كيف ينظم الدماغ الكسور والأعداد على خريطة واحدة
كيف ينظم الدماغ الكسور والأعداد الصحيحة معاً؟ دراسة تكشف أن الدماغ يضعها على خريطة ذهنية واحدة حسب الحجم مما يفسر صعوبة فهم الكسور رغم دمجها مع الأعداد الصحيحة في المعالجة العددية تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

حين نرى الكسر «¼»، يحتوي رمزه على الرقم 4، لكنّ قيمته أقرب إلى الصفر بكثير. كيف ينتقل الدماغ من شكل الرمز إلى معناه، ويضع كسراً مثل هذا في مكانه الصحيح قياساً إلى عددٍ صحيح؟ دراسة جديدة تقترح أنّ الدماغ يرتّب الكسور والأعداد الصحيحة معاً على «خريطة ذهنية» واحدة مرتّبة بحسب الحجم، لا على منظومتين منفصلتين. غير أنّ الدراسة لا تقول لماذا تبقى الكسور أصعب في المقارنة، وهو السؤال الذي يطرحه كثيرون عند قراءة الخبر.
نشر الباحثون النتائج في مجلة «PLOS Biology» يوم الخميس 22 أكتوبر. وتعود الدراسة إلى الباحثة دانييلا فاليريو (Daniela Valério)، وهي باحثة ما بعد الدكتوراه، وستانيسلاس دوهين (Stanislas Dehaene)، مدير وحدة التصوير العصبي المعرفي INSERM-CEA (UNICOG) في فرنسا. وتفصيل الدراسة منشور في المقال الأصلي بعنوان «A cortical semantic map integrates fractions and integers in the human brain»، وهو مدرج في عدد 2026 من المجلة (المجلد 24، العدد 10، e3003820). والمؤلفون المشاركون إلى جانب فاليريو ودوهين هم: S. Debray وA. Karami وM. Cauté وN. Gravel.
كيف أُجريت التجربة؟
شملت الدراسة 20 بالغاً خضعوا للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) عالي الدقة، وهو يتتبّع تدفّق الدم بوصفه مقياساً غير مباشر لنشاط الدماغ. وطُلب من المشاركين مقارنة كسور وأعداد صحيحة، فكان عليهم الحكم في كل مرة على ما إذا كان العدد المعروض أكبر أم أصغر من العدد الذي سبقه.
أنتجت هذه المقارنات أنماط نشاط منظّمة في القشرة الجدارية السفلية الأمامية، وهي منطقة معروفة بأهميتها في معالجة الأعداد. وظهرت الأعداد الصحيحة والكسور على خط واحد مشترك بحسب حجمها، لا في نظامين منفصلين. وخلص الباحثون إلى أنّ هذه الخريطة المشتركة تجمع صيغ الأعداد المختلفة بحسب الكميات التي تمثّلها.
قال فاليريو ودوهين، بحسب ما نقلته «Live Science»: «الأعداد مفاهيم مجرّدة، لكنّ أدمغتنا تملك طرقاً لتنظيمها تتيح لنا مقارنة قيمها والتفكير فيها». وأضافا: «اللافت أنّ الدماغ قادر على الجمع بين أعدادٍ تبدو مختلفة تماماً، مثل الأعداد الصحيحة والكسور، ضمن نظام مشترك».
ما الجديد في الأمر؟
لم يكن دور الفص الجداري في تمثيل الكمية العددية مجهولاً، فقد ربطته أبحاث سابقة، ومنها دراسة عن تمثيل المقدار العددي، بهذه الوظيفة. وكانت أعمال أخرى قد وجدت أنّ الكسور والأعداد الصحيحة تستدعي أجزاءً متداخلة من شبكة معالجة الأعداد في الدماغ. لكنّ استراتيجية الدماغ في معالجة الكسور كانت أقلّ فهماً من معالجته للأعداد الصحيحة.
يوضح الباحثان: «الجديد في دراستنا أننا نبيّن أنّ هذه الأنواع المختلفة من الأعداد منظّمة ضمن خريطة مشتركة في الدماغ». ويقول مؤلفو التقرير: «بحسب علمنا، هذه أول دراسة تبحث في هندسة التمثيلات العصبية في مهمة تشمل الأعداد الصحيحة والكسور معاً».
أبياط ديربي (Abiot Derbie)، عالم الأعصاب المعرفي ومؤسس شركة LifeByLogic المتخصصة في التقييمات النفسية، لم يشارك في البحث، لكنه علّق عليه. قال إنّ العلماء «كانوا يعلمون أصلاً أنّ الكسور والأعداد الصحيحة تستدعي أجزاءً متداخلة من شبكة معالجة الأعداد في الدماغ». وأضاف: «هذه الدراسة تمنحنا صورة أوضح عن كيفية تنظيم قيمها». وأوضح أنّ ما يهمّه شخصياً هو «كيف ينتقل الدماغ من الرمز إلى معناه»، وأنّ «أنماط النشاط عكست تلك العلاقة العددية، متجاوزةً الأرقام نفسها». وهذا ما يفسّر مثال «¼»: الدماغ لا يقرأ الرقم 4 داخل الكسر، بل يضع الكسر قرب الصفر حيث تقع قيمته.
لماذا تبقى الكسور أصعب؟
لاحظ الباحثون أنّ المشاركين كانوا أبطأ وأكثر خطأً عند مقارنة الكسور منها عند مقارنة الأعداد الصحيحة. لكنّ هذه الملاحظة تبقى وصفاً للأداء لا تفسيراً له. يقول فاليريو ودوهين: «لم تُصمَّم دراستنا لتفسير سبب كون الكسور أصعب في التعلّم أو الفهم». فالخريطة المشتركة تبيّن كيف يُنظَّم الكسر والعدد الصحيح معاً، لا لماذا يحتاج أحدهما إلى جهد أكبر.
وثمة قيد آخر قد يهمّ القارئ العربي: ضمّت الدراسة ناطقين أصليين بالفرنسية فقط، وقد لا تعكس النتائج فروقاً لغوية أو ثقافية. وبما أنّ العيّنة لا تتجاوز 20 مشاركاً من لغة واحدة، فلا تجيب الدراسة عن سؤال انطباق النتائج على متحدثي لغات أخرى، ومنها العربية. ويقترح ديربي دراسة التباين بحسب العمر والمستوى التعليمي والخلفية الرياضية.
ما الخطوة التالية؟
يرى الباحثون أنّ مجال العمل المقبل قد يشمل الأعداد العشرية، إذ يقولون: «قد يكون من المثير في المستقبل توسيع هذا العمل ليشمل الأعداد العشرية». أما ديربي فيقترح متابعة أطفال قبل تعلّمهم الكسور وبعده، لرصد التغيّر في نشاط الدماغ. ويقول: «أودّ أن أرى كيف يتطوّر هذا التنظيم مع تعلّم الناس».
وهذا هو السؤال المفتوح الذي يهمّ التعليم أكثر من أي سؤال آخر: إن كان الدماغ يضع الكسر والعدد الصحيح على الخط نفسه، فمتى تتشكّل هذه الخريطة، وكيف يمكن أن يغيّر التعلّم بناءها؟
أخبار ذات صلة

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى

رحلة أرتيميس 3 القمرية: ناسا تحدد الخطة لكن التاريخ غامض

البحث عن الحضارات الفضائية: السعودية تنضم للمشروع العالمي
