اكتشاف كوكب فتي يرصد ولادة الكون مباشرةً
اكتشاف كوكب خارجي عمره أقل من مليون سنة يدعى Elias 2-24 b يشكل ثورة في فهم تكوّن الكواكب ويكشف عن أسرار جديدة تتحدى النماذج العلمية التقليدية ويؤكد أهمية الرصد المباشر باستخدام أقوى التلسكوبات عالمياً في وورلد برس عربي.

في علم الفلك، نادراً ما تُتاح لنا فرصة مشاهدة الكواكب وهي تُولد. غير أن ما نُشر في 16 سبتمبر 2026 في مجلة «The Astrophysical Journal Letters» يُعيد رسم حدود ما نعرفه عن نشأة الكواكب: رصد فلكيون كوكباً خارج المجموعة الشمسية لم يتجاوز عمره مليون سنة، مما يجعله الكوكب الخارجي الأصغر سناً المكتشف حتى الآن. يحمل هذا الكوكب اسم Elias 2-24 b، وهو يدور حول نجم يبعد نحو 450 سنة ضوئية عن الأرض، وما يزال يمتصّ المادة من محيطه في مشهدٍ نادر الحدوث.
كوكبٌ في طور التكوّن: ما الذي يجعل هذا الاكتشاف استثنائياً؟
لفهم حجم هذا الاكتشاف، يكفي أن نضع الأرقام في سياقها: عمر الأرض يفوق عمر Elias 2-24 b بنحو 5,000 مرة. وإذا قارنّاه بأقدم كوكب خارجي معروف، وهو PSR B1620-26 b الملقَّب بـ«ميثوسيلا» (Methuselah)، فإن Elias 2-24 b لا يمثّل سوى 0.008% من عمر ذلك العملاق الكوني. وكان سجلّ الأصغر سناً يُحتفظ به حتى وقت قريب لكواكب تدور حول النجم PDS 70، ويبلغ عمرها نحو 5 ملايين سنة، ثم جاء TIDYE-1b عام 2024 بعمر يقارب 3 ملايين سنة، ليليه AB Aurigae b عام 2025 بعمر يُقدَّر بنحو مليوني سنة. أما Elias 2-24 b، فهو أصغر سناً من أيٍّ من هذه الكواكب بمرتين على الأقل، مما يضعه في مرتبة فريدة لم تبلغها أي مشاهدة فلكية مباشرة من قبل.
يبلغ كتلة هذا الكوكب ما بين 2 و4 أضعاف كتلة المشتري، ويدور في مدار يبلغ قرابة ضعف المسافة التي تفصل نبتون عن الشمس. وقد رصد الفلكيون أول إشارة لوجوده عام 2017، حين لاحظوا فجوةً غير مألوفة في القرص الكوكبي الأوّلي المحيط بنجمه المضيف وهي الفجوة التي تنشأ عادةً حين يشقّ كوكبٌ ناشئ طريقه عبر الغاز والغبار الكوني.
ثلاثة تلسكوبات لتأكيد ما لم يُرَ من قبل
لم يكن تأكيد هذا الاكتشاف أمراً يسيراً. تطلّب الأمر توظيف ثلاثة من أبرز المراصد الفلكية في العالم: مرصد W. M. Keck Observatory في هاواي، ومصفوفة ALMA (Atacama Large Millimeter/submillimeter Array) في تشيلي، والتلسكوب الكبير جداً VLT التابع لـ European Southern Observatory في تشيلي أيضاً. وقد نجح الفريق في رصد الكوكب مباشرةً وهو أسلوب نادر، إذ تجاوز عدد الكواكب الخارجية المكتشفة حتى الآن 6,000 كوكب، اكتُشف معظمها عبر طريقة العبور (Transit Method) التي ترصد خفوت ضوء النجم حين يمرّ كوكبٌ أمامه. غير أن هذه الطريقة تفقد فاعليتها حين يكون الكوكب لا يزال محاطاً بقرصه الكوكبي الأوّلي، لأن الغبار والحطام يُعتّمان ضوء النجم باستمرار، مما يجعل إشارة العبور مستحيلة التمييز. لذا يستلزم رصد الكواكب الشابة أن يكون القرص مواجهاً للأرض بشكل مباشر، حتى تظهر الفجوات التي يُحدثها الكوكب الناشئ.
يصف Andrea Bernardi، طالب الدكتوراه في معهد الدراسات الفيزيائية الفلكية بجامعة Diego Portales، ما يجعل هذا الاكتشاف بالغ الأهمية: "ما يجعل Elias 2-24 b استثنائياً هو عمره. هذا هو أصغر كوكب مكتشف حتى الآن، ولأنه لا يزال يمتصّ المادة من محيطه بصورة نشطة، فنحن قادرون على مشاهدة مرحلة من مراحل تكوّن الكواكب نادراً ما تُرصد مباشرةً."
حين تعجز النماذج النظرية عن مواكبة الواقع
ما يطرحه Elias 2-24 b لا يقتصر على الدهشة الفلكية؛ بل يضع علماء الكواكب أمام تساؤلات جوهرية حول نماذجهم النظرية. يقول Lucas Cieza، الفلكي في المعهد ذاته: "نماذج تكوّن الكواكب لدينا كانت تعاني أصلاً في تفسير الكواكب التي كانت تحمل الرقم القياسي كأصغر الكواكب المعروفة. Elias 2-24 b يُظهر لنا أن حتى أفضل نماذجنا لتكوّن الكواكب لا تزال تفتقر إلى بعض العمليات المهمة."
هذه الفجوة بين النظرية والمشاهدة هي بالضبط ما يجعل الرصد المباشر لكوكب في هذا العمر المبكر ذا قيمة علمية استثنائية. فالكواكب تتشكّل بالتكتّل التدريجي للغاز والغبار في الأقراص الكوكبية الأوّلية المحيطة بالنجوم الفتية، وهي عملية تستغرق في التصوّر النظري ملايين السنين. لكن Elias 2-24 b يثبت أن الواقع أكثر تعقيداً وأسرع مما تفترضه النماذج الحالية.
ما الذي ينتظرنا مع تلسكوب Nancy Grace Roman؟
لا يبدو أن هذه الاكتشافات ستتوقف عند هذا الحد. في 30 أغسطس 2024، أطلقت NASA تلسكوب الفضاء Nancy Grace Roman، الذي يعمل حالياً على معايرة أجهزته. يمتلك هذا التلسكوب مُتوِّجاً إكليلياً (Coronagraph) يحجب ضوء النجوم، مما يُحسّن قدرته على رصد الكواكب الخارجية بما فيها الشابة منها. ويُتوقَّع أن يكتشف Roman ما يصل إلى 100,000 كوكب خارجي جديد خلال مهمته.
يختصر Cieza الصورة بوضوح: "هذه مجرد بداية حقبة جديدة من الاكتشافات. Roman سيأخذ صيد الكواكب إلى مستوى آخر."
السؤال الذي يظل مفتوحاً أمام الفلكيين الآن ليس ما إذا كانت ثمة كواكب أصغر سناً في انتظار الاكتشاف بل كيف يجب أن تُعاد كتابة النماذج النظرية لتكوّن الكواكب في ضوء ما يكشفه Elias 2-24 b من أن الكون قادر على بناء عوالم جديدة بسرعة تفوق كل ما تخيّلناه.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
