سبيس إكس تتخلى عن فالكون وتغير مستقبل الفضاء
شركة SpaceX تتخلى عن فالكون 9 ودراغون لصالح ستارشيب رغم نجاحها في نقل رواد الفضاء ناسا تعتمد على بوينغ وستارلينر لكن ارتفاع الأسعار يهدد مستقبل نقل البشر إلى المدار الأرضي المنخفض في ظل غياب منافسة حقيقية وورلد برس عربي

يبدأ الخبر بقرارٍ تجاري بحت: شركة SpaceX تريد التخلّص من منصّاتها القديمة، فالكون 9 ودراغون، لتتفرّغ لجيلها الجديد ستارشيب. لكنّ الأثر الفعلي لهذا القرار يتجاوز دفاتر حسابات الشركة الأمريكية، ليطال مستقبل نقل البشر إلى مدارٍ أرضي منخفض بأسره ومعه احتمالات دخول زبائن من أوروبا والشرق الأوسط إلى سوقٍ كانت تُبنى بصبرٍ طوال عشرين عاماً.
أبلغت SpaceX وكالة ناسا في الأشهر الأخيرة أنّها لم تعد راغبةً في تنفيذ مهمّات Crew Dragon أو Falcon 9 في المدار الأرضي المنخفض، رغم التزامها بدعم محطة الفضاء الدولية حتى عام 2030. بعد هذا التاريخ، تعتزم الشركة إحالة Crew Dragon إلى التقاعد، وقد أبلغت بالفعل ثلاث شركاتٍ ناشئة في قطاع المحطات الخاصة Axiom Space وVoyager Space وVast Space بأنّها لن تستطيع طلب مهمّات Crew Dragon بعد الآن. وقد وافقت SpaceX مؤخّراً على الاستمرار في التحليق حتى مهمة Crew-17 فقط، بعدما نفّذت 13 مهمة لصالح ناسا إلى المحطة، مع توقّع إطلاقٍ إضافي خلال أيام قليلة.
لماذا تتخلّى SpaceX عن مهمّةٍ نجحت فيها؟
المفارقة أنّ SpaceX لم تتراجع بسبب فشل. فقد استثمرت ناسا 3.1 مليار دولار لتطوير Crew Dragon واعتماده ضمن برنامج Commercial Crew، وكانت الشركة ملزمةً بتنفيذ نحو ستّ مهمّات فقط، لكنّها تجاوزت التزاماتها التعاقدية بمراحل. المسألة إذن اقتصادية بحتة: أصبح Starlink، خدمة الإنترنت الفضائية، يُدرّ غالبية إيرادات SpaceX، وتتوقّع الشركة أن تتّسع هذه الحصة أكثر مستقبلاً. وأظهرت مستندات مالية قدّمتها الشركة في وقتٍ سابق من هذا العام أنّ معظم إيراداتها المرتقبة ستأتي من Starlink ومراكز البيانات المدارية، فيما لا تمثّل الحلول المرتبطة بالفضاء بما فيها عقود ناسا نفسها سوى نحو 1% من إجمالي السوق التي تستهدفها الشركة.
قال جاريد آيزاكمان، مدير وكالة ناسا، في مؤتمرٍ صحافي مساء الإثنين: «لا أعتقد أنّه سرٌّ أنّ SpaceX تعتزم إنهاء تشغيل منصّاتها الأقدم مثل فالكون ودراغون مع تركيزها على قدرتها من الجيل التالي، ستارشيب». والمفارقة الثانية أنّ ستارشيب، القادر نظرياً على حمل عشرات رواد الفضاء مقارنةً بأربعةٍ فقط على متن Crew Dragon، ليس مُهيّأً حالياً لهذه المهمّة؛ فقد أبلغت SpaceX ناسا أنّها غير مهتمّة راهناً بتطوير نسخةٍ من ستارشيب لإطلاق البشر من مدار الأرض، نظراً للتعقيدات الأمنية والتنظيمية المرتبطة بصعود المركبة وعودتها بركّابٍ على متنها. وينصبّ الجهد السياسي لناسا حول ستارشيب حالياً على نسخة "Human Landing System" المخصّصة لبرنامج أرتيميس القمري، لا على النقل المداري.
