انهيار القزم الأبيض سر تكوين النجوم النيوترونية
كشف جديد من معهد ETH Zurich يوضح كيف تتحول القزمة البيضاء إلى نجم نيوتروني عبر انهيار نادر هادئ مختلف عن الانفجار العنيف المعروف. اكتشف الشروط الدقيقة لهذا التحول وأثره على توزيع العناصر الثقيلة في الكون وورلد برس عربي.

قبل أن يصبح نجماً نيوترونياً، لا بدّ أن يمرّ بمرحلة موت عنيف: انفجار مستعر أعظم يمزّق طبقاته الخارجية ويترك وراءه بقايا مضغوطة بكثافة لا يمكن تصوّرها. هذا هو المسار المعروف، أو هكذا كنّا نظنّ. لكنّ فريقاً من معهد ETH Zurich يكشف اليوم عن مسارٍ آخر، أكثر هدوءاً وأشدّ ندرةً، تتحوّل فيه قزمةٌ بيضاء بقايا نجمٍ كالشمس إلى نجمٍ نيوتروني عبر عملية تُعرف بالانهيار المُحرَّض بالتراكم (Accretion-Induced Collapse)، أو اختصاراً AIC.
النتائج، المتاحة في ورقة بحثية مسبقة على arXiv، لا تُعيد رسم صورة تشكّل النجوم النيوترونية فحسب، بل تُحدّد للمرة الأولى الشروط الدقيقة التي يجب أن تتوافر حتى يحدث هذا التحوّل النادر.
القزمة البيضاء: نجمٌ ميّت في انتظار شريك
حين تنفد وقود الهيدروجين من نجمٍ بحجم الشمس، لا ينفجر، بل ينكمش ببطء ليتحوّل إلى قزمةٍ بيضاء: كتلةٌ تعادل كتلة الشمس مضغوطةً في حجم الأرض. أمّا النجوم الأضخم تلك التي تفوق كتلة الشمس بنحو ثماني مرّات فتنتهي بانفجارٍ مستعر أعظم يُخلّف وراءه نجماً نيوترونياً تتراوح كتلته بين 1 و2 كتلة شمسية. هذان مساران مختلفان لمصيرَين مختلفَين.
لكنّ القزمة البيضاء ليست بالضرورة نهايةً ساكنة. إذا كانت تقع في منظومة ثنائية مع نجمٍ رفيق، فقد تسرق منه موادّ تتراكم على سطحها تدريجياً. وهنا يبدأ السيناريو الذي يدرسه فريق Thümmler.
يقول لورنز تومّلر، قائد الفريق في ETH Zurich: "في AIC، السلف هو بقايا نجمية موجودة أصلاً، والمحرّك ليس تطوّرها الذاتي، بل المادة التي يمنحها إيّاها النجم الرفيق."
غير أنّ ليس كلّ قزمةٍ بيضاء مؤهّلة لهذا التحوّل. معظم الأقزام البيضاء مؤلّفة من الكربون والأكسجين، وحين تقترب من حدّ Chandrasekhar الحدّ الأقصى للكتلة الذي يبلغ نحو 1.4 كتلة شمسية فإنّها لا تنهار، بل تنفجر انفجاراً مدمّراً من نوع المستعر الأعظم 1a، مُدمِّرةً نفسها كلياً. أمّا الأقزام البيضاء المؤلّفة من الأكسجين والنيون والمغنيسيوم، فقصّتها مختلفة.
الشروط الضيّقة لتحوّل نادر
تتشكّل الأقزام البيضاء الأكسجينية-النيونية-المغنيسيومية من نجومٍ تقع في نطاقٍ كتلي ضيّق جداً، وهي أكثف من نظيراتها الكربونية-الأكسجينية وتحتاج إلى كتلةٍ إضافية أقلّ للاقتراب من حدّ Chandrasekhar. يوضح تومّلر: "تُولَد عادةً بكتلةٍ أكبر وكثافةٍ أعلى من الأقزام الكربونية-الأكسجينية، ولذلك تحتاج إلى كتلةٍ إضافية أقلّ للاقتراب من حدّ Chandrasekhar."
لكنّ الوصول إلى هذا الحدّ لا يكفي وحده. معدّل التراكم أي سرعة استيعاب المادة القادمة من النجم الرفيق يجب أن يقع في نافذةٍ ضيّقة للغاية. يشرح تومّلر: "إذا كان المعدّل منخفضاً جداً، يمكن لانفجارات النوفا أن تطرد معظم المادة المتراكمة من جديد؛ وإذا كان مرتفعاً جداً، فإنّ الرياح النجمية أو تمدّد الغلاف أو التفاعل الثنائي قد يحول دون وصول القزمة البيضاء إلى الشروط المطلوبة للانهيار."
