اكتشاف كوكب رضيع يعيد تعريف تكوين العوالم
اكتشاف كوكب Elias 2-24 b الأصغر سناً يكسر قيود النماذج الحالية لتكوّن الكواكب ويعيد رسم فهمنا لبدايات العوالم. اكتشف كيف تعاونت تلسكوبات متقدمة لرصد هذا الكوكب الوليد في وورلد برس عربي.

يُولد كوكبٌ جديد في مكانٍ ما من المجرّة كلَّ لحظة، لكنّ رؤيته في مرحلة مبكرة ظلّت حتى وقتٍ قريب خارج متناول أقوى التلسكوبات. هذا الحاجز كُسر أخيراً، حين أعلن فريقٌ من علماء الفلك عن اكتشاف الكوكب خارج المجموعة الشمسية الأصغر سناً على الإطلاق، ويحمل اسم Elias 2-24 b، بعمرٍ يقلّ عن مليون سنة وهو رقمٌ يبدو ضخماً بمقاييس الإنسان، لكنّه لا يعدو أن يكون رمشةَ عينٍ في سجلّات الكون.
النتائج نُشرت في 16 سبتمبر 2023 في مجلة The Astrophysical Journal Letters، وتقول بوضوح إنّ نماذجنا الراهنة لتكوّن الكواكب تحتاج إلى مراجعة جوهرية.
كوكبٌ يتحدّى النماذج
Elias 2-24 b كوكبٌ بحجم المشتري تقريباً، يقع على بُعد 450 سنة ضوئية من الأرض. ما يجعله استثنائياً ليس حجمه، بل سنّه: كلّ الكواكب الخارجية الشابة المكتشفة سابقاً كانت تتجاوز خمسة ملايين سنة على أقلّ تقدير. هذا الاكتشاف يقفز بنا إلى ما قبل ذلك بمراحل.
يقول Lucas Cieza، أستاذٌ مشارك في الدراسة من Instituto de Estudios Astrofísicos في تشيلي، بصراحةٍ علمية نادرة: "نماذج تكوّن الكواكب لدينا كانت تعاني أصلاً في تفسير الأرقام القياسية السابقة للكواكب الأصغر سناً." ثم يُضيف: "Elias 2-24 b يُثبت لنا أنّ حتى أفضل نماذجنا لا تزال تفتقر إلى فهم بعض العمليات المهمّة."
هذا الاعتراف ليس ضعفاً علمياً بل هو بالضبط ما يجعل الاكتشاف ذا قيمة. فالكوكب لا يُجيب فحسب، بل يُعيد صياغة الأسئلة.
كيف وُجد كوكبٌ في أرشيف قديم؟
قادت البحث Andrea Bernardi، طالبة دكتوراه في Universidad Diego Portales بتشيلي، وفريقها لم يستخدم تلسكوباً جديداً بل عاد إلى الأرشيف. البيانات المُستخدمة في التأكيد مصدرها مرصد W.M. Keck في هاواي، وتحديداً بيانات أداة الكورونوغراف (Coronagraph) التي تحجب ضوء النجم المُبهر لتكشف ما يدور حوله.
فحص الفريق بيانات الكورونوغراف لسبعة نجوم تحيط بها أقراص من الحطام الكوني. وكانت مشاهداتٌ سابقة من مرصد ALMA ومن التلسكوب الكبير جداً التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي (ESO's Very Large Telescope) قد كشفت عن فجوةٍ في القرص المحيط بنجم Elias 2-24 وهي الفجوة التي يُفترض نظرياً أن يكون كوكبٌ قد نحتها بجاذبيته.
تقول Bernardi: "يجب أن تُوجد الكواكب داخل هذه الفجوات، لأنّها هي التي تحفرها. وهذا بالضبط أين وجدنا Elias 2-24 b." التطابق بين النظرية والرصد كان تاماً.
وتُلاحظ الباحثة ذاتها أنّ هذا الاكتشاف لم يكن ممكناً بأداةٍ واحدة: "نسمع عادةً عن تلسكوبات تعمل بشكلٍ منفصل، لكنّ هذا التأكيد لم يكن ممكناً إلّا باستخدام عدّة تلسكوبات معاً." هذا التعاون بين ALMA وVery Large Telescope وKeck هو ما حوّل الاحتمال إلى يقين.
العمى الجزئي وما بعده
يُشير Cieza إلى مفارقةٍ مقلقة في علم الفلك الراهن: "المجرّة تُنتج نجوماً وكواكب باستمرار، وثمّة منها في كلّ مرحلة من مراحل التطوّر." لكنّه يُتابع بنبرةٍ تحذيرية: "هذا يعني أنّنا نستطيع نظرياً رصد العملية كاملةً، لكنّ ثمّة فجوةً كبيرة فيما تستطيع معظم التلسكوبات رصده. نحن في الواقع شبه عُميان أمام هذه الكواكب الرضيعة الآن."
Elias 2-24 b، وفق Bernardi، "يقع عند حدود ما تستطيع التلسكوبات الحالية رصده." لكنّ الأفق يتّسع: فقد أُطلق تلسكوب NASA's Nancy Grace Roman Space Telescope في 30 أغسطس 2023، مزوّداً بأداة كورونوغراف متطوّرة تهدف إلى تحسين الرصد المباشر للكواكب الخارجية ودراسة أجوائها. وتقول Bernardi إنّ "مثل هذه الاكتشافات ستصبح أسهل" مع هذا الجيل الجديد من الأدوات.
يمكن الاطّلاع على بيان NASA التفصيلي حول Elias 2-24 b للمزيد من السياق العلمي.
ما يبقى مفتوحاً هو السؤال الأعمق: إذا كان كوكبٌ بعمر مليون سنة قادراً على الوجود والتشكّل بهذه السرعة، فأيّ عمليات تكوينية لم نفهمها بعد؟ الإجابة لن تأتي من نموذجٍ واحد، بل من جيلٍ جديد من التلسكوبات يُعيد رسم ما نعرفه عن بدايات العوالم.
أخبار ذات صلة

مسبار ناسا يكتشف حفرة عملاقة على القمر: لماذا يُعتبر هذا اكتشافاً نادراً؟

رواد فضاء Crew-12 يستعدّون للعودة إلى الأرض: "أتطلّع لرؤية الطبيعة مجدّداً"

المستوطنون على المريخ قد يسكنون منازل من الخميرة والجيلاتين