هل يملأ Starliner الفراغ؟
الخيار البديل الذي تراهن عليه ناسا هو Starliner التابع لشركة Boeing، رغم أنّ المركبة لم تُنفّذ بعد أيّ مهمّةٍ تشغيلية فعلية إلى المحطة الدولية. استثمرت الوكالة حتى الآن 5.1 مليار دولار في تطوير Starliner، وأعلنت هذا الأسبوع تخصيص 359 مليون دولار إضافية لإصلاح مشكلاتٍ في نظام الدفع واعتماد صاروخ Vulcan. تأمل ناسا أن يسدّ Starliner الفجوة خلال العمر التشغيلي المتبقّي لمحطة الفضاء الدولية، وأن يخدم لاحقاً مشغّلي المحطات الخاصة.
لكنّ هذا الرهان يحمل كلفةً مباشرة: بينما بلغ سعر المقعد على متن Crew Dragon نحو 55 مليون دولار في بداياته، وارتفع إلى 78.8 مليون دولار في المهمّات الأحدث، يبلغ سعر مقعد Starliner لدى ناسا خلال حقبة المحطة الدولية 90 مليون دولار أي أعلى بكثير، مع احتمال أن تزداد كلفة استمرار تحليقات Dragon نفسها لو استمرّت. وحين سُئل جون مولهولاند، نائب رئيس Boeing، أمس عن أسعار مقاعد Starliner في ثلاثينيات القرن الحالي، اكتفى بالقول: «من الواضح أننا نريد أن نكون تنافسيّين قدر الإمكان» إجابة لا تحسم شيئاً بشأن الاتجاه الفعلي للأسعار.
من يدفع الفاتورة؟ الشركات الناشئة والزبائن المؤسّسيون
هنا يكمن جوهر القلق بالنسبة لأيّ طرفٍ يفكّر في دخول اقتصاد المدار الأرضي المنخفض، سواء كان شركة ناشئة تبني محطةً خاصة أو جهةً مؤسّسية تبحث عن مقعدٍ لرائد فضاء. يحذّر منتقدون من أنّ Boeing وStarliner قد يحتكران الوصول البشري الغربي إلى المدار الأرضي المنخفض لمدة عشر إلى عشرين سنة، وهو ما قد يُنهي بحسب هؤلاء أي أمل ببناء اقتصادٍ حقيقي ومتنوّع لنقل البشر في هذا المدار. فالزبائن المحتملون لا يقتصرون على ناسا؛ إذ تشمل القائمة جهاتٍ مؤسّسية في أوروبا والشرق الأوسط، إضافةً إلى روّاد فضاء يموّلون رحلاتهم بأنفسهم. وهؤلاء تحديداً هم من سيتحمّلون فرق السعر بين 78.8 و90 مليون دولار للمقعد الواحد، في سوقٍ لم يعد فيها منافسٌ حقيقي يضبط الأسعار من الأسفل.
طرح البعض حلّاً بديلاً: تنظيم منافسة "Commercial Crew 2.0" في الثلاثينيات، بمشاركة لاعبين جدد مثل Blue Origin وSierra Nevada وThe Exploration Company. لكنّ هذا الخيار سيكلّف ناسا مليارات الدولارات، ويبدو آيزاكمان مترددّاً في إنفاقها في ظلّ أولويات أخرى تتصدّرها قاعدة قمرية متينة، مع تسارع سباق الفضاء الثاني. وبدلاً من ذلك، يميل مدير الوكالة إلى الاعتقاد بأنّ Boeing قادرة على تلبية حاجة ناسا التي تُقدَّر بنحو مقعدَين مداريَّين كلّ ستة إلى تسعة أشهر — وهو رهانٌ يُبقي الباب شبه موصد أمام أي منافسٍ فعلي في المدى القريب.
بدائل بعيدة المنال
الخيارات الأخرى المطروحة على الورق لا تبدو جاهزةً في الأمد المنظور. Blue Origin تطوّر مركبة "Space Vehicle" مأهولة للإطلاق على متن صاروخ New Glenn، وتصف مسؤولوها العمل التصميمي بأنّه متقدّم بشكل جيّد، شاملاً تصنيع وعاء الضغط واختبارات المظلّات والحماية الحرارية وأنظمة دعم الحياة. لكنّ التواريخ التي وردت لمؤلّف هذا التقرير عن انطلاق أول مهمّة مأهولة لا تسبق عام 2031، وهو تاريخ يوصف بأنّه على الأرجح متفائل أكثر من اللازم.