حين تتوافر هذه الشروط، تبدأ عملية دقيقة على المستوى النووي: تُلتقط الإلكترونات على نوى النيون والمغنيسيوم، ممّا يُزيل الضغط الذي كان يُبقي النجم متماسكاً. يقول تومّلر: "حين تتحقّق تلك الشروط، تُلتقط الإلكترونات على نوى النيون والمغنيسيوم. هذا يُزيل الضغط الداعم للنجم، ويتبع ذلك الانهيار."
مفاجأة في هندسة الانفجار
استخدم الفريق محاكاةٍ ثلاثية الأبعاد لدراسة ديناميكيات AIC، وتوصّل إلى نتيجةٍ غير متوقّعة تتعلّق بهندسة المادة المقذوفة. كان المتوقَّع أن تظهر أغنى المواد بالنيوترونات التي تُنتج العناصر الثقيلة على طول محور الدوران، حيث تكون التدفّقات المغناطيسية في أقوى حالاتها. لكنّ الواقع جاء مغايراً. يقول تومّلر: "توقّعنا أن تظهر أغنى المواد بالنيوترونات، التي تُنتج أثقل العناصر، على طول محور الدوران، لأنّ ذلك هو المكان الذي تكون فيه التدفّقات المغناطيسية في أقوى حالاتها. لكنّها لا تفعل ذلك." بدلاً من ذلك، تظهر هذه المادة عند خطوط العرض المتوسّطة، وهو ما قد يُغيّر فهمنا لكيفية توزيع العناصر الثقيلة في الكون.
حدثٌ نادر يصعب رصده لكنّه ليس مستحيلاً
تتميّز أحداث AIC بأنّها خافتةٌ وسريعة الزوال مقارنةً بالمستعرات الأعظم العادية، مع كميةٍ ضئيلة جداً من المادة المقذوفة. يلخّص تومّلر الأمر بوضوح: "AIC يُتوقَّع أن يكون خافتاً وسريعاً، وهذا يُفسّر سبب ضآلة المادة المقذوفة مقارنةً بالمستعر الأعظم العادي. ليست كلّ الأقزام البيضاء قادرةً على الخضوع لـAIC، وهذه هي النقطة الجوهرية."
من الناحية الرصدية، يُتوقَّع أن تظهر هذه الأحداث على شكل ومضاتٍ ساطعة في نطاق الأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي تمتدّ من يومَين إلى ثلاثة أيام، مع احتمال صدور انبعاثاتٍ في نطاق الأشعة السينية والراديو. أمّا النجوم النيوترونية الناتجة عن AIC، فيُتوقَّع أن تحتلّ الطرف الأدنى من توزيع الكتل، لأنّ كتلة القزمة البيضاء المنهارة قريبةٌ من حدّ Chandrasekhar وتُقذف منها موادّ قليلة نسبياً، وإن كانت هذه الكتل تتداخل مع كتل النجوم النيوترونية الناتجة عن المسار التقليدي.
تبقى معدّلات حدوث AIC في الكون غير محسومة، وتظلّ هذه الأحداث نادرةً بشكلٍ متوقَّع. لكنّ مرصد Vera C. Rubin، بقدرته على رصد السماء بعمقٍ وسرعة، يُعدّ أحد الأدوات المرشّحة لاصطياد هذه الومضات العابرة حين تحدث.
ما الذي يأتي بعد ذلك؟
يعمل الفريق حالياً على خطّين متوازيَين لتطوير هذا البحث. يُوضح تومّلر: "الأوّل هو جعل منحنيات الضوء المتوقَّعة أكثر موثوقية، من خلال تتبّع التسخين الإشعاعي وحقن الطاقة بتفصيلٍ أكبر بكثير"، مضيفاً: "هذا العمل جارٍ حالياً." أمّا الخطّ الثاني فيتعلّق بهندسة الانفجار ذاتها: "الاتجاه الثاني هو اختبار متانة هندسة الانفجار، إذ تبدأ نماذجنا الحالية بتشكيلٍ مغناطيسي بسيط نسبياً، والحقول المغناطيسية الأكثر تعقيداً أو المائلة قد تُنتج أنماطاً زاويةً مختلفة للمادة المقذوفة."
ما يجعل هذا البحث مثيراً للاهتمام ليس فقط الحدث الفلكي في حدّ ذاته، بل السؤال الأعمق الذي يطرحه: كم من الأحداث الكونية الجوهرية تحدث في صمتٍ شبه تامّ، بعيداً عن مدى رصدنا الحالي، لمجرّد أنّها لا تُشبه ما نبحث عنه؟
أخبار ذات صلة

مخلوقات غريبة شوهدت تركب عناكب البحر العملاقة في منتصف الليل في المحيط

علماء يكتشفون 84 جسماً غامضاً فائق اللمعان في المجرات القريبة

تأثير العواصف الشمسية على السكك الحديدية: اكتشاف تاريخي من عام 1848
