الهندسة الجيومناخية ومستقبل تبريد الأرض المناخي
هل يمكن تبريد الأرض بضخ جسيمات عاكسة في الستراتوسفير كما تفعل البراكين؟ تعرف على خارطة طريق بحثية لتقنية الهندسة الجيومناخية الشمسية والتحديات الأخلاقية والسياسية التي تحيط بها في مواجهة التغير المناخي وورلد برس عربي.

في عالمٍ يتسارع فيه الاحترار المناخي، تبرز أحياناً أفكارٌ تبدو في ظاهرها جريئة حدّ الاستفزاز: ماذا لو أمكن تبريد الأرض بضخّ جسيماتٍ عاكسة للضوء في طبقة الستراتوسفير، تماماً كما تفعل البراكين حين تنفجر؟ هذه ليست خيالاً علمياً، بل هي فكرة الهندسة الجيومناخية الشمسية (Solar Geoengineering) التي تعود إلى أكثر من خمسة عقود من الدراسة الأكاديمية ومع ذلك تظلّ محاطةً بفجواتٍ معرفية كبيرة وجدلٍ أخلاقي حادّ. الآن، تحاول منظّمةٌ غير ربحية مقرّها سان فرانسيسكو أن تضع خارطة طريق منهجية لردم هذه الفجوات قبل أن تضطرّ الحكومات إلى اتّخاذ قراراتٍ في لحظة ذعر.
خارطة طريق بمراحل وبوّابات توقّف
في مطلع عام 2024، نشرت منظّمة Reflective خارطة طريق بحثية مفصّلة تحمل اسم «SAI Research Roadmap»، تُرسم فيها مسارات الدراسة والتجريب اللازمة لتقييم تقنية حقن الهباء الجوي الستراتوسفيري (Stratospheric Aerosol Injection SAI). الفكرة الجوهرية بسيطة في مبدئها: ضخّ جسيمات عاكسة في طبقة الستراتوسفير لتقليص كمية أشعة الشمس الواصلة إلى سطح الأرض، محاكاةً للتأثير التبريدي الطبيعي للثورات البركانية.
المنظّمة، التي تأسّست في أواخر عام 2023 وجمعت حتى الآن أكثر من 20 مليون دولار، موّلت نحو 4 ملايين دولار لعشراتٍ من مجموعات البحث. وتقترح خارطة الطريق أنّ بحثاً منسّقاً يمكن أن يُنجَز في نحو 10 سنوات بتكلفة 370 مليون دولار، في حين قد تمتدّ الجهود غير المنسّقة إلى 20 عاماً وتكلّف 1.4 مليار دولار وهو فارقٌ يعكس الثمن الحقيقي للفوضى البحثية.
تنقسم الخارطة إلى أربع مراحل متتابعة. المرحلة الأولى، التي تستمرّ بين عامين وثلاثة أعوام بتكلفة تتراوح بين 30 و75 مليون دولار، تُركّز على بناء «المعرفة التأسيسية» عبر المحاكاة الحاسوبية وتجارب المختبر وأدوات الرصد. المرحلة الثانية تنتقل إلى التجريب الميداني بإطلاق 10 أطنان متريّة من ثاني أكسيد الكبريت أربع مرّات على موسمين، وتمتدّ بين 4 و8 سنوات بتكلفة 70 إلى 150 مليون دولار، بهدف خفض حالة عدم اليقين المتعلّقة بالكفاءة التبريدية بنسبة 25%. المرحلة الثالثة أكثر جرأةً: إطلاق 25,000 طن من ثاني أكسيد الكبريت مرّةً أو مرّتين في موسمٍ واحد، على مدى 4 إلى 11 عاماً، بتكلفة قد تصل إلى 1.1 مليار دولار، مع تخفيضٍ متوقّع لحالة عدم اليقين بنسبة 66%. أمّا المرحلة الرابعة والأخيرة، فتتعلّق برصد مستمرّ في حال اتُّخذ قرار النشر الفعلي على نطاقٍ واسع.
