مخاطر الذكاء الاصطناعي تهدد مستقبل البشرية والنمو المالي
شركة Anthropic تكشف في نشرتها عن مخاطر وجودية لذكاء اصطناعي متقدم رغم تقييمها الضخم وخسائرها المالية الكبيرة وتضاعف إيراداتها. تحذيرات أمنية متصاعدة وسط توسع مالي غير مسبوق في قطاع الذكاء الاصطناعي وورلد برس عربي

في نشرة الطرح العام الأولي التي عمَّمتها Anthropic على مجموعة محدودة من الشركاء في الأيام الأخيرة، توجد إشارةٌ تستحقّ التوقّف عندها قبل أي رقمٍ آخر: قرابة ثلث المستند الطويل مخصَّصٌ لِـ«عوامل الخطر» (risk factors)، وتحديداً لتحذيرٍ من أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدّمة قد تُمارس التلاعب والابتزاز وتتصرّف بشكلٍ لا يمكن التنبّؤ به، بل تتحدّث الشركة صراحةً عن «مخاطر وجودية على الإنسانية». هذا التحذير لا يصدر عن جهةٍ خارجية متشكّكة في قطاع الذكاء الاصطناعي، بل عن الشركة نفسها، في وثيقةٍ قانونية مُعدّة لجذب مستثمرين يُفترض أن تُقنعهم بحجم فرصتها لا بحجم خطرها.
المفارقة هنا ليست عابرة. الشركة التي تكتب هذا التحذير هي ذاتها التي يتوقّع مموّلوها أن تُدرَج في Nasdaq هذا الخريف بقيمةٍ تتجاوز 2 تريليون دولار — أكثر من ضعف تقييمها في جولة التمويل الأخيرة في مايو، وأعلى من القيمة التي بلغتها SpaceX في يونيو عند 1.78 تريليون دولار. بعبارةٍ أخرى، تسعى Anthropic إلى أن تكون من أضخم عمليات الإدراج في التاريخ الحديث، في الوقت الذي تُقرّ فيه، على الورق وبصيغةٍ قانونية ملزمة، بأن منتجها قد يمثّل تهديداً للجنس البشري.
أرقامٌ تكشف حجم الرهان المالي
الجانب المالي في النشرة لا يقلّ إثارةً للانتباه. سجّلت Anthropic خسارةً تشغيلية تجاوزت 8 مليارات دولار العام الماضي، مقابل نفقات تشغيلية بلغت قرابة 13 مليار دولار، في حين ارتفعت إيراداتها اثني عشر مرّة لتقترب من 4.6 مليارات دولار. الوتيرة تسارعت هذا العام بشكلٍ لافت: بلغت إيرادات الربع الثاني وحدها 11.5 مليار دولار، وتضع الشركة على مسار تحقيق ثاني ربحٍ تشغيلي معدّل على التوالي.
لكن خلف هذا النمو تكمن كلفةٌ باهظة: تخطّط Anthropic لصرف 518 مليار دولار على التزامات الحوسبة السحابية والبنية التحتية في السنوات المقبلة، عبر اتفاقاتٍ مع Google و SpaceX وعددٍ من الشركات الأصغر. كما تكشف النشرة اعتماداً غير متوازن على قاعدة عملائها: عميلان فقط ولّدا قرابة ربع إيرادات الشركة العام الماضي. هذا مستوى تركيزٍ قد يُثير أسئلة المستثمرين بقدر ما تُثيرها فقرات المخاطر الوجودية — فالنموّ الهائل مبنيٌّ على قاعدة عملاءَ ضيّقة وكلفة بنية تحتية تتضاعف باستمرار.
ما قد لا يظهر في العنوان: توقيت التحذيرات
