هضبة المياه الحارة في قلب البرازيل تستحق الحماية
هضبة كالداس نوفاس في البرازيل تخبئ خزانات مياه جوفية تغذي ينابيع حرارية طبيعية يقصدها الآلاف للاستشفاء. السيرادو النباتي حولها يحمي هذه المياه الحيوية رغم تراجع الغطاء النباتي في المنطقة. اكتشف القصة على وورلد برس عربي.

تنتشر صورةٌ عبر الأقمار الاصطناعية لهضبةٍ دائرية في وسط البرازيل، لا تلفت الانتباه بشكلها الجيولوجي وحده، بل بما تخبئه تحت سطحها: خزّانات مياهٍ جوفية تغذّي منابع حرارية يقصدها مئات آلاف الزوّار سنوياً للاستشفاء والاستحمام. القصة هنا ليست عن تكوينٍ صخري نادر فحسب، بل عن نظامٍ بيئي يوفّر خدمةً مائية حيوية لبلدةٍ يقارب عدد سكانها 100 ألف نسمة، بينما تتقلّص المساحات التي توفّر هذه الخدمة نفسها في مناطق أخرى من القارة بفعل التوسّع الزراعي.
هضبة تبدو من الفضاء كحوضٍ منخفض
تقع قبّة كالداس نوفاس، المعروفة أيضاً باسم سييرا دي كالداس، في جنوب شرق ولاية غوياس البرازيلية. شكلها بيضاويٌّ يمتدّ نحو 12 ميلاً (20 كيلومتراً) طولاً و7 أميال (12 كم) عرضاً، وترتفع حتى 1,000 قدم (300 متر) فوق الأراضي المحيطة بها. المفارقة أنّ ظاهرة انقلاب التضاريس (relief inversion) تجعل بعض المشاهدين يرون هذه القبّة المرتفعة وكأنّها منخفضٌ يشبه الوعاء، رغم أنّها في الحقيقة ارتفاعٌ وليست حفرة.
عمر هذا التكوين ليس تفصيلاً هامشياً؛ فقد قدّرت دراسة نُشرت عام 2004 أنّ القبّة قد يبلغ عمرها 600 مليون سنة على الأقل، وهو ما يجعلها من أقدم المعالم الجيولوجية في المنطقة. أما آلية تشكّلها فقد شهدت مراجعةً علمية: كان الافتراض السائد لدى الجيولوجيين أنّ القبّة نتجت عن «تسلّل ماغماتي» (magmatic intrusion) عبر القشرة الأرضية، لكنّ دراسةً لاحقة نُشرت عام 2021 دحضت هذا الطرح إلى حدٍّ كبير، واقترحت بدلاً منه عمليات جيولوجية أخرى. هذا النوع من المراجعة معتادٌ في العلوم الأرضية كما هو الحال في الطب: فرضيةٌ تصمد لعقود ثم تتراجع أمام بياناتٍ أحدث.
من اللافت أيضاً أنّ الينابيع الحرارية في كالداس نوفاس ليست بركانية المنشأ، على خلاف معظم الحمامات الحرارية حول العالم. وبحسب ما توضحه جهة «مرصد الأرض» التابعة لناسا (NASA's Earth Observatory)، فإنّ المياه في هذه المنطقة "تتسخّن بفعل درجات الحرارة الطبيعية الأعلى في الأعماق قبل أن تعود دورانها إلى السطح"، أي أنها تتسخّن عبر شقوقٍ صخرية عميقة لا عبر نشاطٍ ماغماتي مباشر.
دور السافانا الاستوائية في تغذية الينابيع
الجزء الأكثر أهمية من الناحية الصحية والبيئية في هذه القصة هو دور نبات «السيرادو» (Cerrado)، وهو نظامٌ بيئي من السافانا الاستوائية يغطّي نحو ربع مساحة البرازيل، ويُعدّ ثاني أكثر الأنظمة البيئية غنًى في أمريكا الجنوبية بعد الأمازون. يجمع السيرادو بين الغابات والمروج والأراضي الرطبة، ويوصف بأنه أكثر تنوّعاً بيئياً من معظم السافانات المشابهة حول العالم.
ما يجعل هذا الغطاء النباتي مهماً هنا ليس جماله بل وظيفته الهيدرولوجية: توصفه بعض المصادر بأنه "شبيه بالإسفنج" (sponge-like)، إذ تمتصّ نباتات السيرادو مياه الأمطار وتسمح لها بالتسرّب عبر باطن القبّة، لتغذّي خزّانات المياه الجوفية المغمورة التي تُبقي الينابيع الحرارية نشطةً حتى خلال موسم الجفاف. هذه الوظيفة التي يقوم بها السيرادو في تغذية طبقات المياه الجوفية والأنهار الكبرى عبر البرازيل جعلت البلاد تطلق عليه لقب "مهد المياه" (cradle of waters).
