاً لتفسير الفرضية الثانية القائلة ببقاء ماءٍ بدائي منذ البداية. باختصار: الاكتشاف لا يحسم أياً من الفرضيتين، لكنه يمنح كلتيهما آلية معدنية محتملة لأول مرة.
ماذا يعني هذا للبراكين وحركة الصفائح؟
الماء في الوشاح ليس مجرد تفصيل كيميائي؛ فهو يجعل الصخر المنصهر أكثر مرونة وقدرة على الحمل الحراري ، وهذا الحمل الحراري هو ما يساعد الصفائح التكتونية على الحركة عبر سطح الأرض. فإذا كانت هذه المعادن الكثيفة تنقل الماء إلى أسفل الوشاح، فإنها قد تشارك أيضاً في رحلة معاكسة: يمكن للحمل الحراري في الوشاح أن يحمل هذه المعادن صعوداً ضمن أعمدة وشاح ضخمة ، لتذوب قرب السطح وتُطلق الماء المخزَّن فيها، وهو ما قد يُغذّي بدوره النقاط البركانية الساخنة المعروفة على سطح الأرض.
وتذهب الدراسة إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن هذه المعادن قد تفسّر ظاهرة جيوفيزيائية محيّرة رصدها العلماء منذ فترة: مناطق ذات سرعة زلزالية منخفضة جداً تظهر فوق حدود اللبّ والوشاح مباشرة. يقول جاكوبسن إن هذه المعادن قد تكون مرتبطة بـ"مناطق السرعة الزلزالية شديدة الانخفاض التي نراها فوق حدود اللبّ والوشاح مباشرة"، في إشارة إلى أن التركيب المعدني غير المعتاد لهذه الطبقات قد يكون سبباً في تباطؤ الموجات الزلزالية عند مرورها من هناك.
من كوكبنا إلى كواكب أخرى: ماذا تبقّى غير محسوم؟
رغم أهمية النتائج، يبقى الباحثون حذرين في صياغة استنتاجاتهم. الدراسة، كما ورد فيها صراحة، لا تثبت أن هذه المعادن تنقل الماء فعلياً عبر الوشاح؛ فما قدّمته التجارب هو دليل على الاستقرار الفيزيائي والكيميائي لهذه المعادن تحت ظروف أعماق الأرض، وليس رصداً مباشراً لحركتها الفعلية داخل الكوكب. الفارق بين "الاحتمال الممكن" و"الإثبات الميداني" هنا جوهري، وأي قراءة للنتائج ينبغي أن تحترم هذا التمييز.
ومع ذلك، فإن الفرضية القائلة بأن نسبة قليلة فقط من معادن الأرض المبكرة قد تكون كافية لتزويد الكوكب بما يلزم لتشكّل محيطاته، تفتح نقاشاً أوسع يتجاوز الأرض نفسها: إذا كانت معادن كهذه قادرة على تخزين الماء ونقله ضمن كوكب صخري كالأرض، فقد تصلح النتائج كإطار مرجعي لفهم كيفية توزّع الماء داخل كواكب صخرية أخرى، بما في ذلك الكواكب الخارجية التي يسعى العلماء لفهم ظروف صلاحيتها للحياة.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستؤكد دراسات لاحقة أن هذه المعادن هي فعلاً الناقل المفقود للماء بين سطح الأرض ولبّها، أم أن الأمر سيظل احتمالاً نظرياً وسط نظريات متنافسة حول أصل الماء العميق؟ الإجابة، على الأرجح، لن تأتي من تجربة واحدة، بل من سلسلة أبحاث تراكمية تجمع بين الفيزياء التجريبية عالية الضغط ورصد الموجات الزلزالية العميقة.
أخبار ذات صلة

قبة إسفنجية عملاقة في البرازيل تكشف سرّ الينابيع الحارة المجاورة

ذراع الروبوت الضخمة في محطة الفضاء الدولية توقفت عن العمل

مسبار JUICE يحصل على دفعة سرعة من الأرض في طريقه إلى المشتري