في الهند، يتقدّم مشروع Gaganyaan المأهول ببطء؛ فبعدما كان مقرّراً أن يحمل بشراً أواخر عام 2021، تأجّل الجدول الزمني إلى عام 2027 على أقلّ تقدير، ومن المتوقّع أن يخدم مهمّاتٍ هندية فقط لفترة من الزمن. أما مركبة Orion المخصّصة للمهمّات القمرية، فتُقدَّر كلفة المقعد الواحد فيها بأرقامٍ فلكية قد تصل إلى 500 مليون دولار سعرٌ يجعلها خارج أي معادلة تجارية للمدار الأرضي المنخفض. وفي أوروبا، لا يُتوقّع أن تكون مركبة The Exploration Company المأهولة جاهزة قبل عام 2035، بينما تبدو مركبة Dream Chaser التابعة لـSierra Nevada غير مرشّحة عملياً للتحقّق أصلاً.
الأمر يُذكّر بحقبةٍ سابقة عاشتها ناسا خلال عقد 2010، حين اعتمدت على المركبات الروسية من طراز Soyuz بعد تقاعد المكوك الفضائي وقبل جهوزية Crew Dragon وقد أُطلقت إحدى تلك المركبات، Soyuz TMA-12M، على متن صاروخ Soyuz-FG في مارس 2014. لكنّ غزو روسيا لأوكرانيا أخرج خيار Soyuz من التداول بالنسبة للمحطات الخاصة، تماماً كما يخرج قرار SpaceX اليوم خياراً كان يُفترض أن يكون الأكثر نضجاً واستقراراً في السوق.
يبقى ستارشيب، بحسب ما يصفه التقرير، الأمل الحقيقي الوحيد لخفض أسعار نقل البشر إلى المدار الأرضي المنخفض بشكلٍ جذري؛ فلو تحفّزت SpaceX لتطويره لهذا الغرض، يمكن أن تتوفّر القدرة على نقل البشر بحلول عام 2030، وهو ما قد يُعيد تشكيل السوق بالكامل. لكنّ كل المعطيات الحالية تشير إلى أنّ الشركة، التي يبقى هدفها التجاري الأساسي تعظيم الإيرادات، لا تضع هذا الملف على سلّم أولوياتها القريبة خصوصاً بعدما أثبتت في المنافسة على مهمّات الشحن والطاقم أنّها كانت تتفوّق أصلاً على منافسيها من Northrop وBoeing بأسعارٍ أقلّ بنحو النصف وموثوقية أعلى.
النتيجة، كما يخلص التقرير، أنّ انسحاب SpaceX يضرّ بالقطاع الأوسع لاقتصاد المدار الأرضي المنخفض ككل، لا بشركةٍ واحدة أو مهمّةٍ بعينها. فالفلسفة التي أطلقتها ناسا قبل عقدين، حين بدأت برنامجها الأول لتوصيل الشحنات الخاصة إلى محطة الفضاء الدولية، كانت تقوم على تحفيز القطاع الخاص لتطوير أنظمة نقل فضائي "آمنة وموثوقة وفعّالة من حيث التكلفة" وهو ما أكّدته الوكالة في أبريل 2024 حين وصفت التزامها بدعم اقتصادٍ فضائي تجاري "يُعزّز الصناعة الأمريكية ويشجّع الاكتشاف التكنولوجي". اليوم، بعد عامَين فقط من ذلك التصريح، تجد ناسا نفسها أمام سؤالٍ لم يعد نظرياً: هل يمكن لمزوّدٍ واحد، بسعرٍ أعلى وسجلّ تشغيلي لم يُختبر بعد، أن يحمل بمفرده مستقبل اقتصادٍ كانت أوروبا والشرق الأوسط من بين من يُفترض أن يستفيدوا منه؟ (لمزيد من التفاصيل حول فلسفة ناسا التجارية، يمكن مراجعة الوثيقة الرسمية لبرنامج النقل التجاري والأسئلة الشائعة حول اقتصاد المدار الأرضي المنخفض الصادرتَين عن الوكالة).
أخبار ذات صلة

Apple Pay تطلق خدماتها في الهند عبر Axis Bank اليوم

الذكاء الاصطناعي والوجود الإنساني: تحذير Anthropic في طرح اكتتابها العام

الشاحنات الكهربائية: هل تنخفض تكاليف التشغيل مقابل الديزل؟
