الشاحنات الكهربائية توفر ملايين لشركات النقل الصغيرة
شاحنات الكهرباء تتفوق مالياً على الديزل في أوروبا مع توفيرات تصل إلى 100 ألف يورو وخفض تكاليف التشغيل بسرعة استرداد رأس المال خلال عامين مما يفتح آفاقاً جديدة لشركات النقل الصغيرة والمتوسطة في وورلد برس عربي.

عندما يجلس صاحب شركة نقلٍ صغيرة في روتردام أو هامبورغ ليقارن بين شراء شاحنة ديزل جديدة أو شاحنة كهربائية، لم يعد القرار مسألة مبادئ بيئية بقدر ما بات مسألة حسابٍ مصرفي بحت: أيّ الخيارَين يوفّر له المال في نهاية العام؟ الجواب، بحسب تحليلٍ حديث لمنظمة النقل والبيئة، بات لصالح الكهرباء في ستة من أصل تسعة أسواق شاحناتٍ رئيسية في الاتحاد الأوروبي، وهي أسواق تمثّل وحدها 46% من مبيعات الشاحنات الثقيلة الجديدة في القارّة.
هذا ليس تحوّلاً نظرياً مؤجّلاً إلى المستقبل، بل واقعٌ تشغيلي قائم اليوم في هولندا وألمانيا والدنمارك على وجه الخصوص، حيث تتفوّق الشاحنة الكهربائية على نظيرتها الديزل من الناحية المالية البحتة، وفق منهجية "التكلفة الإجمالية للملكية" (TCO) التي اعتمدها التحليل لمقارنة الكلفتين عبر عمر الشاحنة التشغيلي.
كم يوفّر أصحاب أساطيل الشحن فعلياً؟
الأرقام هنا ليست هامشية. في هولندا، تصل الوفورات الناتجة عن اعتماد الشاحنة الكهربائية إلى 100,000 يورو على مدى خمس سنوات. في ألمانيا، تنخفض الوفورات قليلاً لتبلغ 85,000 يورو، بينما تسجّل الدنمارك 69,000 يورو للفترة الزمنية نفسها. والأهمّ من حجم الوفورات هو سرعة استرداد رأس المال: في هذه الأسواق الثلاثة تحديداً، تسترجع الشركة كلفة الفارق بين الشاحنتين خلال عامَين فقط من التشغيل، وهي مدّة قصيرة نسبياً بمقاييس قطاع النقل الثقيل الذي يخطّط استثماراته عادةً على مدى سنوات طويلة.
وتزداد الصورة إثارة عند إدخال الشاحنات الصينية إلى المعادلة؛ فهذه الشاحنات، بفضل أسعار شرائها المنخفضة نسبياً مقارنةً بمنافسيها، يمكن أن ترفع سقف الوفورات في السوق الهولندية وحدها إلى 128,000 يورو على مدى خمس سنوات. هذا التفوّق السعري ليس مصادفة، بل نتيجة مباشرة لحجم الإنتاج الكبير الذي يتيح لصانعي الشاحنات خفض التكلفة للوحدة الواحدة وهو ما تدفع نحوه أيضاً معايير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الأوروبية للشاحنات، والتي تتضمّن هدفاً بخفض 43% من الانبعاثات بحلول 2030، فتضغط على صانعي الشاحنات التقليديين لخفض أسعار مركباتهم الكهربائية لمجاراة المنافسة.
ماذا يعني هذا لشركات النقل الصغيرة والسائقين؟
الوفورات المالية للشاحنة الكهربائية لا تبقى حبيسة دفاتر الحسابات؛ فهي تعني، عملياً، أن شركات النقل الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل العمود الفقري لقطاع الشحن البرّي في أوروبا وتعمل غالباً بهوامش ربح ضيّقة قد تجد في التحوّل الكهربائي متنفّساً تشغيلياً حقيقياً بدل عبءٍ استثماري إضافي. لكنّ هذا التحوّل ليس بلا كلفة على سوق العمل: تحديث الأساطيل يتطلّب إعادة تأهيل السائقين والفنيّين على تقنيات الشحن ومنظومات الصيانة الجديدة، وهي كلفة تدريبية إضافية تقع غالباً على عاتق الشركات الصغيرة نفسها التي تفتقر أحياناً إلى الموارد التي تملكها الشركات الكبرى.