ما يُميّز هذه الخارطة هو وجود ما تسمّيه Reflective «بوّابات مرحلية» (Stage Gates) نقاط تقييم مدمجة في المسار البحثي، تُتيح وقف التجارب إذا كشفت النتائج عن آثارٍ سلبية أو أخفقت في تضييق هامش عدم اليقين. تقول Dakota Gruener، المؤسِّسة المشاركة والرئيسة التنفيذية للمنظّمة: «تحتوي خارطة طريقنا على هذه البوّابات تحديداً لأنّه قد تكون هناك نقاطٌ يكون فيها الجواب: يجب أن تتوقّف».
الجدل الحقيقي: من يملك زرّ التحكّم؟
الجانب التقني، رغم تعقيده، ليس أكثر إثارةً للجدل من الجانب الحوكمي. منذ عام 2002، وقّع مئات الأكاديميين على اتفاقية عدم الاستخدام التي تدعو إلى حظر التجارب الميدانية الخارجية. وقد أُوقفت تجارب سابقة بارزة، من بينها مشروع Harvard's SCoPEx ومشروع SPICE البريطاني، بسبب معارضةٍ واسعة.
الإشارة الأضعف في هذا النقاش التي كثيراً ما تغيب عن العناوين ليست في الكيمياء الجوية، بل في توزيع السلطة. تُعبّر Aarti Gupta، أستاذة حوكمة البيئة العالمية في جامعة Wageningen، عن هذا بوضوحٍ لافت: «الأسئلة الأولى من منظوري ليست تقنية. السؤال الجوهري هو: من سيتحكّم في تقنيةٍ تُغيّر مسار الكوكب كحقن الهباء الجوي الستراتوسفيري؟ من سيطوّرها ومن سينشرها، ولأيّ غاية؟ لخدمة أيّ أهداف، وأهداف من؟ هذه الأسئلة جوهرية للغاية، لأنّ هذه التقنية التي تُغيّر الكوكب ستُفرز رابحين وخاسرين».
هذا البُعد الجيوسياسي يكتسب ثقلاً إضافياً حين يُدرَس من منظور الجنوب العالمي. التغيّرات في أنماط هطول الأمطار وتوزيع الحرارة لن تكون موحّدة عبر القارّات وهو ما يعني أنّ قراراً يتّخذه طرفٌ واحد بضخّ مواد في الستراتوسفير قد يُلقي بظلاله على مناخ مناطق لم تُشارك في صنع القرار أصلاً.
سيف داموكليس فوق الأجيال القادمة
ثمّة مخاطرة أخرى تستحقّ القراءة بعناية، وهي ما يُعرف بـ«صدمة الإنهاء» (Termination Shock): إذا بدأت الهندسة الجيومناخية الشمسية على نطاقٍ واسع ثمّ توقّفت فجأةً لأسبابٍ سياسية أو اقتصادية أو نزاعية فإنّ الاحترار المكبوت قد يعود بسرعةٍ مفاجئة تفوق قدرة الأنظمة البيئية والبشرية على التكيّف.
يرى Wil Burns، الأستاذ والباحث القانوني في American University، أنّ هذا يطرح إشكاليةً أخلاقية عميقة: «ما سيفعله ذلك، في تصوّري، هو تعليق سيف داموكليس فوق رؤوس الأجيال القادمة. لذا حتى لو أمكنك، بين قوسين، إثبات أنّه يعمل، فأنا لا أعتقد أنّه سيكون مقبولاً من منظورٍ بين-جيلي». ويذهب Burns إلى أبعد من ذلك، مشكّكاً في جدوى البحث برمّته: «البحث سيمنحك بعض الإجابات. لكنّني لا أعتقد أنّه يمنحك الإجابات الأكثر أهمّية. للوصول إلى تلك الإجابات، عليك النشر على نطاقٍ واسع وأنا لا أعتقد أنّ ذلك قابلٌ للتطبيق في أيّ وقت».
في المقابل، يرى بعض الباحثين أنّ مخاطر صدمة الإنهاء يمكن إدارتها عبر تخفيضٍ تدريجي منضبط، وأنّ رفض البحث كلياً هو في حدّ ذاته موقفٌ ينطوي على مخاطر.
