مأساة رجال الإطفاء تكشف أزمة سياسة مكافحة الحرائق
وفاة 3 رجال إطفاء في كولورادو تفتح جدلاً حول سياسة الإخماد الكامل الجديدة التي تعتمدها الإدارة الأمريكية وتؤثر على سلامة الفرق والمجتمعات وسط اتهامات بتعجيل التدخل لصالح شركات الطيران في مكافحة الحرائق وورلد برس عربي.






وفاة 3 رجال إطفاء فيدراليين في حريق كولورادو تُعيد النقاش إلى سياسة إخماد الحرائق الأمريكية
أعادت وفاة ثلاثة من رجال الإطفاء الفيدراليين في حريق اجتاح ولاية كولورادو النقاشَ إلى الواجهة حول قرارَين اتّخذتهما إدارة ترامب: إنشاء جهاز فيدرالي جديد لمكافحة الحرائق البرية، وإحياء سياسة قديمة مثيرة للجدل تقضي بإخماد جميع الحرائق في أسرع وقت ممكن.
أحد رجال الإطفاء الثلاثة كان يعمل لدى «U.S. Wildland Fire Service»، وهو الجهاز الذي أُسِّس هذا العام بقرار إداري مباشر دون المرور بالإجراءات التشريعية المعتادة في الكونغرس، إذ جرى استقطاب كوادره من أربع وكالات تتبع وزارة الداخلية. وكان الضحايا الثلاثة أعضاءً في فِرقة نخبوية تعمل بالمروحيات، وقد وجدوا أنفسهم محاصَرين يوم السبت داخل حريق متسارع الانتشار قرب الحدود مع ولاية يوتا، حين كانوا يهاجمون النيران من الأرض.
وبحسب ما أفادت به السلطات، كان الضحايا الثلاثة من بين خمسة رجال إطفاء حاولوا حماية أنفسهم بنشر ملاجئ طارئة تشبه الخيام حين اجتاحت النيران مواقعهم. وأُدخل اثنان من الناجين إلى المستشفى بحروق.
وقد أفضى دمج آلاف الكوادر في الجهاز الجديد إلى حالة من الارتباك لدى عدد من رجال الإطفاء بشأن التسلسل القيادي ونطاق مسؤولياتهم، وفق ما أفاد به مسؤولون حكوميون سابقون.
فضلاً عن ذلك، يمثّل تركيز الإدارة على سياسة «الإخماد الكامل» لكل حريق ينشأ حديثاً انعطافةً حادة عن توجّه راسخ استمر عقوداً، كان يرى في النار أداةً مفيدة تحرق الغطاء النباتي الميت والقديم الذي يُغذّي الحرائق الكبرى، وتُقلّص خطر الكوارث في ظل تصاعد الاحترار المناخي.
ومن اللافت أن هذه التغييرات تصبّ في مصلحة شركات الطيران الخاصة العاملة في مجال الإطفاء، التي تستفيد مباشرةً من سياسة التدخّل السريع.
لم تُفصح السلطات الفيدرالية حتى الآن عن تفاصيل الملابسات التي سبقت الحادثة، بما في ذلك الهدف الميداني الذي كان رجال الإطفاء يسعون إلى تحقيقه حين داهمتهم النيران.
يقول Timothy Ingalsbee، رجل الإطفاء الفيدرالي السابق والمؤسّس المشارك لمجموعة المناصرة «Firefighters United For Safety, Ethics and Ecology»: "السؤال هو: لماذا كانوا يهاجمون ذلك الحريق أصلاً؟ ما الذي كان مهدَّداً فعلاً؟ إن كان المكان مجرّد أدغال على قمم جبال نائية، فما الخطر الحقيقي الذي يُبرّر تعريض أرواح رجال الإطفاء للخطر؟"
98% من الحرائق كانت تُخمَد
اندلعت حرائق برية في مناطق واسعة من الغرب الأمريكي خلال الأسبوع الماضي، في أعقاب أشهر من الجفاف وشُحّ تاريخي في الثلوج في بعض المناطق.