كما أن الإعفاءات الضريبية والدعم الحكومي للمركبات، إلى جانب خفض رسوم الطرق، لعبا دوراً مباشراً في تحسين اقتصاديات الشاحنة الكهربائية على المستوى الوطني حتى الآن. وهذا يعني أن استمرار هذا التحوّل ليس أمراً تلقائياً بالكامل، بل مرتبطاً بقرارات سياسية قد تتغيّر. يضاف إلى ذلك عاملٌ آخر متسارع: أزمة طاقة أوروبية تلوح في الأفق، وهي تعمل، بحسب التحليل، على توسيع الفجوة في تكلفة التشغيل بين الديزل والكهرباء لصالح الأخيرة، ما يجعل حساب أصحاب الشاحنات أكثر ميلاً نحو التحوّل كلّما ارتفعت فاتورة الوقود الأحفوري.
هل ستتحوّل كل أوروبا بحلول 2030؟
يقدّر التحليل أن الشاحنة الكهربائية ستصبح الخيار الأرخص تشغيلياً في الدول التسع كافة بحلول عام 2030، لكن هذا التوقّع مشروط: هو يفترض استمرار السياسات الحالية مع إدخال عدد محدود فقط من التدابير الجديدة، وأبرزها تفعيل توجيه "اليوروفينيت" الخاص برسوم البنية التحتية للطرق، وتوجيه "RED III" المتعلّق بالحوافز الداعمة لنقل الطاقة المتجدّدة. كما يفترض السيناريو تراجعاً تدريجياً أو إلغاءً لدعم شراء المركبات الحالي، وهو ما يعني أن التفوّق المالي المرتقب للشاحنة الكهربائية سيقوم أساساً على كلفة التشغيل لا على الإعانات الحكومية.
عملياً، ما زالت دول إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبولندا بحاجة إلى تطبيق توجيه اليوروفينيت، فيما يتوجّب على السويد وفرنسا وبولندا وإيطاليا وإسبانيا استكمال تطبيق توجيه RED III، بما يشمل شحن المركبات في المستودعات العامة والخاصة وهي نقطة حاسمة كون معظم الشاحنات تُشحن أصلاً في مستودعات خاصة، ما يجعل أرصدة الطاقة المتجدّدة الموجّهة لهذه المستودعات عاملاً مباشراً في خفض فاتورة الكهرباء التشغيلية.
وبحسب التوجيه المقترح، ستُعفى الشاحنات صفرية الانبعاثات إعفاءً كاملاً من رسوم البنية التحتية للطرق حتى عام 2031، على أن ينخفض هذا الإعفاء لاحقاً إلى نسبة تتراوح بين 50% و75%، فيما يُوصى بأن تستحدث الدول الأعضاء رسماً مرتبطاً بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون كأداة تحفيزية إضافية.
يصف التحليل الشاحنة الكهربائية اليوم بأنها "الاستثمار الأرخص والأكثر أماناً" لشركات النقل. لكن السؤال الذي يبقى معلّقاً أمام صنّاع القرار في باريس وروما ومدريد ووارسو هو مدى سرعة تحويل هذا الاستنتاج المالي إلى تشريعٍ نافذ فعلياً على الأرض لأن الفارق بين سوقٍ يتحوّل اليوم وآخر ينتظر 2030 لن يقاس بالطن من الانبعاثات فقط، بل بمصير آلاف الوظائف في قطاع النقل البرّي الذي لا يزال يبحث عن يقينٍ تشريعي يوازي يقينه الحسابي.
أخبار ذات صلة

Apple Pay تطلق خدماتها في الهند عبر Axis Bank اليوم

ناسا و دراغون سبيس إكس: معضلة بلا حلول سهلة

الذكاء الاصطناعي والوجود الإنساني: تحذير Anthropic في طرح اكتتابها العام