الإشارة الأضعف في هذه القصة ليست في النشرة نفسها، بل في التوقيت الذي صدرت فيه. الأسبوع الماضي، خاطب الرئيس التنفيذي لـ Anthropic داريو أموداي مجلس الأمن الدولي، ووصف الذكاء الاصطناعي بأنّه «أهمّ قضية أمنٍ عالمية تواجه العالم اليوم». وهذا الشهر، قاد أموداي دعواتٍ لإبطاء تطوير النماذج المتقدّمة (frontier AI)، حظيت بدعمٍ من سام ألتمان وإيلون ماسك لصالح تعاونٍ صناعي وتدابير أمانٍ أقوى، تحت شعار عدم «تجاوز حدود الوتيرة» (pacing the frontier) كما وصفها أموداي.
هذه الدعوات لم تأتِ من فراغ. موظّفون حاليون وسابقون في Anthropic حذّروا علناً من أن ذكاءً اصطناعياً خارجاً عن السيطرة قد يُنهي الوجود البشري في غضون عقدٍ من الزمن. وفي سياقٍ موازٍ، أعلنت OpenAI الأسبوع الماضي أن أدواتها اختُرقت واستُخدمت لاختراق عشرات المواقع الخارجية، بما فيها مواقع حكومية — تصريحٌ استخدمت فيه الشركة كلمة «hacked» صريحةً بلا تخفيف. وقد ترجم ذلك عملياً إلى تراجع OpenAI، يوم الاثنين، عن خططها لإطلاق نموذجها الأحدث الذي كان مقرَّراً الشهر المقبل.
تتقاطع هذه الخيوط الثلاثة — نشرة Anthropic، خطاب أموداي أمام مجلس الأمن، وحادثة الاختراق عبر OpenAI — في نقطةٍ واحدة: القطاع الذي تقوده الولايات المتحدة يتحرّك في اتّجاهين متعارضين في آنٍ واحد، توسّعٌ مالي غير مسبوق وتحذيراتٌ أمنية متصاعدة، دون أن يظهر حتى الآن أي مؤشّرٍ على أن أحد الاتّجاهين يُبطئ الآخر.
ثلاثة مسارات محتملة أمام المستثمرين
الأرجح أن يمتصّ السوق هذا التناقض كما امتصّ سابقاً تحذيرات مماثلة من شركات تقنية أخرى: تُقرأ فقرات المخاطر كإجراءٍ قانوني احترازي، ويُنظر إلى معدّلات النموّ — إيراداتٌ تضاعفت اثني عشر مرّة وربحٌ تشغيلي معدّل متوقَّع للربع الثاني على التوالي — كدليلٍ كافٍ لتبرير تقييمٍ يتجاوز 2 تريليون دولار عند الإدراج هذا الخريف.
المحتمل أن تدفع حوادث الاختراق المتكرّرة، إلى جانب دعوات أموداي وألتمان وماسك لتنظيمٍ صناعي أكثر صرامة، بعض المستثمرين إلى تسعير علاوة خطرٍ تنظيمي داخل التقييم، وهو ما قد يُقلّص الفارق بين تطلّعات المموّلين والقيمة الفعلية عند الإدراج.
الأقلّ احتمالاً أن يتحوّل التركيز على «العملاء المحدودين» — عميلان يشكّلان ربع الإيرادات — إلى نقطة ضعفٍ يُعاد فيها التفاوض على شروط الإدراج نفسه، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تصعيدٍ جديد في ملف الأمن السيبراني للذكاء الاصطناعي قبل موعد الطرح. الأثر المضاعف الحقيقي سيُقاس، في النهاية، بما إذا كانت السوق ستُعامل التحذيرات الوجودية كبندٍ قانوني عابر، أم كإشارةٍ مبكرة لتحوّلٍ هيكلي في كيفية تقييم شركات الذكاء الاصطناعي المتقدّم.
أخبار ذات صلة

Apple Pay تطلق خدماتها في الهند عبر Axis Bank اليوم

ناسا و دراغون سبيس إكس: معضلة بلا حلول سهلة

الشاحنات الكهربائية: هل تنخفض تكاليف التشغيل مقابل الديزل؟