وبموجب أمر صادر عن وزير الداخلية Doug Burgum، سيعتمد «Wildland Fire Service» سياسة الإخماد الكامل "لكل حريق بري يقع تحت إدارته"، وفق ما أعلنه المسؤولون الفيدراليون . وجاء في البيان: "ينبغي إخماد أي حريق يشكّل تهديداً للأرواح أو الممتلكات أو البنية التحتية أو البيئة في أسرع وقت ممكن. ويحتفظ مديرو الحرائق ذوو الخبرة لدينا بصلاحية اختيار أكثر الأساليب أماناً وفعالية بحسب الظروف الميدانية."
غير أن المنتقدين يرون أن الإدارة تسعى إلى إصلاح ما لا يحتاج إلى إصلاح: فالوكالات الأربع التي استُقطبت منها كوادر الجهاز الجديد وهي «Bureau of Land Management» و«Fish and Wildlife Service» و«Bureau of Indian Affairs» و«National Park Service» كانت تنجح في إخماد 98% من الحرائق التي تتعامل معها.
يقول Steve Ellis، المدير النائب السابق لـ«Bureau of Land Management» ورئيس «National Association of Forest Service Retirees»، إن الجهاز الجديد والسياسة المرافقة له لن يُنهيا الحرائق الكارثية الناجمة عن كثافة الغابات في مناطق يتزايد فيها التمدّد العمراني، وعن التطرّف المناخي. ويؤكد أن مديري الأراضي يجب أن يكونوا جزءاً من الحل، مضيفاً: "الفصل بين إدارة الغابات ومديريها وبين عمليات إخماد الحرائق سيجعل عمل الإطفاء أقل أماناً وسيُعرّض المجتمعات لمخاطر أكبر."
أما رجلا الإطفاء الآخران اللذان لقيا حتفهما في كولورادو، فكانا يعملان لدى «Forest Service» التابعة لوزارة الزراعة، التي تتولّى معظم عمليات مكافحة الحرائق في الولايات المتحدة وتعمل هي الأخرى وفق سياسة الإخماد الكامل. وكان ترامب يسعى إلى ضمّ رجال إطفاء «Forest Service» إلى الجهاز الجديد، إلا أن الكونغرس أحبط هذا الجزء من الخطة.
شركات طيران الإطفاء دفعت نحو الدمج
يقول Austin Moeller، كبير المحللين في قطاع الفضاء الجوي لدى مجموعة Canaccord Genuity للاستثمار، إن المسؤولين الفيدراليين في عهد ترامب باتوا يُسرعون في نشر الطائرات فور اندلاع الحرائق. ويضيف: "كل من يمتلك طائرة صهريجية يستفيد من هذا النشاط التعاقدي الأكثر عدوانية."
والمستفيد الرئيسي من هذا التوجّه هو شركة Bridger Aerospace، ومقرّها ولاية مونتانا، التي أسّسها عضو مجلس الشيوخ الأمريكي Tim Sheehy. وقبيل انتخابه عام 2024، استعان Sheehy بجماعات ضغط في محاولة فاشلة لإقناع برلمان مونتانا بإنشاء جهاز إطفاء على مستوى الولاية مماثل لما أُنشئ لاحقاً على المستوى الفيدرالي. وفي غضون شهر من توليه منصبه الفيدرالي، رعى مشروع قانون لتقنين دمج رجال الإطفاء الفيدراليين في جهاز واحد.
و أوضح المتحدث باسم Sheehy، Tate Mitchell، أن Sheehy ابتعد عن الشركة خلال حملة 2024 ووضع أصوله في Bridger ضمن صندوق ائتماني أعمى. وأضاف أن ترامب هو صاحب فكرة إنشاء الجهاز الجديد، لكن Sheehy يدعمها، مصرّحاً: "إن إيقاف الحرائق الكارثية التي تُدمّر المجتمعات الأمريكية من أولويات السيناتور Sheehy في مجلس الشيوخ، وهو لن يعتذر عن ذلك."