بعبارةٍ أخرى، الأمن المائي لبلدة كالداس نوفاس بسكانها المقيمين ومئات آلاف زوّارها السنويين الباحثين عن الاستحمام في المياه الحرارية مرتبط مباشرةً باستمرار وجود هذا الغطاء النباتي فوق القبّة وحولها. بين القبّة وبحيرة كورومبا، وهي خزّانٌ صناعي أُنشئ بفعل سدٍّ كهرومائي قريب، تظهر بلدة كالداس نوفاس نفسها، وتحيط بحافة القبّة عدّة شلالات تعكس نشاط هذه الدورة المائية.
حماية موضعية وسط تراجعٍ إقليمي
للحفاظ على هذا التوازن، أُنشئت عام 1970 محمية «كالداس نوفاس» الحكومية (Caldas Novas State Park)، وهدفها الرئيسي حماية غطاء السيرادو الذي يكسو القبّة. تؤوي المحمية أنواعاً محلية مثل طائر السرياما أحمر الأرجل (Cariama cristata)، وشجرة البيكي (Caryocar brasiliense)، ونبات «الذئب» (Solanum lycocarpum)، في نموذجٍ مصغّر لتنوّع السيرادو البيولوجي.
لكن هذه الحماية موضعية لا إقليمية. فخارج حدود المحمية، تُشير المعطيات إلى أنّ مساحاتٍ واسعة من السيرادو أُزيلت عبر أمريكا الجنوبية في العقود الأخيرة لأغراضٍ زراعية، والأراضي المحيطة بقبّة كالداس نوفاس نفسها التي كانت على الأرجح جزءاً من السيرادو تحوّلت إلى فسيفساء من المزارع والحقول الزراعية. هذا التناقض بين محميةٍ صغيرة محاطة بأراضٍ زراعية متوسّعة يلخّص معضلةً بيئية أوسع: حماية النظام البيئي في نقطةٍ واحدة لا تكفي إذا استمر تفكّكه في محيطها الجغرافي، خصوصاً حين يكون هذا النظام هو نفسه المسؤول عن تغذية خزّانات المياه الجوفية التي تعتمد عليها التجمّعات السكانية والأنشطة السياحية المرتبطة بالمياه الحرارية.
مشاهد أرضية أخرى من الفضاء
لا تقف صورة كالداس نوفاس وحيدة في سجل الأرصاد الفضائية للتضاريس اللافتة. فقد أظهرت صورةٌ فضائية عام 2015 خيوطاً ذهبية اللون تحيط ببحيرة بوسومتوي في غانا، وهي بحيرة تشكّلت نتيجة ارتطام نيزكي قبل نحو مليون سنة. وفي 2024، التقطت صورةٌ أخرى بحيراتٍ مؤقتة في إقليم الشمال الأسترالي بعد أن اندمجت إثر عامين من الأمطار الغزيرة الاستثنائية. كذلك وثّقت صورةٌ التقطها روّاد فضاء عام 2021 جبلي سوندورو وسومبينغ البركانيَّين في جزيرة جاوة الإندونيسية. هذه المشاهد المتفرّقة تذكّر بأنّ الأقمار الاصطناعية لا تكشف فقط عن أشكال الأرض، بل عن العلاقة الدقيقة بين المناخ والمياه والغطاء النباتي التي تحدّد مصير التجمّعات البشرية القريبة منها.
يبقى السؤال المفتوح بشأن كالداس نوفاس متعلقاً بالمدى الذي يمكن أن تصمد فيه هذه الدورة المائية أمام ضغط التوسّع الزراعي المستمر حول حدود المحمية، في وقتٍ تتزايد فيه أعداد الزوّار الباحثين عن مياهٍ حرارية لا تعتمد وجودها على البراكين، بل على قدرة غطاءٍ نباتيٍّ يتقلّص تدريجياً على تغذية ما تحت الأرض.
أخبار ذات صلة

اكتشاف معادن حديدية قد تحتفظ بمياه بدائية من نشأة الأرض

ذراع الروبوت الضخمة في محطة الفضاء الدولية توقفت عن العمل

مسبار JUICE يحصل على دفعة سرعة من الأرض في طريقه إلى المشتري
