ديفيد أتينبورو ورحلته في عالم الطبيعة الساحر
يحتفي وورلد برس عربي بمسيرة ديفيد أتينبورو الذي نقل جمال الطبيعة وعجائبها إلى شاشات العالم بصوته الهادئ وشغفه العميق، محذراً من تهديدات البيئة وداعياً لحمايتها من خلال أكثر من 70 عاماً من التوثيق العلمي والإنساني.





في حفلٍ أقيم على مسرح Royal Albert Hall، وبينما تعرض دور السينما أفلامه الوثائقية عن الطبيعة، وتتواصل شهادات المقرّبين منه أسابيعَ متواصلة، يبلغ David Attenborough عامه المئة هذا الجمعة وهو على الأرجح غير مرتاحٍ لكلّ هذا الاهتمام.
هذا ما يقوله Alastair Fothergill، المنتج الذي أشرف على بعض أشهر وثائقيات Attenborough، مضيفاً في تصريحٍ: "كان دائماً واضحاً معنا جميعاً: 'تذكّروا، الحيوانات هي النجوم، لا أنا'. ولهذا، ومن المفارقات اللافتة في حالة أحد أشهر الرجال على وجه الأرض، أنّه لا يحبّ الشهرة على الإطلاق."
الغوريلا
غير أنّ Attenborough وجد نفسه مضطرّاً هذا الأسبوع لقبول التكريم، إذ احتفى به العلماء والسياسيون والمدافعون عن البيئة بوصفه الرجل الذي أحضر الغوريلا المرِحة والحيتان القافزة والضفادع السامّة الصغيرة إلى غرف المعيشة حول العالم لأكثر من 70 عاماً.
من خلال برامج كـLife on Earth و The Private Life of Plants) و The Blue Planet، أضاء Attenborough جمالَ الطبيعة وشراستها وغرابتها أحياناً، بصوتٍ هادئٍ رخيم يعكس دهشته الحقيقية بما يشهده.
نُقل المشاهدون الذين ربّما لم يغادروا مدنهم قطّ إلى جبال الهيمالايا وغابات الأمازون والأدغال غير المستكشفة في بابوا غينيا الجديدة. لكنّ وراء تلك الصور الخلّابة كانت تكمن دقّةٌ علمية صارمة أسهمت في تعليم الناس موضوعاتٍ معقّدة كالتطوّر وسلوك الحيوانات والتنوّع البيولوجي.
ومع تراكم الأدلّة، بدأ يُطلق التحذيرات بشأن تغيّر المناخ والبلاستيك في المحيطات وسائر التهديدات التي يُلحقها الإنسان بالكوكب.
هذا ما ساعد الناس على فهم كيف تطوّرت الحياة، والأهمّ من ذلك، لماذا يجب علينا حمايتها، يقول البروفيسور Ben Garrod، عالم الأحياء التطوّرية في جامعة East Anglia والمذيع الذي عمل إلى جانب Attenborough. ويرى Garrod أنّ Attenborough رأى نفسه في البداية مراقباً محايداً، إلّا أنّه شعر بالإلزام للتحدّث حين لاحظ أنّ السياسيين ورجال الأعمال والرأي العام لا يأخذون الأزمة بالجدّية الكافية.
"كان يُريك عظمة العالم الطبيعي وشراسته وهشاشته. ما كان ينبغي له أبداً أن يضطرّ إلى الانشغال بصياغة السياسات والمناصرة"، قال Garrod، ثم أضاف: "يسهل على كثيرين القول إنّه كان يجب أن يتحرّك مبكّراً، قبل عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاماً. لكنّي أسأل: ولماذا لم نفعل نحن ذلك؟"
شغف بالمستحاثات منذ البداية
وُلد Attenborough في لندن في 8 مايو 1926، في العام ذاته الذي وُلدت فيه الملكة الراحلة Elizabeth الثانية، وترعرع في حرم ما بات اليوم جامعة Leicester، حيث كان والده مسؤولاً رفيعاً. نشأ شغفه بالطبيعة في طفولته، حين كان يركب دراجته إلى الريف المحيط ليجمع الكنوز: أعشاش الطيور المهجورة، وجلد الأفعى المسلوخ، وفوق كلّ ذلك، المستحاثات (الأحافير).
قال Attenborough لمجلة Smithsonian عام 1981: "كنت أجد مستحاثةً وأُريها لوالدي، فيقول: 'جيّد، جيّد، أخبرني عنها كلّ شيء.' فكنت أستجيب وأصبح خبيراً بنفسي."