تصف Bridger نفسها بأنها من الشركات الرائدة في مجال الإطفاء الجوي على المستوى الوطني. وقال الرئيس التنفيذي Sam Davis إن أسطول الشركة من طائرات Super Scooper وطائراتها الاستطلاعية وتقنياتها في رصد الحرائق يجعلها "في موقع فريد" للاستجابة للتوجّه الجديد نحو مهاجمة الحرائق وإخمادها.
سياسة الإخماد الكامل: عودة إلى ما قبل عقود
ستُسهم الطائرات في دعم سياسة الإخماد الكامل الجديدة، التي تستحضر في جوهرها سياسة يعود تاريخها إلى عام 1935، عُرفت بـ«قاعدة العاشرة صباحاً» لأنها كانت تُلزم الوكالات بإخماد أي حريق جديد بحلول الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي.
يقول Michael Dudley، المدير المتقاعد لشعبة الحرائق والطيران وإدارة الهواء في «Forest Service»، إن تلك السياسة القديمة هي السبب في أن الغابات اليوم مكتظّة بالنباتات. فالحرائق البرية تؤدّي وظيفة بيئية إذ تُزيل المواد الصغيرة والميتة لكن المسؤولين أصبحوا بارعين جداً في إخماد الحرائق لدرجة أن الغابات واصلت نموّها وتراكمت فيها المواد القابلة للاشتعال، فبات أي حريق يندلع فيها أكثر عُرضةً للخروج عن السيطرة.
ويرى العلماء المتخصّصون في دراسة الحرائق البرية أن محاولة إيقاف جميع الحرائق أمر غير واقعي، إذ تمكّنت بعض أشد الحرائق تدميراً في السنوات الأخيرة من الإفلات من جهود الإخماد. فبعض الحرائق تنتشر بسرعة هائلة، وبعضها يشتعل في مناطق نائية، وبعضها ينجم عن بؤر اشتعال متعددة تجعل السيطرة عليها أمراً شبه مستحيل.
يقول David Calkin، الباحث السابق في حرائق الغابات لدى «Forest Service»: "الرواية القائلة بأننا إن بذلنا جهداً أكبر ستختفي هذه الحرائق ليست صحيحة. مفارقة الحريق لا يمكن التغلّب عليها: كلّما أخمدت الحرائق أكثر، تراكمت الوقود أكثر. وكلّما تراكمت الوقود، صعُب إخماد الحرائق أكثر."
رجال الإطفاء: الجهاز الجديد يحتاج إلى عمل
يعمل رجال الإطفاء في الجهاز الموحّد تحت قيادة Brian Fennessy، الرئيس التنفيذي المعيَّن حديثاً لـ«Wildland Fire Service»، الذي كان يتولّى رئاسة «Orange County Fire Authority» في كاليفورنيا منذ عام 2018.
يقول Dudley: "ثمة قدر من الارتباك إذ يحاول الجميع تحديد المسؤوليات ومعرفة من يتولّى القيادة ومن يُقدَّم التقارير إليه."
في المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية إن Fennessy يحظى باحترام واسع ويمتلك عقوداً من الخبرة، شملت إدارة بعض أعقد تحديات الحرائق في جنوب كاليفورنيا المكتظّ بالسكان.
أما Luke Mayfield، أحد مؤسّسي مجموعة «Grassroots Wildland Firefighters»، فيرى أن الدمج سيخدم رجال الإطفاء على المدى البعيد، لكن ثمة عملاً كبيراً لا يزال أمام الجهاز الجديد كي يعمل بكامل طاقته. ويقول: "الجميع كان مدركاً لظروف الوقود وشروط الحريق التي نواجهها هذا الموسم. وقد بدأت هذه الظروف تتجلّى وأسفرت عن سقوط ضحايا من رجال الإطفاء، في ظل أحوال جوية لن تهدأ في المستقبل القريب."
أخبار ذات صلة

موافقة FDA على أول مكون واقٍ من الشمس جديد منذ ربع قرن

الولايات المتحدة تُغلق مكاتب معالجة التأشيرات في سفاراتها الأفريقية

زهران ممداني يندّد بفعالية عقارية إسرائيلية في نيويورك: "محاولة لتهجير الفلسطينيين"