التجريب الميداني: ضرورة أم خطّ أحمر؟
يُقدّم Sebastian Eastham، الأستاذ المشارك في Imperial College London، حجّةً تقنية صريحة لصالح التجارب الخارجية: «التجارب الميدانية المصمَّمة والمنفَّذة بشكلٍ مناسب يمكن أن تُعلّمنا ما هو أكثر بكثيرٍ ممّا يمكن لملايين ساعات المعالجة الحاسوبية أن تُعلّمه، لدرجةٍ يكاد يكون من غير المسؤول أن نقول: لا يمكن أن تكون هناك أيّ تجربة على الإطلاق». ويُضيف في سياقٍ أشمل: «كلّ قرارٍ صعب اتُّخذ في التاريخ كان في سياق حالة عدم يقين لم تُحسم. هذه هي طبيعة الأشياء».
الجدير بالذكر أنّ كمية ثاني أكسيد الكبريت المقترحة في المرحلة الأولى من التجارب 10 أطنان تُمثّل أقلّ من 2% من انبعاثات الكبريت اليومية للطيران المدني العالمي. وهو رقمٌ يُستخدم لتأطير التجارب المبكّرة بوصفها محدودة النطاق، وإن كانت المرحلة الثالثة تقفز إلى 25,000 طن قفزةٌ تُغيّر طبيعة المعادلة كلياً.
على صعيد المؤسّسات، دعمت وكالة البحث والاختراع المتقدّم البريطانية (ARIA) 21 مشروعاً في الهندسة الجيومناخية عام 2023، وتُبدي دعماً لمقاربة Reflective. ويقول Ilan Gur، الرئيس التنفيذي السابق للوكالة: «سواء كنت عالماً أو صانع سياسات أو مواطناً مهتمّاً، يجب أن يكون هدفنا الإجابة على أكبر الأسئلة العلمية بأسرع وأكفأ طريقة ممكنة تلك التي تُخبرنا إن كان هذا نهجاً قد ينجح أو لن ينجح أبداً».
بين الذعر والجهل: أيّهما أخطر؟
تُلخّص Gruener المنطق الذي تقوم عليه مهمّة Reflective في جملةٍ تحمل ثقل الأزمة المناخية كلّها: «إحساسنا هو أنّ العالم قد يحتاج إلى اتّخاذ قراراتٍ بالغة الأهمّية في جداولٍ زمنية أقصر بكثيرٍ ممّا هو مُهيَّأ له نظامنا البحثي». وتُوضح أنّ البديل عن البحث المنظّم ليس غياب القرار، بل هو «قراراتٌ تُتَّخذ في حالة ذعر أو استناداً إلى أدلّة شحيحة».
طوّرت Reflective أيضاً محاكياً مفتوح المصدر للهندسة الجيومناخية الشمسية، ومنصّة بحثية تعاونية عبر الإنترنت، فضلاً عن قاعدة بيانات لحالات عدم اليقين تُحدّد المجاهيل الكبرى في هذا الملفّ، من سلوك الجسيمات في الستراتوسفير إلى التأثيرات على الأنظمة البيئية وأنماط المناخ.
ثلاثة سيناريوهات تبدو الأرجح في المدى المنظور: الأوّل الأرجح أن تستمرّ الأبحاث التأسيسية في المختبرات والمحاكاة دون تجارب ميدانية واسعة، في ظلّ معارضةٍ أكاديمية وسياسية متواصلة. الثاني المحتمل أن تُفتح نافذةٌ محدودة للتجارب الميدانية الصغيرة في ظلّ إطار حوكمة دولي، إذا تصاعدت مؤشّرات الاحترار بشكلٍ حادّ. الثالث الأقلّ احتمالاً لكن الأشدّ خطورةً أن تنتهج دولةٌ أو جهةٌ منفردة مساراً أحادياً للنشر خارج أيّ إطار تعاوني، وهو السيناريو الذي يُقلق الباحثين أكثر من أيّ مخاطرة تقنية أخرى. السؤال المفتوح الذي لا تُجيب عنه أيّ خارطة طريق حتى الآن: من يملك حقّ الاعتراض — وهل سيُسمع صوته حين تحين اللحظة الفارقة؟
أخبار ذات صلة

مختبرات زراعية تحت الأرض: العلماء الصينيون يحوّلون مناجم الفحم المهجورة

موجات رملية غريبة الشكل تغطي سهول المريخ

مركبة LINK تقترب من مرصد Swift التابع لناسا، لكن ليس بما يكفي لإنقاذه