ثم واصل دراسة علم الأرض وعلم الحيوان في جامعة Cambridge.
في عام 1952، التحق Attenborough بـBBC يعمل خلف الكواليس في "كلّ شيء من الباليه إلى القصص القصيرة". وبعد نحو شهرَين، أثار اصطياد "مستحاثة حيّة" قبالة سواحل شرق أفريقيا ضجّةً دولية، فطُلب منه إعداد تقريرٍ قصير عن سمكة الكويلاكانث (Coelacanth). رُوي ذلك التقرير في الاستوديو على يد البروفيسور Julian Huxley، عالم الأحياء التطوّرية، الذي استعان بعيّنات حيوانية محفوظة وصورة فوتوغرافية للسمكة ليشرح أهمّيتها.
لكنّ Attenborough كان يرى أنّ التلفزيون قادرٌ على أكثر من ذلك.
"كنت أريد دائماً تصوير أفلام عن الحيوانات حول العالم"، تذكّر عام 1985. "لكنّ الموقف السائد كان: 'لدينا كاميرات في الاستوديو. ما معنى إنفاق المال في الخارج؟'"
في عام 1954، أقنع أخيراً BBC بالسماح له بمرافقة فريق حديقة حيوان لندن في رحلةٍ إلى غرب أفريقيا لجمع العيّنات. كان ذلك بداية عقدٍ كاملٍ بوصفه مقدّماً ومنتجاً لبرنامج "Zoo Quest"، وانطلاقةً لمسيرته الميدانية.
أثمن لحظات حياته
جاءت إحدى أشهر لحظات تلك المسيرة الطويلة خلال سلسلة "Life on Earth" عام 1979، حين التقى Attenborough بعائلةٍ من الغوريلا الجبلية في غابةٍ على الحدود بين رواندا وما والكونغو. في تلك المشهد الذي صنّفه البريطانيون ضمن أبرز اللحظات التلفزيونية في تاريخهم، يستلقي غوريلا صغير على جسده بينما تحاول صغارٌ أخرى خلع حذائه. يبتسم Attenborough ويضحك، ويعجز عن الكلام من شدّة البهجة.
قال لاحقاً: "لا أعرف حقّاً كم استغرق ذلك. أظنّ نحو عشر دقائق، أو ربع ساعة. كنت في حالٍ من الذهول التام."
وأضاف متأمّلاً: "أمرٌ استثنائي، حقّاً. كانت من أكثر اللحظات امتيازاً في حياتي."
شخصيةٌ يفهمها الجميع
يرى البروفيسور Jean-Baptiste Gouyon، أستاذ التواصل العلمي في University College London، أنّ Attenborough وظّف معرفته بالتلفزيون وفهمه لجمهوره والتزامه بالعلم ليخلق شخصيةً قادرةً على إيصال قضايا معقّدة تتعلّق بالحياة البرية والحفاظ على الطبيعة والتاريخ الطبيعي إلى جمهورٍ واسع.
قال Gouyon: "بالجوهر، أعطى Attenborough تلفزيون الحياة البرية وجهاً وشخصيةً محوريةً ... باتت تُجسّد الخطاب التلفزيوني عن الطبيعة."
وفي يوم مئويّته هذا، حرص محبّوه على إيصال أصواتهم إليه. في رسالةٍ صوتية مسجّلة، قال إنّه كان يظنّ أنّه سيحتفل باليوم بهدوء وهو ما لم يحدث.
"لقد غمرتني التهاني تماماً، من مجموعات ما قبل المدرسة إلى المقيمين في دور رعاية المسنّين وأفرادٍ وعائلاتٍ لا تُحصى من مختلف الأعمار"، قال. "لا أستطيع الردّ على كلٍّ منكم على حدة، لكنّني أودّ أن أشكركم جميعاً بصدقٍ من القلب على رسائلكم الطيّبة."
ولا يبدو أنّه يعتزم التوقّف، وفق ما أكّده Fothergill: "قال لي مؤخّراً إنّه يشعر بامتنانٍ لا يوصف لأنّ رجلاً في أواخر تسعينيات عمره لا يزال يُطلب منه العمل. وأعتقد أنّه سيستمرّ إلى الأبد — سيرحل وهو يرتدي سروال السفاري."
أخبار ذات صلة

المبدعون الرقميون يعيدون تشكيل صناعة السينما

المؤثّران الموالين لإسرائيل يتبادلان نكتةً عن "الاغتصاب من قِبَل كلاب إسرائيلية"

مارجان ساتراپي رسامة الكاريكاتير الإيرانية ومبدعة «بيرسيبوليس» تتوفى عن 56 عاماً
